ما وراء الذهول!

10641041_575821405856066_904463836428955073_n

يس المك

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

إتغابى ضُلَّك عِرْفَتَك،

واترَك مخالف خطوتك ..

واللون مشتّت في الرماد*

… وأصابع تفكيرك تغوص في أعماق جراب الأجوبة، دون أن تجد شيئاً. تتسامى حدّة التناقض في ذاتك، لكنهم لا يشعرون بأن ثمة براكين بجوف كائن هنا، فقط يرون الأعين المستديرة عن آخرها وقد بدا لحم الجفون، ويسمعون اصطكاك الأسنان، دون أن تنفذ بصائرهم إلى حقيقة هذا الشعور اللعين، كيف سيبدو الحال لو لم يكونوا إخوتك؟! لماذا يتحدثون عن الطب النفسي أثناء ما يقتادونك إلى المدينة؟! يا لهذا الإحساس الحقير الذي يندى له الجبين! ولكنك أيها المعتوه صامت، لم ترفض، لم تسأل، رافقتهم في خضوع، وكأنك تدري السبب، والحقيقة أنك خائف أن يكون السبب هو ما انتهى إلى فهمك من تهامسهم؛ فتسكت، كأن الخوف يغير الحقيقة ..

عاصفة التفكير قضت على كل شئ، هتكت الروابط المحترمة بينكم، كخيوط العنكبوت تتهاوى مع الريح، حطمت كل شئ، حتى الثقة تبددت مثل ذُرا الرماد في العاصفة. وفقط لحظتها، وكوحي تنزل عليك من أم السماء؛ أدركت أن معظم البؤس في حياتك من هذه الكلمة المبتذلة: الثقة. وتتعجب من غبائك، إهمالك للامعنى في هذه الكلمة أفقدك الكثيرين. وبحركة مباغتة، في لحظة تنوير، وارتعاشك وشى بطريقتك في التفكير بكامل جسدك؛ قررت التحقق من كل شئ، حتى إسمك على بطاقة الهوية .. حتى ما بين خاتمك وجلد السبابة .. والمسامات في خطوط راحة اليد .. تبحث، وتُنقِّب؛ ربما انكشف لك السر في نقص البشر، فتطلع على دخائلهم، وينجلي سر الصمت ..

يا للسذاجة التي تغلف ملامحك خلف هذا السطح المصقول!

.. ما زلت تبحث عن أجوبة لتصرفاتهم هذه الغريبة، ثرثرتهم التي لا تنقطع، ما زال الغيظ يُثقل على قلبك المهترئ حينما ترى الوجوه مليئة بالشفقة وهم يتحدثون إليك، فليغضبوا، فليصرخوا، أو حتى ليبتسموا كالبلهاء .. إنما الشفقة! … تراهم مجمعين على ذلك، كأن رابطاً خفياً جمع أفئدتهم فباتت تهفو لذات الشئ، هؤلاء الذين لا يجتمعون إلا لوفاة بغير حزن، أو عرس بنهم أشعبي. إنه لشئ جميل أن يتفقوا على شعور واحد، ولكن أن يكون هذا الشعور، والشفقة بالذات، لأجلك أنت! .. أمر لا يطاق. من الذي أصابه مرض نفسي ويهمهم أمره لهذه الدرجة، وما علاقتك بكل ذلك؟! المشكلة أن هذا أيضاً لا ينتهي بك حيث تريد: أين الوجهة؟

.. ما زلت تبحث، في مقعدك الضيق بين السائق وأخيك إلى يمينك، كأنهم تعمدوا حشرك هنا حتى يضيقوا عليك الخناق، فهم يعرفون أنك تحب النوافذ، تبحث دائماً عن نوافذ للهواء .. للوجود .. الأمن، والآن بالذات أنت بحاجة إلى نافذة ينفذ إليك الضوء عبرها. فتستعرّ حُمى البحث، في (تبلون) السيارة، وفي أعينهم التي تتوارى عنك، وفي قدمَي السائق التي تضطرب على الدواسات، نظرات مرتبكة، هنا .. هناك .. تفتح حقيبتك الجديدة، لتُفاجأ بالشقوق وآثار العنف عليها، تدرك أن الفاعلين هم رجال الشرطة عند التفتيش، وعلى طريقة المجانين تطلب إلى السائق التوقف ومجانبة الطريق .. تقفز إلى الأرض مع حقيبتك .. تفند الثياب قطعة قطعة، وتقذف بها إلى مقصورة القيادة. ومرة أخرى تتحقق من الشقوق على سطح الحقيبة .. وتمر صورٌ ضبابية أمام عينيك، تغري أعصابك بالتمرد على إرادتك المغتصَبة، فتستعصِ حركاتك على التحكم، كأنها ليست صادرة من أعضائك ..

توتر محموم ..

إرتجاف ..

