الرئيسية / العدد الثلاثون / بريد القراء : نداء الخرزات

بريد القراء : نداء الخرزات

11068230_433639950150059_6148631263753779985_n


سلمى ميرغني :

**

سمراء كقهوة تعدها الجدة في المساءات ، فارعة الطول كنخلة تنأى بأطيب ثمارها عن أيدي البشر ، شعرها المعقود خلف لوحتي كتفها يشي بأنها عقدت الحسن حول جيدها ذات مساء ، تحدق في الفراغ بعيون ساحرة أكسبها رهق السنون لفحة من الحزن ، و كما تآمرت شفتاها على إخفاء حبات اللؤلؤ المتراصة بدهشة داخل فمها ، علمتها الأيام أيضاً إخفاء آثار الألم ، و طعم المرارات ، و خبرتها كثيراً كيف أن عليها أن تبتسم لتسمح للكلمات بالتبخر .

المبنى يكسوه البياض ، فقط القليل من السواد ينتشر على أرضيته ، الكثير من الآيات القرآنية معلقة على الجدران ، و صور تشي بالكذب الذي يغطي كل شئ هنا ، المسؤول كبير الكرش يظهر بابتسامته الوحيدة ممسكاً بالمقص كل مرة ، المندهشون حوله يصفقون ملء خستهم و يرسمون برتابة ابتسامات سعيدة و أنظارهم معلقة على دفتر للشيكات يطل من جيب سترته ، وحدها الصغيرة التي تحمل الزهور تقف مذعورة وسط هذه الجموع ، تعلم كما يعلم الجميع أن الأبنية الجديدة تعني توافد الكثير من متحجري القلب ، الكثير من الأعمال الشاقة ، و قدراً أكبر من الهمسات الشاتمة .

سيأخذ الأمر كثيراً من الوقت ، تعلم ذلك رغم الإبتسامات الكاذبة التي تقابل بها في كل مرة ، أغصان الأشجار المطلة على النافذة بفضول ، و رغم كل شيء ، بها شيء من ذكرى لوطن غطاه الرماد ، وطن كان ذات يوم يستلقي على بساط أخضر و يطربه هدير النهر الهادئ ، الأكواخ المتناثرة كودع ألقته القارئة على مهل ، الكثيرة المتباعدة تنبئ عن أحوال حسنة ، و غنى، و كثرة في الأولاد و البنات ، و المتقارب منها يشي بنقص في الأرض و سائر الأشياء ، القمم هي من يلقي التحايا قبل كل شيء على القادمين ، فهي طويلة بما يكفي لتلمح كل شيء بعيد ، أسوار الحصير المحيطة بها كسوار من خشب البان حول معصم فاتنة ما ، تمنحها الكثير من الأمان ، و شيئاً من الهيبة و قدراً من الجمال ، كومة الرماد الكبيرة تحتل ركن المنزل ، تحدق في الزوار بعين فاحصة و ربما تقرر التنقل في أرجاء المنزل ، فتغري الرياح ببياض اللون ، قبل أن تعيدها الفتيات إلى مكانها كل مرة ،  و القدور الكبيرة متراصة بترتيب قربها ، و كذا باقي أدوات الطبخ ، في الكوخ المقابل تجلس صغيرة بفرح كبير ، أختها الكبرى ذات العشرة أعوام تقوم بضفر شعرها ،  تدهنه بشيء من دهن الغزال ، و تعطره بقليل من العطر ، فبعد أسبوع سيبدأ موسم الحصاد ، كانت “ميري” تتململ كلما أحست أن أختها “ماريا” انتهت من ضفر جزء من شعرها ، كانت خلسة تحاول الوصول إلى المرآة ، فتضربها ماريا برقة و تتوعدها بأنها لن تضع لها الخرزات اذا لم تتوقف عن التحرك ، صياح الأم يقطع مشاجرتهما الصغيرة ، لتنهض ماريا مجيبة  نداءها ، و تترك ميري محتجة غاضبة .

تنهيدة ميري و ذكرياتها المختلطة باليأس ، و الكثير من الحنق ، قطعتها الأستاذة أميرة ، وقفت أمامها و هي تلوح بيديها المثقلتان ذهباً، أرخت نظارتها و رفعت صوتها قائلة : ميري ، هل تسمعينني ؟ سوف ننقلك لدار الرحمة للفتيات ، يجب أن نعود لحزم أمتعتك ، هيا تحركي . أصوات خطواتها المستسلمة نشرت الحزن في المكان ، كانت خطواتها تعزف إيقاعاً لائماً لكل الذين ألقوها إلى هنا يوماً، حذاؤها أثقلته أحزانها ، و هدته خطاها الحائرة ، فيحاول جاهداً التملص من تحت قدميها ، لكنه كان حذاءها الوحيد فتشبثت به بقوة ، فهي تدخره لأيام لن ترحمها فيه الطرقات ، لأيام ستشعل الشمس هذه الأرض اللعينة انتقاماً لموطنها ، لطالما علمت أن الشمس تكن مودة خاصة لموطنها ، فرغم الأشجار المتشابكة جداً ، كانت الشمس جاهدة تحاول القاء التحية عليهم ، كانت تحرس منازلهم حين يهاجرون خوفا من الفيضان ، لم تكن تسمح للمياه بتدمير قراهم .

