الرئيسية / العدد التاسع والعشرون / يوتوبيا بالكاد من العدم وفي مواجهته!

يوتوبيا بالكاد من العدم وفي مواجهته!

644422_429132060589216_4117875819597884720_n

عمرو حسن

إذا كان أكبر مهدد لحياة الإنسان هو تسلط أخيه عليه بالحرب، التجويع، الإفقار، والاستبداد وذلك بفرض حياة غير عادلة، الشيء الذي يمثل مقدمات تكون أسوأ نتائجها الموت، كما يحاول الإدعاء الشائع أن يخبرنا. فإنه داخل عالم يحمل هذه المهددات، وفي سبيل “تحقيق الذات” وهو ذروة اختبارنا للحياة، ستكون الخطوة الأولى هي تصور هذا التحقق أمراً ممكناً، إذ ليس بالإمكان إنجاز ما لا يمكننا تصوره بالأساس.

وبذلك سيكون بإمكاننا الزعم، أنه لا يمكن للموت -أياً كانت طريقته- أن يمثل المقابل الموضوعي لقصة الحياة. إذ أننا عندما نحيا فذاك لا يعني أننا ننجو من الموت، كما يحاول التفسير المادي أن يخبرنا بأننا “ناجون” survivors عندما نكون فقط أحياء بيولوجياً، وأن الحياة هي صراع للبقاء، فالعقيدة، والتجربة الدينية على وجه الخصوص، إذا ما قلبنا صفحات التاريخ يمكنها أن تخبرنا وبكل صراحة، أن الموت ليس هو المشكلة بالنسبة للحياة، بقدر ما أنه وفي كثير من الأحيان يمثل البوابة التي يتوجب عبورها لاختبار الخلاص. فثمة حياةٌ ممكنه ما بعد الموت، وثمة حياةٌ -لم نعشها بعد- تستحق الموت من أجلها.

هنا، نجد أنفسنا مضطرين أن نبتعد خطوة عن تلك الفكرة التي تروج بأن أسوأ ما تمثله الحروب والمجاعات والفقر والجهل والمرض، وغياب العدالة أنها آلات للموت. إننا بالتأكيد سنقرأ هذا المشهد بصورة أعمق، إن تلك المهددات وغيرها ستظهر في أسوأ صورها كحاصدات للآمال؛ إن أسوأ ما سيحدث هو سلبنا قدرتنا على تخيل أن شيئاً ما من ما نريده ممكناً.

غير أن صناعة الأمل ضد العدم هذه ليست حكراً على المجال العقيدي الديني، يسهم فيها وحده، فهناك مجال آخر يدلي فيها بدلوه، مجال يتحرك داخله الناس بين الناس ليسوا كرسل أو أطروحات نظرية أيديولوجية، إنما كروح تسكن بعضهم بعضاً، فتحرك بعضها البعض، والحديث هنا عن الفن. إنهما مجالان مستقلان ومتقاطعان في نفس الوقت.

في جدلية كتلك: هل الموت هو مقابل الحياة، أم فقدان الأمل هو ما يقابلها، سيظهر فيلم the book thief على أنه محامي الشيطان، فهو يأخذ موقفه مع الجانب الذي يحاول تبرئة الموت من الإدعاء الرائج بأنه أسوأ ما يمكن أن تنتجه الحرب والفقر والجوع والمرض وغياب العدالة في مواجهة الحياة. بل إنه يحسم هذا النقاش في الجملة الافتتاحية عندما يخاطب الراوي مشاهدي الفيلم الذي تدور أحداثه أثناء الحرب الثانية، قائلاً “one small fact: you’re going to die, despite every single effort”, ما يعني بصورة غير مباشرة، تبرئة تلك القائمة الطويلة من أن أسوأ ما يمكن أن تتصف به كونها آلة للموت، وبالأخص الحرب، فالموت بحسب الفيلم “وبغض النظر عن طريقة حدوثه” حقيقة لا مفر منها، مهما يكن من جهد مبذول. لكن هذه الحقيقة، لا تقف في وجه الحياة. سنختبر ذلك.

فبينما ينتشر أدب ما بعد الاستعمار في جزء مقدر من جنوب العالم، وهو يمثل حالةً من الأمل في محاولة الإجابة على سؤال “هل يمكن للتابع أن يتكلم؟” مثلاً، فأننا سنجد أن بعض من الكتاب العظماء هم من كتبوا داخل حقل “ما بعد الحرب” في الشمال، فأسهموا في صناعة التاريخ، عبر القول بأن “كل شيء ممكن”. فالمهمة التي ينجزها الفن ما بعد الحرب -وكلنا يعلم أن الحرب هي الأسوأ ما بين قائمة المهددات تلك- هي نفسها المهمة التي يلعبها الإله في سؤال ما بعد الموت؛ إيجاد المعنى. وهذا ما أؤمن أنا بأنه يمثل جوهر وضرورة الفن، قدرة الفنان على صنع المعنى -بصنع الأمل- لصنع الحياة. ذلك أن الحياة -ببساطة- تمثل شيئاً ما نريده، وأن الأمل يخبرنا –على الدوام- أن الأمر ممكن.