تشنج …

حبتان من يدي أخوك، لابد ستهدئان اضطرابك، ولا شك أن هناك ثمة خير بين أضلع البشر، ولكنك لا تهدأ، أو أن حركتك تهدأ وجوفك مزلزلاً. لا يأمن لك خوف. وكأن في الحنجرة مقصلات تعدم الأوردة واحداً واحداً، ثم تنمو مجدداً، وأنت تتألم، تختنق، تهم بالصراخ، وليس الصراخ إلا درجة أخرى من الألم، تشعر بخَدَرِ على أطرافك، تماماً كأول يوم ارتشفت فيه الماء الأغبش السحري، وتتراءى لك الشعيرات على جلدك كألسنة اللهب، جحيم على بشرتك، تبدو كأعراض تسمم .. وداء فكري فتاك يسيطر على خلاياك العصبية: الشك. ها أنت تثق بهم مرة أخرى، تسلمهم حياتك، أو بالأدق روحك التي ما عرفت حياة، على طبق من كرم غبي، حبتان كفيلتان بقتل فيل، لماذا يفعل الإخوة ذلك!

تتمايل الصور .. تصبح ضبابية أكثر ..

التشويش، إنزواء الرؤية ..

وتبدو قدرتك الخارقة على التجلد، تستمد بعضها من سرب الذكريات الذي حطّ كالبلسم على روحك المتقرحة ..

.. ما زلت تبحث عن أجوبة، ولكن شيئاً غامضاً يجذبك نحو القاع في محيط الإستفهامات، وتكرر ذات الخطأ مرة ومرات ومرات .. يا لك من غبي، لولا أن هذا السطح المصقول كلفني ثمناً غالياً لطالتك يمناي بصفعة زهدتك في الأجوبة، وحينها ستصدق عليك ثرثرتهم، ستكون أنت الذي يتهامسون عنه، أنت أيها الخاضع الذليل، المسخ الذي يمارس هوايته في التقليد عبر اللازمان ولا مكان.

أفضل ما تفعله الآن، والشئ الوحيد الذي يدل على أن لك إرادة ما؛ هو أنك تفعل كل شئ باتجاه معاكس. ليتك تستجيب للألم أيضاً بصورة معاكسة! لكنك انتبهت لجرحك الغائر المتورم، ركبتك التي تمددها منذ أن بدأت هذه الرحلة اللعينة غير المبررة، مع هؤلاء الذين أصبحوا فجأة غريبي الأطوار، كأنها فندك** مجوف، عليه ثمرات من الدوم، ينوي أحدهم سحقها، فلا يسحق إلا عظامك، كل نتحه ألم تغمض لها الجفون، كأنك خُلقت بلا محاجر للمقل ..

ذات الشئ الغامض يجذبك نحو قاع الإستفهامات العنيدة .. الإستفهامات التي ما زال بعضها يبدو في ملامحك خلف هذا المربع العاكس، وبفعلها اقترنت حقيقة القاع بإسم مدينة طال المسير نحوها، كأنها ما كانت يوماً إلا في هذا القاع، مدينة تحت مستوى التفاؤل والأمل، وأثناء سيرك لا ترى غير مخلوقات تبحث فقط عن طعام، الكبير منها يفترس الصغير، وكلما كانت لك أسلحة للفتك كلما زاد احتمال بقائك حياً، وأنت لا تملك سوى استفهامات، إنها الأسباب التي بعثت تصرفاتك المستَنكَرَة ..

ترى لافتات كبيرة لمحال مختلفة الأغراض: هنا متجر، وهناك مطعم، وبقربه مكتبة، وهذه اللافتة الكبيرة أعلى بوابة حديدية، يقف إلى جانبيها حراس متيقظين بلا أسلحة. وتوقفت عربة الأجرة التي تقلكم أمامها تماماً، مما وفر لك الوقت لتأملها جيداً: حروف عربية بارزة، مكتوبة بخط (تاهوما) واضح، فضية اللون، يبدو أنهم يخصصون لها عاملاً للإهتمام بنظافتها، فهي تبدو مصقولة ولامعة، مكتوبة على خلفية زرقاء مما جعلها واضحة حتى لو نظرت إليها من زاوية شديدة الحدة .. تأملت اللافتة جيداً إذن، ولكنك أغفلت دلالتها، ولم تنتبه إلا حينما عرفت أنها وجهتكم ..

إنها مصحٌ نفسي!

الآن بدأت تفهم ..

الآن عرفت وجهتك، ونتيجة الصمت والتظاهر البريء ..

فهمت ذلك كوخزة عميقة في الجلد، فهمت سبب تصرفاتهم التي بدت لك غريبة ..

ولكنهم لم يفهموا، حتى الآن، لماذا اندفعت بتلك السرعة وراء كيس تتلاعب به الريح، كان تفسيراً مطابقاً لحالتك، لم يفهموا أن كل الأجوبة التي تبحث عنها حملتها إليك الريح، لم يفهموا أن الكيس لم يكن إلا دليلاً إلى حيث تريد: الأجوبة النهائية والحاسمة.

وهكذا دفعت ثمن عجزهم عن الفهم، وأُغلقت بوجهك كل المنافذ، ولم يبق غير هذا المربع المصقول الذي منحك من يستمع لك، ولا تدري هل هو الآخر يفهمك أم لا ..

-تمـــت-

=====

هامش:

* الأبيات لشاعر مجهول يدعى (سي).

** غصن شجرة مجوف، يستخدم لطحن التوابل، وهو من أدوات المطبخ السوداني.

ابريل/2015م

دنقلا

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

اترك تعليقاً