رجال في الشمس

4653511 (1)

دراسة: د.احمد كمال ذكي

ليست هذه من القصص القصيرة ولا من الروايات ،وإنما هي من النوع الذي يقع بينهما (Novelette ) ويأخذ من كل أبعاداً وأغواراً. ولقد استطاع مؤلفها أن يطفر فوق الحواجز الفنية التي كان يبدو من المحال تخطيها.

هناك تقاليد تفرضها على الكاتب الفترة الزمانية التي يعيشها ، ولكنه إذا كان أصيلاً تمكن من الارتفاع بها واستقطب فيها مشاعر الإنسانية جمعاء. ولقد نرى طائفة من النقاد يهملون هذه الظاهرة ، أو لا تتسع مجهوداتهم لتمحيص دقيق لها،فينظرون إليها النظرة الإقليمية الضيقة ويقضون بهذه النظرة على عمل من الممكن أن يكون عالمياً .

وقصة رجال في الشمس عمل من هذه الأعمال،مع التسليم الكامل بأنها مؤداة  بنغم عربي رصين.

ومع ذلك فأنا أومن بأن المحافظين لا يقبلونه بكل الرضى ولا ببعض الرضى. ولست أريد أن أشير إلى إمكان رفضه بالمرة ، لأنه بخصوصيته يجبرهم -فيما اذهب إليه – على أن يتمعنوا فيه على الأقل ،وهم لا شك أنهم مأخوذون فيه بتجربة الإنسان المضيع.. الإنسان العربي الذي يريد أن يرتفع إلى مستوى نكبة فلسطين ،فيرحل، ويستمر إلى الأبد في الرحيل ، حيث تصبح الحياة مجرد محاولة للوصول.

إن غسان كنفاني يتخلى عن الشكل التقليدي للقصة ،وباستعماله طرق تعبير مختلفة -من سرد لا يخرج عن حيز الزمن ،إلى رجعات قوامها التداعي المتقن ،إلى مناقلة بين المتكلم والغائب في لحظة واحدة -يخطط لقصته التي يحكي فيها مغامرة فلسطينيين يريدون تخطي الحدود إلى الكويت ،كأرض موعودة.

فإذا أمامنا ((ابوقبيس ))المعلم الذي احتاج عشر سنوات ليصدق أن شبابه وشجراته الصغار وقريته كلها ضاعت على أيدي اليهود ،وان عليه أن يساوم ((الرجل السمين )) الذي يهرب الناس من البصرة إلى الأرض الموعودة ليحمله معه.

وبجانب المعلم العجوز نرى ((اسعد )) الذي اشتراه عمه لابنته ندى مثل كيس الروث ، فمضى بالثمن يبتغي بداية جديدة في الأرض البعيدة ،وعبثاً راح يساوم الرجل السمين.

دائماً هذا الرجل ….فهو النقطة التي يلتقي عندها أبناء فلسطين المضيعة ، وهو النموذج الوضيع للأحياء ،أو لعله الحياة نفسها بكل واقعيتها ومراراتها!

ثم نرى مروان ،وقد طرد من دكان الرجل السمين كما طرد المعلم العجوز واسعد جميعاً .ولكنه دون هذين سناً،وكان أخوه المهاجر في الكويت يرسل له ولأسرته مالاً ثم كف يده عنه ،فكان عليه أن يبدأ الرحلة.

واجتمع الثلاثة ،جمعهم مهرب آخر-غير الرجل السمين- متواضع اسمه “أبو الخيزران “طويل ،غامض ،ويعرض اقل اجر يدفع بعد الوصول.

كانت الخطة سهلة ، فأبو الخيزران يخفيهم داخل خزان ماء علي سيارة يمتلكها ثري معروف باسمه تعرف نقط المراقبة في أمان ، وتتم عملية الإخفاء عندما تقترب السيارة فقط من إحدى هذه النقط ،وفيما عدا ذلك فالثلاثة لهم مكان في الشمس فوق الخزان.

وعلى هذا النحو تبدأ الرحلة طويلة ،شاقة ،والجو يلتهب ،والصحراء لا تريد أن تنتهي. ومن حين لآخر يقبر الرجال في جهنم الخزان ريثما يتم إجراء ختم الأوراق ، وعند آخر نقطة مراقبة يتعطل أبو الخيزران زمناً يطول قليلاً عن ما يمكن أن يحتمله ثلاثة في خزان مغلق تصليه الشمس ناراً .وعندما فتح الكوة عليهم،كانوا في عداد الأموات.

ويواجهنا غسان كنفاني به بعد ذلك ،ومن قبل وضعه في وضع المعتدى عليه من جانب اليهود. هناك شي فيه لا يبدو معه راضياً ولا ساخطاً ، ولكن حياته قائمة علي سر يحمله في اجترارته دون تصميم على شيء حتى ليكفر بقوميته ،هذا السر هو أن اليهود أفقدوه في إحدى العمليات الجراحية ،رجولته.

مأساة هؤلاء الثلاثة الذين في الرحلة امتداد لمأساته هو ، وكان من الممكن أن ينقذ من مصير آل إليه وكذلك كان من الممكن إنقاذهم. وهو لذلك دهش معذب يصيح بعد  أن ألقى بهم في “مقلب” القمامة خارج البلد:

لماذا لم تدقوا جدران الخزان…. لماذا لم تقرعوا جدران الخزان… لماذا لماذا لماذا ؟

وكان وصوله بالمأساة إلى هذه المرحلة ، بعد أن فكر في حفر ثلاثة قبور لهم. وكان قد تقلص العدد إلى واحد ،ثم لم يكن مثوى لهم إلا القمامة دون أن ينسى مد يده إلى جيوبهم ليأخذ حقه!

هذه هي (رجال في الشمس ).وإذا كان تكنيك غسان كنفاني يبدو كما لو كان نفياً للزمانية وان لا سرد عنده يفضي إلى محددات ،فأنه لم يعجز عن مدنا بكل الإيحاءات التي تجعلنا نكتشف كل شيء. وهو ينثر الحكايات المتشابكة في عدم انتظام ، ولكنه لا يخلط بين السرد الذي يمكن أن نسميه تاريخاً وبين شهادة الحاضر ، وقيمة هذا الحاضر هي أنه متحرك الأمام وان يكن المستقبل مخيفاً يزحف نحوه بالخطر والعذاب والتعاسة.

أجل ولم يكن هناك صعوبة في تحديد معالم المأساة….. مأساة اصطياد اللقمة لمواجهة ذلك المستقبل المخيف. 

ومأساة الرحلة حتى وان يكن البحث فيها بلا غاية إلا البحث نفسه.

ومأساة مواجهة الموت دون أن تكون هناك قوة ما تدفعه.

إن إنسان غسان كنفاني ممزق ،ويريد أن يعيش بعد أن يجمع أشلاءه. وفي محاولاته للحياة يواجه الفشل فلا يستسلم ،ويصير إلى النهاية كتجربة تشبه التجارب التي مرت به في صموده من قبل.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

اترك تعليقاً