وعلى عكس وجهة النظر الشائعة عن سوداوية كتاب ما بعد الحرب كصفةٍ تغلب عليهم، إلا إنهم وبصورة سحرية يبثون التفاؤل في أعماق عالمهم المنهار للتو وبالكامل. إنهم يحيلون العالم مصنعاً لتحقيق الأمنيات. إن شيئاً ما ممكن، وأن الأمل ضرورة، وأنه أيضاً – ويالا حسن حظنا- ما زال موجوداً.

وليسهل علينا فهم الأمر يمكننا النظر في نثرية تي. أس. إليوت “الأرض اليباب”، المنظومة التي قال عنها النقاد “..إنها تُعبر عن خيبة أمل جيل ما بعد الحرب العالمية وقرفِهِ أو تَقزٌزه، وتصور عالماً مثقّلاً بالمخاوف والذّعر..”

إنه وبرغم انهيار العالم الذي عاشه جيل إليوت، لا زال هناك صوتٌ يبرز كفعل مقاوم لكل ما حدث بالفعل، فأسطورة الملك الذي تزوج أخت فيلوميلا ثم شغف بها هي حباً وغصبها نفسها ثم قطع لسانها لكي لا تكلم أحداً بذلك ستمثل الرمزية في انهيار العالم “غياب العدالة”، وفي المقابل لن تجد رداً لحقها إلا في الرمزية التي قال فيها بروفيسور عبد الله الطيب أنها من قبيل تأثر إليوت بالثقافة العربية في الأشعار والقرآن “كنص نشأ/نزل بجزيرة العرب”. إن ذلك الرد وكما يصفه إليوت بالصوت الذي ملأ الأرض الخراب “المقفرة” وشق طبول الآذان القذرة، صوت لا يستطيع أحداً له اغتصاباً أو طمثاً “inviolable”، صوت “له سلطة عدلية” يحاول موازنة العالم المختل.

“yet there the nightingale

Filled all the desert with inviolable voice

Jug Jug’ to dirty ears”

إنه وصفٌ كما يرى عبد الله الطيب إستدعى فيه إليوت الآية القرآنية “لم يطمثهن أنسٌ قبلهم ولا جان” لتجسيد حال الصوت. إن صوت العندليب هذا سيظل ذلك الرمز لتلك الحالة السرمدية من الانتصار، فذاك الصوت ولاشك سيبقى بعد أن يفنى الوجود، ذلك أنه الغير قابل لانتهاك حرمته؛ إنه صوتٌ للأمل.

قد تجد الإجابة ويتأكد الأمر عندك وقت استهلاكك لأحد أفلام السينما الهذلية والسخيفة التي أول ما تطلبه منك أن لا تأخذها على محمل الجد، مثل فيلم miss Pettigrew lives for a day لكن وبصورة غريبة ومتكررة، ستجد نفسك تأخذ موقفاً جدياً من المشاهد التي يتمظهر فيها الأمل، ولا أدعي علمي بسر الدافع لاتخاذ هذا الموقف, على الدوام.

الفلم يحكي الأحداث التي تدور لحظة عمل بيتي-قرو الإنجليزية الذكية لدى المغنية الشهيرة ديليسيا لافوس, كمساعدة, وليوم واحد فقط.

ستعمل بيتي-قرو لدى الآنسة لافوس المشغولة بمايك برادي العازف المحب، ونيك كرودوريلي الرأسمالي الحقير، و فيل قولدمان إبن قولدمان المنتج السينمائي الشهير وصاحب فيلم “ثورة الفلفل”.. ستعمل لدى لافوس المشغولة بالشهوة والثروة والشهرة.. أو بالحب كما تدعى هي عندما تقول لوصيفتها الجديدة “لا وقت لدي يا بيتي, فأنا مشغولة بالحب”.

