الرئيسية / العدد الثلاثون / Oldboy: Appearance qua Appearance

Oldboy: Appearance qua Appearance

محمود

 

يمكننا أن نضعها بهذا الشكل : في كل ما له علاقة بالسياسة فإنني أتبع عبد الله علي إبراهيم، أما فيما يخص السينما، و هي بالقطع أهم من السياسة، فإنني أتبع سلافوي جيجاك. أحد أكثر الأفلام روعة هو الفلم The pervert guide to ideology الذي يقحم فيه جيجاك نفسه داخل مجموعة من الأفلام مقدماً تفاسيره غير التقليدية لأحداثها، عندما نصل للفلم Brief Encounter يوضع المشهد التالي أمامنا :

لورا تقع في حب ألكيس، لكن و لأن لورا متزوجة فإن قصة الحب لا يمكن أن تستمر، ينسق العشيقان موعدهما الأخير في محطة القطار، أليكس سيسافر بعيداً ، بعد لحظات قليلة من لقائهما تظهر دولي، و هي الجارة متوسطة الذكاء للورا، الآن يتحول “الموعد الأخير” لمجرد إجتماع طاريء بين أشخاص لا يعرفون بعضهم جيداً ، أو هكذا يجب أن يكونوا، يرحل أليكس بعد فترة و تبقى لورا مع جارتها دولي ، بعد ذلك كل ما تفكر فيه لورا هو أنها تتمنى لو كان بإمكانها على الأقل أن تخبر دولي بما يدور في رأسها بدل مواصلة الحديث الطبيعي بينهما كمجرد جارتين، لكن عندما تعود لورا للبيت فإن هذه الفكرة بالذات ستظهر من جديد، فريد زوجها هو الشخص المثالي لسماع قصتها، هو يعرفها جيداً و هو شخص ذكي و طيب و مستمتع جيد، تفكر لورا في أنها تتمنى لو أن بإمكانها أن تتحدث معه بحرية عن كل شيء. ثم سنسمع التعليق التالي:

So that is the tragedy of our predicament. In order to fully exist as individuals we need the fiction of a ‘Big Other’. There must be an agency which, as it were, registers our predicament. An agency where the truth of ourselves will be inscribed, accepted, an agency to which we confess. But what if there is no such agency? This was the utmost despair of many women raped – in the post Yugoslav war – in Bosnia in the early nineties. They survived their terrible predicament and what kept them alive was the idea: I must survive “to tell the truth”. But when they survived they made a terrible discovery; there is no one to really listen to them, either some ignorant bored social worker or some relative who usually made obscene insinuations like: are you sure you were not enjoying a little bit? They discovered the truth of what Jacques Lacan claims: there is no ‘Big Other’. There may be a virtual ‘Big Other’ to whom you cannot confess. There may be a ‘Real Other’ but it’s never the virtual one… We are alone!

“الأشياء هي ظاهرها الذي تتبدى عليه، كل ما دون ذلك هو العدم” المقولة لسارتر، أعتقد أنه في هذا السياق يمكن تتبع سعي جيجاك غير المنقطع للتفريق بين الواقع reality و الحقيقة The Real، أحب شخصياً المثال التالي: إحدى الإستراتيجيات التي يتبعها رجال الدين في محاولاتهم لمواجهة التجاذب بين الرجل و المرأة هو محاولة تفكيك هذا التجاذب و تحويله لمجرد ظاهرة طارئة عديمة المعنى، و يتم ذلك عن طريق تفكيك الظاهرة “لما هي عليه فعلا”، يمكننا أن نتخيل رجل الدين و هو يخبر الشاب بأن هذه المرأة هي مجرد لحم و عظم، تخيل معي ماذا يتحرك أسفل ذلك الجلد.. إلى أخره، ما يتحدث عنه رجل الدين هنا هو الواقع the reality، الفكرة هي أن كل تفكيك للظاهرة لما هي عليه فعلاً هو هروب عن طريق الواقع من الحقيقة The Real، بين المرأتين، فإن المرأة الأولى، الخيالية غير الواقعية، هي الحقيقة. نفس الأمر يمكن قوله عن الحب، ستنتهي كل محاولة لتفكيك الظاهرة و إكتشاف ما هي عليه فعلا إلى إكتشاف العدم.

الآن سنأتي للفلم Oldboy، حقق الفلم الكوري نجاحا عالمياً، و أعتقد أن السبب واضح، فالفلم يقدم شيئاً جديداً كلياً، و ربما يرتبط هذا النجاح بأحداث الفلم في بدايته أكثر من النهاية التي حاول فيها الكاتب أن يقدم الإثارة في شكل شديد العنف و الغرابة، يبدأ الفلم مع البطل و هو مجرد أبله و سكير، يتعرض للإختطاف، و يتم سجنه في غرفة لمدة 15 عاماً، تتطور شخصيته داخل الغرفة بإخراج مميز، من الغضب للإستسلام لمحاولات الإنتحار المتكررة للقبول بما حدث، الجديد في الفلم، و الذي أعتقد أنه فعلاً خارج الإطار العام لهوليوود هو أن السجين لم يكن يعلم إطلاقا السبب، و أقرأ شخصياً بقية أحداث الفلم على أنها إشارة إلى أنه لم يكن هنالك سبب فعلاً، و لا مدة السجن، كل يوم جديد هو إحتمالية جديدة لإنتهاء فترة السجن أو إستمرارها، و المعينات التقليدية لتحمل السجن قد منعت عن الشخصية تماماً ، لا الشعور بالظلم و للا الشعور بالذنب، في إحدى مراحل تعامله مع الحدث قام البطل بكتابة أسماء كل الأشخاص الذين عرفهم في حياته، أعتقد أن الفكرة هي أن الرجل كان يبحث عن ذنب أكثر من بحثه عن عدو.

في الواقع فإن فيكتور فرانكل، و هو طبيب نفس نمساوي شهير تعرض للسجن كيهودي خلال الحرب العالمية، قد كتب شهادة مميزة عن ظاهرة السجن، و ما قام به فيكتور هو تحويل الظاهرة نفسها كهدف للحياة، يعتقد فرانكل أن الإنسان يحتاج للمعنى كي يعيش، و أحد أهم مصادر المعنى هو تحمل المعاناة ، الوقوف أمام المعاناة ‘بكرامة‘، يحكي فرانكل أنه في إحدى أكثر لحظات السجن صعوبة و هو يتحرك في صف المساجين أغمض عينيه و تذكر زوجته للحظة، و شعر بسعادة حقيقية، كطبيب نفسي فهو يعلم أن هذه السعادة الخالصة هي مما يصعب على البشر الحصول عليه عموماً ، إذا عدنا للفلم، فإننا يمكن أن نقرأ فكرة فرانكل بعكس ما تبدو عليه، إن البحث عن معنى هو بالتحديد عملية صعود إلى السطح و ليس الذهاب إلى أعماق الواقع، في النهاية كان على السجين أن يتعامل مع الورطة كما هي ، بلا أي عمق متخيل ليسندها ، فكل عمق هو في النهاية أكذوبة ، الحقيقة تكمن في الشيء كما يبدو عليه، و أسفل ذلك يوجد العدم.

 

عن محمود المعتصم

mm
طبيب و كاتب سوداني ، مهتم بالسياسة و الفكر .

أضف تعليقاً