الرئيسية / العدد الواحد والثلاثون / العين لننظر و القلب لنرى (01)

العين لننظر و القلب لنرى (01)

OLYMPUS DIGITAL CAMERA
OLYMPUS DIGITAL CAMERA

تغريد علي :

للتواصل مع صفحة الكاتبة على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

كانت تجلس قبالة المرآة .. بينما تتولى شقيقتها الصغرى أمر تزيينها ، بعد أن فردت لها شعرها بالإستشوار ، وضعت المشبك الذهبي على جانبه و أخذت تسألها ، أي اﻷلوان تفضلين على شفتك ؟ ، تحسست ثوبها ممررةً يدها من فتحة العنق حتى أسفل خصرها .. لم تكن قصته تحمل الكثير من التفاصيل و الزركشة ما يعني أنه ثوب هادئ في تفصيلته .

أجابت : اﻷحمر يبدو مناسباً …

رسمت لها شفتيها باﻷحمر .. ثم ابتعدت عنها خطوتين للخلف لتتأملها من على البعد قبل أن تطلق صيحة إعجاب حقيقية و هي تقول لها : تبدين فاتنة للغاية !! ، تبقت نصف ساعة على الحفل ، إنه حفل زفاف شقيقهم اﻷكبر و الوحيد .. و اﻷخت الصغرى أضاعت أغلب الوقت لتجهيز أختها ، فانطلقت لتوها كي تستعد فيما تبقى معها من وقت .

كانت أنيقة أيضاً في ثوبها اﻷسود الجرار مع حذاء عالي من الشاموا اﻷسود مع حبة كريستال تزين جانبه .. دون الكثير من الزينة و التي اقتصرت على الكحل و ملمع شفاه براق، تأبطت ذراع شقيقتها و سارتا بخطى واثقة لاستقبال شقيقهم و عروسه الجميلة ، و من وقت لأخر تهمس في أذن أختها أن كل شيء رائع ، فتبتسم اﻷخرى بسعادة..

رغم ما يمتلئ به قلبها من ابتهاج بالأجواء و المناسبة العزيزة ، إﻻ أنها كانت تشعر بقليل من التوتر، فاليوم بالذات سيحضر أحد أقرباءهم من السفر خصيصاً لحضور هذا الحفل و سيبقى في استضافتهم لمدة أسبوع قبل أن يغادر، يبدو اﻷمر عادياً لو أن هذا القريب كان أي شخص آخر .. غير حبيبها السابق .

حاولت أﻻ تستحضر أسباب خلافهم اﻷخير قبل ثلاث سنوات اﻵن ، كي ﻻ تفسد على نفسها متعة الحفل، كل ما كان يهمها أن تبدو متماسكة قوية ، أﻻ يلمح عجزها أو إنكسارها .. فأقسى ما يمكن أن تتلقاه منه نظرات العطف و الشفقة ، فقد كانت تعلم تماماً بأن حبها قد غادر قلبه ، و إن لم يغادرها حبه الذي ظلت وفيه له رغم الخلاف .. رغم الغياب .

كانت في غنى عن أي مبادرة منه بدافع التأثر لحالها ، بعد الحادث الذي تعرضت له منذ أشهر و كان سبباً في فقدانها التام لبصرها ، رغم اجتهاد الأطباء في إنقاذ عينيها إﻻ أن الثلاث عمليات التي أجرتها باءت بالفشل ..إقتربت منها أختها و شدت على ذراعها هامسة لها بأذنها : لقد أتى.

فازدردت غصة وقفت بحلقها ثم ابتسمت لشقيقتها قائلة : ﻻ بأس .. أنا على ما يرام ، قالت لها بدورها : هذا ما يجب ، أنت رائعة اليوم .. و طبعت قبلة صغيرة على خدها .

كانت قد تدربت في الفترة الماضية على تمييز اﻷشياء بصوتها و رائحتها ، فقويت لديها حاستي السمع و الشم ، لذا لم يكن صعباً عليها إلتقاط صوت خطواته التي تقترب منهما .. وﻻ تمييز عطره الذي ﻻ يخطئه أنفها أبداً ، علمت بأنه يقف بالقرب منها قبل أن تنتبه أختها التي كانت تلوح لإحدى صديقاتها .

