الهروب

579681_169308969931257_733329083_n

أيمن هاشم :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا 

**

الأحد , الرابع من نيسان , كما قرأ في التقويم المُعلق على الجدار , ليس يوم الاستقلال و لا حتى الميلاد و لا حتى عيد مقدس . كان التوقيت صباح يوم عادي , و كان ” أ ” العاطل يجلس أمام باب المنزل على العتبة و التي نشر الظل عليها قميصه , بجوار تلك الحوائط غير المدهونة و التي تشابهت ربما .

كان ” أ ” قد انتهى للتو من إكمال سيجارته الصباحية , أطفأها على مهل , داسها بحذائه ثم راح متكئاً بمرفقه على ركبته , يوزع نظره على الشارع الإسفلتي و سيارات الترحيل و المارة على جانبي الطريق .. راح يتذكر كيف كان ينظر للعالم أثناء دراسته الجامعية , كان طموحاً , يرغب في دوام و راتب و عمل حكومي أو متجر .. لم يتغير سوى شعره الذي زحف إلى الخلف و شاربه الذي أخفى ملامحه الطفولية .

هكذا أعد نفسه لما يراه مستقبلاً , ما كان يعيقهُ سوى استخراج شهادته الجامعية .

طرأت تغيرات كثيرة جداً بالنسبة ل ” أ ” , فبعد أن تجاهلته الفتاة التي كان يحلم بها قبل نحو – عام –  و كونه أصبح بلا هدف و انقضت سنواته الدراسية على نحو سريع و جاف , لأنه منذ فترة ليست بالقليلة إتجه معظم شباب منطقته لاستخراج الذهب , أصبح أكثر تحفظاً منذ رحلته التي أمرضته و كان من المتوقع عدم إحراز تقدم فأُرسِل إلى أهله ..

هكذا أصبح ” أ ” يعتمد على إعالة والده , و لم يكن يحاول البحث عن عمل , فيتشتت عمره بين الجلوس بالقرب من الدكان و أشياء أخرى تساويه في عدم الأهمية .

في السنة الماضية تقدم ” أ ” بمحاولة التقديم لبرنامج الهجرة العشوائية للولايات المتحدة الأمريكية عبر الإنترنت , كان يُفضِل مثل هذه الأمور و التحدث بها لرفقاء الظل و الطوب .

أميركا بالنسبة له محاولة لمحو فشله في الحب , فشله الأكاديمي , فشله في أن يكون الأيقونة التي يرغب فيها والداه , مع أن سهره الطويل في الخارج كان محاولة أخرى لتقليل فرص وجوده في المنزل ليتفادى التلاسن مع والده .

كان ” أ ” قد أدخل النسخة الاحتياطية لمفتاح الباب التي يملكها في القفل بهدوء ليفتحه , أدار وجهه عن سرير والده الذي بمنتصف الصالة و دخل غرفته , ليجد والدته تنتظره و قد وضعت طبق الفول و الخبز و قرن الشطة– مازالت مستيقظة . لم يكن هنالك حاجة لتواجدها متيقظة في ذلك الوقت المتأخر فبالكاد كانت تجمعهم مائدة مشتركة إلا الإفطار , في الغداء كان قليلاً ما يشاركهم الحوار . كانت الغرفة مظلمة و الضوء المنبعث من الصالة يجعل من رؤيته لوالدته أشبه بحلم , ضغط على زر الإنارة نهضت والدته على الفور “مازال الوقت مُبكرا ” !

فكر ” أ ” قبل الإجابة ثم قال : ” الجو حار بشكل لا يُحتمل “

” نعم ” أجابت والدته ” إفتح النافذة ” ..

” أ ” : أُفضل الإبقاء على المروحة , ليست مشكلة ..

عبأ كوب ماء ثم وضعه على الطاولة . ” أردت في الواقع أن أقول لكِ فقط ..” قال و هو يتابع بشرود حركات أمه ” .. سينحل الأمر قريباً..” , سحب هاتفه من جيبه و أضاءه .

– إلى أميركا ؟ , سألت أمه .

” نعم ” قال و هو يبحث في عيني والدته المجعدتين ,

” بإمكانك أن تكون شخصاً أخر ” , فكر ” أ ” في ذات نفسه – كيف ؟ ..