لكن ما يمنح مثل هذا المشهد الخلود بالنسبة لي، لن يكون هذه المرة هو جمال أيمي آدمز الآسر التي تؤدي دور الآنسة لافوس، لكنه ببساطة رد فرانسيس ماكدورماند الأقل جمالاً في دور الوصيفة  بيتي، عندما تقول : “نحن متشابهتان يا سيدتي, في هذه النقطة على الأقل”، إنه خطاب ضد الوضع القائم، خطاب ملتهب بالأمل؛ أن الحب أمرٌ ممكن، وأنه ليس حكر طبقي. وأكثر من ذلك، سنجد أن الحب وحده ما أنجز مهمة الانتقال بالتعيسة بيتي-قرو من حالة الضياع لحالة الأمل، بالأخص إن علمنا أن قدوم بيتي قرو بتوصية من السيدة ليوريانس آدمز صديقة الآنسة ديليسيا من مكتب الاستخدام كان مجرد أكذوبة, والحقيقة أنه مشهد ميلودرامي مختلف. فواقع الأمر أن “بيتي-قرو” هي الفرنسية “غوينفير” التي استمعت خلسة للمكالمة ما بين السيدة ليوريانس والآنسة ديليسيا فعرفت سبيل الوصول إلى الأخيرة، لتعمل عندها بصفتها بيتي-قرو. هي متشردة مات زوجها في الحرب الأولى, إنها تمثل تجسيداً صارخ لحالة الإنسان الذي يحلم بالدفء والاستقرار, في كل ليلة “قد” يغفو فيها.

الآن، قد نفهم تعاليم المسيح في قوله “أحبوا جيرانكم” على أنها أوامر لفعل تحرري جذري، كما يقول صديقي محمود المعتصم، وربما أيضاً سيظهر لنا هنا بوضوح التقاطع ما بين المجالين العقيدي الديني والفني.

الحب لم يصنع فقط من ذلك الحلم شيئاً ممكناً، لقد تعدى ذلك، إنه خلق للتو عالماً برؤية جديدة، عالم الندية ما بين السيدة و وصيفتها، لقد هدم تلك اللغة القديمة بالأساس، لقد ألغى كل الفوارق في تلك اللحظة على الأقل داخل عالم الحرب والسلم، لقد أخطرنا -أياً ما كنا- بمقدرتنا جميعاً علي أخذ الحب وبذله.

وللمفارقة، سيسعدني هنا أن أؤكد على حقيقة أن عالمنا هذا يفتقر للعدالة والسبب. وإلا لما! .. لماذا سنحتاج إذن للأمل في عالم متخم بالعدالة والمعنى!

ما يسعدني أن ثمة أملاً ما يكمن في القول السابق، برغم تعاسته البائنة، وهذا بالضبط ما يجمع هذه النوعية من الفنون، مقدرتها علي خلق الأمل من داخل عالم العدم ومواجهته، ربما لأن الأمل توأم اليأس كما يذكرنا درويش “من حسن حظِّ المسافرِ أنّ الأملْ توأمُ اليأس ،، أو شعرُهُ المرتجلْ !”.

إننا بنهاية المطاف سنحاول أن نصنع من حقيقة البؤس الجاثم على عالمنا هذا معنى ما لحياتنا  بأن نحاول تحقيق حلم عالمنا في العدالة والسبب، وهنا تكمن المفارقة والخبر الجيد بالأساس.

ربما أننا سنحتاج وقتها أن نتمثل مقولة أديبنا الطيب صالح “إنني أريد أن آخذ حقي من الحياة عنوة.أريد أن أعطي بسخاء، أريد أن يفيض الحب من قلبي فينبع ويثمر. ثمة آفاق كثيرة لابد أن تزار، ثمة ثمار يجب أن تقطف، كتب كثيرة تقرأ، وصفحات بيضاء في سجل العمر، سأكتب فيها جملاً واضحة بخط جريء”. إننا سنحتاج أن نأخذ حقنا من الحياة عنوة.

ولأن الفن ضرورة في هذه المسيرة، فإننا بالتأكيد سنحتاج أيضاً لعدد غير متناه من الأعمال الفنية من نوعية الأغنية Imagine لجون لينون، والتي تمثل في معناها وجهاً من الأوجه التي دفعتني لكتابة ما أكتب الآن. هذا العمل البسيط، المباشر، والملهم، الذي يطلق فيه لينون لخياله العنان، فلا يحده أي حدود، بل ويدعوا الجميع أن يحذوا حذوه. إنه ليس مجرد خلق للفن، إنه خلق للأمل؛ إخبارنا بأن الممكن أكثر من ما هو ممكن، وإنه يمكننا تخيله.. فلنتخيل إذن.

إنها بداية خلق لعالم جديد بأسره، من داخل عالم قديم منهار. لا يبدو أن العالم الجديد سيقام على كتفي سلفه، إذ أن هذا الخيال -من فرط جرأته وجماله- سيبتلع العالم القديم بالكامل ليستحيل مكانه، إنه الأمل بأم عينه.

 

عن محمود المعتصم

mm
طبيب و كاتب سوداني ، مهتم بالسياسة و الفكر .

اترك تعليقاً