مد يده مصافحاً .. ثم إنحنى يطبع قبلة على معصمها ، قدرت المسافة التي تصلها منها رائحة أنفاسه ، فرفعت عينها قليلاً لتركزها في عينيه مباشرة كأنها تراه، و ابتسمت بنحو أربكه : سألته بذوق بالغ عن حاله شاكرة إياه تكبد هذه الرحلة من أجل مشاركتهم سعادة هذا اليوم ،رد عليها بنفس الطريقة ، أن هذا من دواعي سروره ، حول بصره لشقيقتها التي تركها طفلة شقية كيف أنها كبرت و فاقت أختها جمالاً ..

حياها و طبع قبلة على خدها دون أن يخفي إعجابه البالغ بجمالها و أناقتها قائلاً : غدوت باهرة الحسن ، لم تعودي قط تلك الطفلة مبعثرة الشعر سليطة اللسان ، ضحكت هي بمرح دون أن تنتبه ﻷن كلامه قد يحوي أي شيء مبطن بداخله .. ذاك الشيء الذي التقطته الكبرى ببراعة تامة ، حتى أحست بألم صغير يطعن قلبها ، استأذنت الصغرى لتنضم لبعض الضيوف ، في انسحاب مهذب لتمنحهم بعض الوقت ..

كانت تشعر بحرقه في أي موضع من وجهها تنتقل له عينيه .. و تلعن في سرها تلك الدرجة العالية التي يبلغها إحساسها به ، و التي لم يغيرها الوقت وﻻ حقيقة العمى !

-تبدين بحال جيدة (هكذا بدأ كلامه)

– دائماً أبدو كذلك ..”أشكرك”

-ما رأيك إذن أن تسمحي لي بهذه الرقصة ؟

يجب أن أنضم ﻷخيك قليلاً .

.. أحست بخبث طلبه ، ثم أنبت نفسها ﻷنه قد يكون طلباً عادياً وحدها من تحمله سوء النوايا .

-حسن .. أسمح لك

نطقتها بثقة تفوق بكثير الثقة التي تشعر بها ، في الحقيقة هي لم ترقص منذ وقت طويل .

كأنما قرأ أفكارها فهمس لها : لن أدعس على قدمك ، و لن أتركك تسقطين .

ابتسمت في محاولة أﻻ تلتمس في كلامه أي تلميح ﻷنها عمياء و قد تسقط ،كانت شقيقتها الصغرى مبهورة من الطريقة التي تراقصه بها ، ليست وحدها بل غالبية الجمع ، مما جعلهم يفسحون لهم حلقة كبيرة و اكتفوا بالمشاهدة و تعليقات الإعجاب من وقت ﻵخر، كانت في الحقيقة ، كأنما تغمض عينيها و تحلم بشيء بعيد ، يوم و لحظات لطالما تمنتها معه ، نسيت عينيها و الحضور ، كانت مأخوذة بالكامل .. ﻻ تشعر سوى بيديه و ﻻ يداعب روحها سوى عطره …

لم تعد لوعيها إﻻ على صوت تصفيق حار إثر انتهاء المعزوفة ، فشعرت بحاجتها للاتكاء على شيء ، و دون قصد اتكأت على كتفه ، لم تكن قدميها تحملانها…فأحاطها بذراعه و هو يسألها : هل أنت بخير ؟

أجابته : نعم .. سأكون ممتنة لو أمكنني أن أجلس …

فسارا معاً لطاولة قريبة ، ثم تناول لها كوب من عصير التوت و ناولها إياها ، انضمت لها أختها بعد قليل .. و سألتها بهمس إن كانت تشكو من شيء ! فضغطت على كف أختها تطمئنها أنها بخير ..

جلست في غرفتها تفك عن شعرها المشبك و تخلع أكسسوارها بعد انتهاء الحفل .. و قلبها ﻻ يكف عن الخفقان كيف أنه معها بذات المنزل ، و أنها ستلتقيه على المائدة في أوقات الوجبات .. و في أوقات متفرقة من اليوم .

دعت الله أن يشد على قلبها و يمنحها القوة كي ﻻ تنهزم أمامه .. كي ﻻ تخذلها عينيها الضريرة فتبكي أمامه و تخبره لكم اشتاقت له ! ..

نامت بعد أن تقلبت كثيراً في فراشها ، لتطرد تلك اﻷفكار التي تخيم على ذهنها .. شفقته ، غزله المبطن لشقيقتها ، تجاهله لها في محنتها و ظهوره المفاجئ اﻵن !

عن تغريد علي

mm
كاتبة من السودان

أضف تعليقاً