تعلمين يا أمي إنني أردت في بادئ الأمر أن أواصل دراستي الجامعية لكي أكمل دورة حياتي كأي بعوضة في هذه الأخرى , و من المرجح أن تظهر النتيجة ..”

– لن تغير رأيك ؟ سألت الوالدة و قد هشت بطرف ثوبها الذباب من على قطعتي الخبز .

قالت والدته و قد سحبت طرف الملاءة المتدلي ” إسمع , لقد أتيت إليك بسبب هذه المسألة لأستشيرك , لا شك أن هذا سيحزنك لكن الأمر أسوأ من اللاشيء , و إذا لم تقل لي الحقيقة كاملة , لقد جرت بعض الأشياء البشعة منذ تخرجك , منذ أن أُحيل والدك إلى المعاش , ربما يأتي وقت آخر للحديث عن هذه الأمور , و ربما الوقت متأخر , في البيت تفوتك الكثير من الأمور , ربما لا تريد رؤيتها , أو ربما تتغاضى عنها , ربما بدأت أُضخم بعض الأمور هذا لأنني كبرت في السن , لكن خبرتي في الحياة أكبر منك , فإنني أرجو ألا تخدعني إذاً , هل لديك ذلك الأمل ؟

نهض ” أ ” و هو يشعر بارتباك ” ربما لم أسأل يوماً عن ما تحتاجونه , أو حتى لم أدخل المطبخ لأحسب الأرغفة . و هذا ما أعرفه تماماً ” إن استيقاظك حتى هذا الوقت المتأخر , في حين أنه بإمكانك أن تكوني نائمة تحلمين , ثم تسأليني عما سأكون .؟ بدلاً أن تغطي في النوم , أيوقظك الهم علي أم لي ؟

كان ” أ ” يجلس بجوارها , بينما خفضت رأسها الأشيب و قالت بصوت منخفض دون أن تقوم بأي حركة , إقترب ” أ ” منها و شاهد عينيها المتعبتين و قد إتسعتا ” ليس لديك الرغبة في العمل ؟

لقد كنت دوماً عالة , و يصرف عليك والدك , إنني لا أستطيع أن أصدق إصرارك الأعمى ..”

قريبا سيكون قد مضى على تخرجك سبعة أعوام .!

و مازلت أذكر كيف دللناك أنت بالذات , كنا فخورين بالنتائج التي تحرزها و قصصك التي لا تنتهي عن كيف صفق لك جميع زملائك و أنت تحرز المركز الأول , و كيف كنت تسبقهم في مسابقة الجري , كنت تعيد روايتها مرات عديدة..

في هذه الأثناء كان ” أ ” قد خلع قميصه , ليخفف من الحر و عندما شاهدت والدته الثقب على قميصه إتهمت نفسها بأنها أهملته , لم تخط له منذ زمن طويل , و هو لم يلقِ بالاً للأمر و قد بدأ غير مكترث لها .

حمل نفسه بتعب إلى السرير , فبدا له كل شيء على ما يرام , خلع حذائه ثم سحب نفسه بتعب إلى السرير , إنقلب ثم حول بصره و نظر إلى أمه التي وقفت أمامه و نظر إليها بتكاسل و لم يكلف نفسه حتى فتح عينيه , ” هل أنت مغمض عينيك بشكل جيد , لتتحاشاني و بدأت كأنها تترقب إجابة . لست نائماً و كفى ! و لا أتقن التمثيل بشكل محترف , إنني متعب فقط .

” كلا ” ثم سحبت ملابسه الملقاة و رمتها بعيداً .

أردت أن تنام ! إعلم أيها الكسول , أنني مازلت واقفة أمامك كما أنني أعرف ما ستكون عليه نتيجة اللوتري , هل تظن أنه بتعلقك بهذا الأمل إنني لم أذرف الدموع عليك ؟ , لهذا تبعد نفسك عنا بعيداً في الشارع , لكي لا أزعجك , ثم تأتي متأخر لتتحاشاني ؟ إنك مهزوم جداً , و رعديد لأنك تخاف المحاولة .