الحقيبة الصغيرة الخالية إلا من قليل من الملابس ، و الوداعات التي لم تقلها ، و عجلة الحياة التي واصلت الدوران بدونها هنا ، كانت تكتسي الأحمر لوناً ، و رغم أنها تكره كل شئ هنا ، لكن شئ من التوجس و الألم اصاباها و هي تغادر داراً قضت فيها أربعة اعوام من عمرها ، لم تكن جميلة جدا ، لكنها لم تخلو من الضحكات الصغيرة ، او المؤامرات قليلة الخبرة ،  كيف كانت ستكون هذه الأربع لو لم تندلع الحرب ، ماذا لو لم تكن قريتها غنية بالنفط ، حقا إن الغني دوماً يجلب المتاعب ، قبل أربعة اعوام كانت دوما تشكو ان لديهم الكثير من الأراضي لزراعتها ، كانت تشفق على إخوتها الخمس ، و بنفس الوقت كانت سعيدة لأنها فتاة صغيرة ، و لا يجب عليها سوى نثر البذور ، سعادتها كانت تتبخر عندما تنتهي معظم قريناتها من نثر البذور ، بينما يكون لديها الكثير من العمل المتراكم ، تمنت كثيراً لو كانت صبياً ، كانت ستنضم إلى صفوف الجيش ، و كانت الآن في النعيم ، لكنها فتاة و على قيد الحياة ، في بلدة كانت السبب في تدمير كل شئ تملكه .

الطريق إلى منزلها الجديد كان مزدحماً، حركة السير كانت بطيئة بطء اندلاع الحروب ، لن يلحظه احد حتى يظهر قتيل للعلن ،  قتيل أول يلحقه آخر ، و تهدأ الحركة و يأمن الجميع أن الأمر ليس أكثر من حادث صغير ، ليأتي آخر من اللامكان و يقتل ، ليبدأ بعدها القتال الذي يطال كل شئ و كل شخص ، الإزدحام كان محكما قبضته على المكان ، يتدافع الجميع نحو ” الباصات ” تدافعا لو علموا كم من الثقوب تحدث بقلب ميري اليافع ، ما قدموا عليه او ربما فعلوا ، انهم بذلك  يسلبونها حقها في النسيان ، رؤيتهم تبعث داخلها آلالاما أصابت يدها الصغيرة ووالدتها تضعها بخوف على ظهر ذلك ” الباص ” هي و اخوتها ، لازالت العلامة السوداء محفورة على ساعدها ، لتذكرها كيف اقتلع الجنود اخوتها ، لازالت صراخاتهم خالية الصوت ، تخترق مسام قلبها الجريح ، دموع اختها ماريا التي لم تغادر مقلتيها ، ابتسامتها الشجاعة ، و جسدها المستلقي على بركة من الدماء ، رسم داخلها ذات نهار خوفاً من النهارات المزدحمة المعطرة برائحة العرق ، الموشحة بالصرخات و الدموع المتحجرة .

كان اول ما لاحظته في منزلها الجديد ، خلوه من الخضرة ، يبدو انهم قرروا أن يطلوا بها المبنى فقط ، السور المتهالك يبدو كمن يحاول الهرب من هنا ، مبنى واحد يقف محدقاً بها ، يملأه الاشمئزاز من كل شئ ، انه يلفظ الطلاء الذي يغطيه في محاولة يائسة منه للإستغاثة ، الممرات الواسعة تغطيها صفرة باهتة ، غرستها ابتسامات خبيثة ذات يوم ، صمت هامس يطغي على كل شيء ، بآلية رحبت بها مديرة الدار ، و دلتها على الغرفة التي تتشاركها مع خمسة أخريات ، ألقت التحية ببرود و هكذا رددنها .

الصباحات توقفت عن الشروق هنا ، انه الليل فقط يصيبه الإرهاق من كل تلك الحكايا البائسة ، و الذكريات المعتقة موتاً و غربة ، و الأماني المستحيلة ، فيذهب راكعا عند طرف الأرض طالبا القليل من الراحة ، طالبا من الشمس ان تسعر البشر ، عل أحدهم يشكوه ذات يوم من حروق الشمس او شئ بسيط يمكن لنسائمه الباردة ان تداويه ، لكن البشر هنا مدمنون علي الحزن ، أرضعتهم اياه الطرق المنتهية الي الضياع ، اطعمتهم اياه ملامح الموتى الفزعون ، و ابتسامات المجرمين حيث اتجهوا .

