اخلع نعليك (3)

عمر

عمرو جنيد :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

الهرمسية أصل التيارات الروحانية

(الحكمة الخالصة هي الجهد الروحي في التأمل المستمر للوصول إلى معرفة الإله الواحد).

هذه عبارة منتقاة من متن هرمس مثلث العظمة، تلك النصوص الغامضة الموغلة في القدم كشجرة وريفة تضرب جذورها إلى رحم الروح المحلقة، نصوص اختلف العالم على صاحبها و إن توافقت الآراء على روحانيتها العالية و جوهرها التوحيدي الخالص المطلق،تقطر حكمة مصفاة و تنتشي برقصة الروح الشاخصة إلى الإنعتاق الإلهي.

إذن من يكون هرمس مثلث العظمة؟ 

هرمس شخصية اختلف عليها المحققون و الباحثون طوال التاريخ، فانقسمت الآراء إلى مدرستين، أولهما من تبني فرضية أن هرمس هو شخصية أسطورية لا أصل حقيقي لها و أن النصوص ما هي إلا ما أفرزته قريحة الفلاسفة السكندريين ما بين القرن الثاني و الثالث الميلادي، يذكر أحد المحققون الكبار في المتن الهرمسية( إسحق كازابون) بعد تحليله للنصوص عام 1634 ميلادية إثبات أن اللغة اليونانية المستخدمة و المفردات و البنية و المحتوى لا يمكن أن يعزي إلى حكيم مصري قديم يسبق زمانه القرن الثاني أو الثالث الميلادي على أقصى تقدير و لكنها أفكار الفيثاغورين الإسكندريين.

ثاني المدارس ترد الهرمسية إلى الحكيم المصري تحوت الذي قيل إنه كائن رباني حتى قدس في مصر القديمة قبل عام 3000 ق. م

و ينسب إليه اختراع الكتابة المقدسة و كان رسول الآلهة و كاتب أعمال الإنسان و من علم المصرين القدماء علوم الفلك و العمارة و الهندسة و الطب و اللاهوت، و فيما بعد تسرب تحوت إلى الإغريق الذين احتكوا بالحضارة المصرية و تراثها العظيم فطاليس أبو الفلاسفة تعلم بمصر و فيثاغورث الحكيم، نشاء تبجيل المعرفة الروحية المصري في نفوس اليونان و تجلى تحوت في روحانيتهم باسم هرمس مرشد الأرواح رسول الآلهة و قد ألحقوا به لقب مثلث العظمة لتكريم معرفته المتسامية.

ما هي متون هرمس و تاريخها؟

يغلف الغموض أيضا الأصول المبكرة للهرمسيات و الدلائل تشير إلى أنها انحدرت مباشرة من الحكمة المصرية القديمة ولكن النصوص القليلة الباقية وجدت باليونانية و اللاتينية و القبطية و جمعت في مكتبة الإسكندرية أثناء القرنين الثاني و الثالث الميلادين حيث ألهمت الهرمسيات بعضا من أعظم إنجازات البشر الفكرية، الإسكندرية كانت مركزا مجيدا للدراسة تفوق مدن العالم القديم، صاحبة أكبر منارة علمية في ذاك العصر ألا و هي مكتبة الإسكندرية التي أسسها الحاكم المستنير بطليموس الأول لتضم بين جنابتها حكمة البشرية جمعاء كانعكاس للمدينة التي اتسعت لجميع الأطياف و الأجناس و الأديان.

عند غروب عصر الإسكندرية الذهبي مع مولد الإمبراطورية الرومانية المسيحية المقدسة التي وصل تعصبها إلى تطرف لم يسمح ببقاء و تقبل التنوع السكندري الفكري، ليطلق المسيحيون اسم وثني على كل ما ليس مسيحي، فيطلق أيدي المتعصبين ( المؤمنين ) بين الناس، عنف و ذبح باسم الرب حتى يصل الأمر إلى قتل الفيلسوفة العظيمة هباتيا في شوارع الإسكندرية ثم حرق مكتبة الإسكندرية باعتبارها تحوي تراث خرافي وثني عفن ضد الإيمان القويم ثم يغلق الإمبراطور المسيحي ثيودسيوس كافة المعابد، و بدأ تقليد حرق الكتب لأول مرة في التاريخ.

بعد قرون تظهر المتون الهرمسية في الإمبراطورية الإسلامية في أوج حرارتها، في بداية القرن التاسع الميلادي تسارعت عمليات الترجمة للنصوص القديمة( الوثنية) على أيدي علماء سريان و يهود في دار الحكمة ببغداد، و قد تم تطوير العلوم التي كانت مزدهرة في العصر السكندري تطورا صحيحا على أيدي العلماء و الفلاسفة المسلمين و درست الحكمة مرة أخرى لتعود إلى مكانتها السابقة بين نصوص الحكمة المصرية الروحانية.

انتقلت أيضاً الهرمسية كمعرفة سرية لتيارات فلسفية إسلامية مهمة و صارت كتابا مقدسا للتوجهات الدينية غير الأصولية كالصابئة.

بذخ في سماء الفكر الإسلامي تيار عرفاني يعرف بالتصوف، ينتسب بعض أعلامه في أصولهم الفكرية إلى الهرمسية.

على سبيل المثال لا الحصر الفيلسوف الحكيم الإلهي المتصوف شهاب الدين السهروردي الاشراقي المقتول بحلب، أسس مذهب عرفاني فكري يدعي الإشراق الذي هو في جوهره تجلى هرمسي ليصل به الحال بتوحيد هرمس في شخصية النبي إدريس القرآني الذي عرفه اليهود باسم اخنوخ و قد قال بأن المعرفة انتقلت عبر اليونانيين على يد فيثاغورث و عبر الحكماء الزرديشتين و قد ورثت التعاليم سرا خلال سلسلة من الحكماء الإلهين حتى وصلت إليه.

أخيرا استعرض بعض ما خطه هرمس مثلث العظمة.

(تعطلت حواسي أثناء تهدج صوفي لا نصبا أو تذمرا

بل انتباها و خلوصا واعيا…

أطير مع أفكاري متحررا من سطوة الجسد

و بينما أنا محلق نادتني باسمي كينونة هائلة بلا حدود

هرمس علام تبحث؟

سألت من أنت؟

قال أنا المرشد أنا العقل السامي، أنا أفكار الإله الواحد مبعث النور معك في كل مكان

اعرف مكنون قلبك، صانع أنا أسئلتك الواعية و ملهم إجابتها

اكتب الحكمة التي أفهمتك أيها و اجعل نفسك مرشدا روحيا لأولئك الذين يستحقون معرفة الإله ).

عن عمرو جنيد

mm
كاتب من مصر

اترك تعليقاً