رمق ” أ ” والدته الواقفة أمامه ذات المنظر الرهيب , و كلامها الذي أبدا معرفة تامة بما هو عليه , نفسيته , تلك الدهاليز التي لمعت فيها عينا والدته , و لكنها تعاقبه , لأنه بالكاد كان يقف بعد كل هزيمة , لماذا لم تمد يده لها , و اكتفت بمراقبته , هل لأنها لا تملك شيئاً أم لأنه لم يكن يضعها في خانة أرقامه .

” لكن أنظر إليَ بدل من إغماض عينيك “

لأنك خرجت محطماً من آخر علاقة و عزلتك تلك لا مبرر لها , هكذا تناسيت أسرتك , و أهملت حتى شكلك , إنك تبدو ضعيفاً و غير لائق بشاب في عمرك , الأمر لا يتعلق بالحرص على حياتك أكثر من أنني أرجو منك أن تحرص على حياتي , أن تعرف أن كل شيء يرتبط بالأخر و لست وحدك من يحق له عقاب نفسه .

كان ” أ ” قد اتخذ وضعية الجنين و لحماية نفسه لم يتحرك في الدقائق السابقة , كان قد صمم منذ فترة مناخاً يتيح له مراقبة الجميع و يتحاشاهم و لكن على نحو ما متأخر أدرك أنه فاشل جداً في تقييم الأمر , و ليس سوى مهرج – كم تبقى لي من متعاطفين ؟

لكم اصطنعت من الابتسامات أمام وجوههم , هل تظن أنني لم أحبها . ؟ لقد ولدتني .

فكر ” أ ” في أنها قد تصمت بعد قليل , لكنها لم تصمت كما توقع و استمرت ” إبق كما أنت , إنني لا أحتاج إليك , أنت من تحتاج إلى نفسك , فلتحلق شعرك الكثيف و ستخف كآبتك “

– ” سينمو مجدداً ” قال هذه الملاحظة ظناً منه أنه يستطيع إحراج ذلك الحشد من الفشل الذي وقف بجوار أمه مبحلقاً ببلاهة .

– ” كم أضحكتني اليوم عندما أخبرتني عن تقديمك و انتظارك لنتيجة الهجرة العشوائية , يا لك من حالم غبي , كم من الوظائف التي وفرتها لك بعلاقاتي مع أقاربي , و كنت ترفض .! “

أخذ يقلم في أصابعه بأسنانه , إنها تعلم كل شيء أفضل مني لماذا ؟

– ” كل شيء تعرفينه ” ؟

مدت يدها لترمي بورقة توصية على الطاولة .

– كم ترددت طويلاً قبل أن أكبر , لقد كنت أرغب بشدة في أن أكون راشداً , لقد استعجلت حتى في الكِبر , كان من الممكن أن تنمحي الكثير من التواريخ من على التقويم , بخيرها و بشرها , و كان من الممكن أن تكون الخيارات أكثر من ذلك .

– ” كنتِ ترسمين لي شكل حياة إذن .؟ ” , هتف ” أ ” .

بلهجة مواسية قالت والدته ” هذا ما تريد أن تقوله أنت , و هو ليس مناسباً كما أنه ليس صحيحاً , لأنك لست لوحة زيتية لأعدل فيك ” .

و بصوت عالٍ ” الآن تعلم ماذا كنت أريدك أن تكون , لأنك لم تكن تعلم ذاتك , لقد كنت أحمقاً لتظن أن الأمور تعمل هكذا , لهذا اعلم بأنني أحكم عليك بالهروب .”

شعر ” أ ” بأنه مطرود من المنزل , و طفق ينتعل قميصه , و حذائه و مر بالقرب من سرير والده بسرعة , تلا صوت الراديو صراخ والدته ” إلى أين ؟ ” , لكنه صفع الباب بقوة و قبل أن يخرج والده كانت قد ساقته قدماه في الطريق المظلم ثم ركض كما كان في سباقات المدرسة دون أن ينتظر من أحد أن يصفق له , كما كان يجري للدكان , أو بعد أن يحرز هدف , و للحظة كانت أنفاسه تتقطع كانت أضواء المدينة السكنية تختفي و بنظرة أخيرة كانت كفيلة بأن ينسى رقم بيتهم , إسم أبويه .

بعدها بساعات أشرقت الشمس ينقصها لون ما , و سرت حركة الأطفال إلى المدارس و أبواق سيارات الترحيل

عن أيمن هاشم

mm
قاص وتشكيلي من السودان

اترك تعليقاً