هنا عليها ان تتعلم الكثير من الحرف ، لتتمكن من اعالة نفسها ذات يوم ، كانت اصابعها تخط حزنها علي الصوف دون الأوراق ، لازمها اينما ذهبت ، يتجاذبان اطراف الحديث دون صوت ، تخيطه كنزة تضعها ملونة بالأحمر ، ستكسوها لماري عندما تطل عليها في الحلم اليوم ، لن تلحظ ماري الدم و لن تفزع ، ستموت مبتسمة و لن تلحظ لشبح الموت يتسلل الي جسدها ، ستخيطها حذاء أسود اللون ، تضعه علي قدمي والدها المتورمتين ، ستبعدان عنه الألم ، ستشجعانه علي قطع الطريق نحو الأمان ، قد تخيطها فستانا يخفي جمال والدتها ، فربما يساعدها هذا علي الموت و القليل من الفرح بجعبتها ، و حتما ستخيط قلبا أخضر اللون ، ستزرعه داخلها ، ستشب الغيرة في قلبها الجريح و سيعود أخضرا يانعا ، قد تمرره علي صويحباتها ، مساءات الخياطة جمعت الفتيات معا ، و كذا خيوط دروبهن .

و ذات مساء كن قد انهين قطعة تجمع دروبهن معا ، كانت تحوي كل الألوان ، الأخضر كان حاضرا بكثرة ، و كذا الأسود و الأحمر ، وسط كومة الصوف اختفت كل الإبر التي كانت تتساقط بلا توقف علي دروبهن ، و وسط ألحان الفرح ، و رقصات الإبتهاج تناست ميرى كيف تهطل الأمطار الأخيرة بعد غياب صغير ، تناست انها تكون الأقوى ، و الأكثر تدميرا ، كن يرقصن بطرب تسلل الي قلوبهن المتعافية حديثا ، الخطوات الراقصة كانت تأخذهم كل مساء الي ساحة احتفالات القرية ، اصوات المزامير ، زغاريد النساء ، و الطبول المنتشية ، و كما تقرع الطبول ايذانا بمقدم الفرح ، فهي تقرع ايذانا بحلول المصائب و الأحزان .

كان الخيط الأسود الأكثر غلظة يقف مستهزئا خلف نافذة الفتيات ، ينتظر الرياح لتحمله فيسقط بينهن ، و يخنق جنين الفرح الذي نما بينهن ، و يقطع عن قلب الأمل خفق الإنتماء . كان طويلا ، يرتدي الأبيض ، ضخما و ممتلئا ، يحمل علي يده مسبحة باللون الأسود ، وجهه يفضح مائدة بيته العامرة ، و حذائه الجديد بدأ الصراخ من ثقل صاحبه ، و بطء خطاه ، اجتمع مع مديرة الدار لفترة طويلة ، ليخرج الإثنان و علي وجهيهما ابتسامة جميلة ، و وعود بالسعادة و كثير الأجر .

لقد تقرر الأمر ، الرجل ذو البشرة اللامعة ، يدير دارا خيرية للفتيان ، و يفكر بتزويج عدد من فتيانه ذو الأعمال الجيدة بفتيات من الدار ، ضمن حفل زواج جماعي ضخم يدعو اليه كبار المسؤولين ، كانت ميري من المختارات طبعا ، وحدها كانت ترفض بصمت ، هي لا تريد ان تتزوج كمجهولي الأبوين ، هي تعلم الي اين تنتمي روحها ، و الي اين ستركض اذا ساءت الأمور ، فقط كانت تنتظر ان تتمكن من الهرب حين تجمع ما يكفي من المال ، لعنت تلك السعادة التي ابدتها لأسابيع ، ما ضرها لو ظلت صامتة ، ما ضرها لو لم تتجرأ علي طرد الحزن ذات مساء ، ما كان يجب ان تشارك في المهرجانات الراقصة ، انزوت ميري و اضربت عن الأكل و كذا النوم ، لكن شئيا مما تفعله لم يغير ما اتفقت عليه الداران .

كانت امسية توشحت بالسواد ، القمر تحيط به هالة حمراء ، و الهدوء يخيم علي الجميع ، و أشباح سعيدة تجوب المكان ، شئ من الحنين اجتاحها للرياح المحملة برائحة نهر قريتها ، و كأن الكون يعرض عليها أمنيتها الأخيرة ، هبت ريح تحمله برقة ، ساقتها بهدوء نحو النافذة المفتوحة ، فتحت ذراعيها محتضنة وطنا غمرها جراحا ، نادتها ماريا : الا تريدين ان أضع لك الخرز الأحمر على شعرك ؟ ابتسمت و قالت : طبعا اريد ، و تركت العنان لقدميها لتحلق في أرض الموتى .

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً