الرئيسية / العدد الواحد والثلاثون / قراءات : “فهرنهايت 451” راي برادبوري

قراءات : “فهرنهايت 451” راي برادبوري

 

ketab0734

عبير عواد:

للتواصل مع صفحة الكاتبة على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

إنهم يحرقون الكتب؟؟

وما الجديد؟؟؟!!! في زماننا تحرق الكتب وتدمر المدن الأثرية وتهدم المزارات وتنبش الأضرحة!!!.

أمر موجع أن تكتب عن كتب تحرق..أمر مؤلم  وقاسي أن تُمنع الكتب وتحرق.. الكتب هي عصارة الفكر الإنساني..هي صوت ضمير أمة.. علومها ومعارفها.. أدبها وفلسفتها.. هي دلائل وعلامات طريق تشير إلى تاريخ حياة البشر..أن تحرق الكتب .. أي أن تقتل الأمة تقضي عليها.. ستصبح مع الوقت نسيًا منسيًا..

رواية فهرنهايت 451 للأديب راي برادبوري كتبها ليحكي عن خيال مرعب.. ماذا يحدث لو قامت الحكومات بحرق الكتب.. كل التراث الإنساني الذي عرفته البشرية على مدى تاريخها الطويل.. الكتاب المقدس.. الإلياذة والأوديسة لهوميروس.. مسرحيات شكسيبر .. أشعار وليم بليك.. أشعار وايتمان وكتب فوكنر.. كتب الفلسفة والتاريخ والعلوم الإنسانية..

يتم جمع الكتب ووضعها في محارق خاصة  تحت درجة حرارة451 أو يتم حرقها  في الأماكن التي يتم العثور فيها على الكتب.. ثم حرق الأماكن بالكامل لتطهيرها.. وكأن الكتب ملوثات أو دنس!!الغريب أن في هذا الزمان الغير محدد في المستقبل.. رجال الإطفاء هم من يقومون بحرق الكتب..حيث أن تاريخهم مشوه و مزيف.. أفهموهم أن المنازل كانت دومًا مجهزة ضد الحرائق..  وأن دور رجال الإطفاء اقتصر على …. حرق الكتب!!!

(لاحظوا أن ترجمة إطفائي بالإنجليزية هي (Fire Man

حدثت أكثر من حرب عالمية.. وتغير شكل الحياة على وجه الكرة الأرضية..أصبحت المعرفة وهم وعُدّت الكتب خيال..البطل جاي مونتاج الاطفائي.. الذي يمارس عمله بسعادة.. يشعر بالإثارة عندما يشتعل اللهيب ليحرق أوراق الكتب..يلاقي جارته ذات التسعة عشر ربيعا كلاريس ذات يوم في طريق عودته لمنزله..تتحدث معه وتسأله هل فكرت أن تقرأ شيئاً من هذه الكتب؟؟؟

يخبرها أنه ممنوع ومخالف للقانون.. يلقاها أكثر من مرة في طريق عودته يستكملا سيرهما معاً ويتحدثا.. كلاريس تثير نوازع كثيرة بداخل جاي.. وكأنها تقتحم حياته لتقلبها رأسًا على عقب..مونتاج رجل بائس حياته رتيبة جوفاء خالية من أي معنى.. وزوجته ميلدريد ليست إلا نموذج بائس آخر لهذا الزمن المشوه..لا تهتم  إلا بزيارة أهلها وأقربائها لها لمتابعة مشاهدة التليفزيون على الجدران.. فكل حائط هو شاشة تليفزيونية..ووضع سماعات الأذن في أذنيها والنوم.. بعد تناول كمية لا بأس بها من الأقراص المنومة..

ويبدو أن لقاءات كلاريس بمونتاج حركت المياه الراكدة بداخله.. بدأ يفكر في الأشياء من حوله  يراها بمنظور مختلف بدأت تراوده فكرة قراءة كتاب.. ولكن!! اللحظة الدرامية المشتعلة لم تأت  بعد.. يعرف أن الفتاة قتلت ربما في حادث سير ..وتموت السيدة العجوز التي تم الإبلاغ عنها لاقتنائها الكتب والتي ترفض مغادرة المنزل وتبقى لتحترق مع الكتب.. مع كتبها!!

يقرر مونتاج أن يختلس كتابًا لنفسه.. يرغب بإتيان الفعل المحرم.. يرغب بالقراءة!!ويعود إلى منزله.. ويصاب بالحمى.. هو المرض ولحظة القرار الفاصلة.. هناك شيء خطأ ومونتاج يرفضه.. لقد بدأت نفسه في التحرر..يصارح زوجته بأنه يريد أن يأخذ إجازة من العمل وعدم الذهاب إلى مركز الإطفاء.. ويزورهم الكابتن رئيسه في العمل.. الذي يستشعر أن مونتاج تراوده نفسه على القراءة.. يجري بينهما حوارًا يبدو كما لو كان كل منهما يناور الآخر ليدري ما الذي يخبئه؟؟

بعد مغادرته يصرح مونتاج لزوجته برغبته في اكتشاف ما تحويه الكتب, كما نكتشف  أن مونتاج كان يقوم باختلاس بعض الكتب خلال حملات الحرق التي كان مشاركاً فيها..تصاب الزوجة بالانزعاج ولكنها تشاركه القراءة.. فعليهما اختيار كتاب  ليذهب به مونتاج للمحرقة ويحرقه.. خاصة أن الكابتن لديه شك في أن مونتاج قد اختلس كتاباً بالفعل من منزل السيدة العجوز..

يخرج مونتاج وقد صمم في قرارة نفسه على القيام بما هو مختلف.. يزور أستاذاً جامعياً سابقاً “فابر” جرى بينه وبن مونتاج ذات مرة حديثا مطولاً عن الكتب..يذهب إليه ويصارحه بما يعتمل في نفسه ويساعده الرجل ويمنحه سماعات لاسلكية للتواصل معه يرتديها أثناء ذهابه لمركز الإطفاء, حتى يستطيع متابعة الحديث الذي يجري بينه وبين الكابتن الذي يريد أن يوقع بمونتاج لأنه يقرأ الكتب..ويجري حوار آخر بين مونتاج والكابتن الذي يحاول أن يستدرج مونتاج كي يوقع به..

وبعدما يتم الحوار بمساعدة فابر على السماعات التي يرتديها جاي مونتاج .. ويعتقد مونتاج أن الأمر انتهى يتسلم المركز إنذارًا بوجود كتب في منزل ما ليتم حرقها.. وتتجه مجموعة الاطفائيين إلى المنزل المراد حرقه..لنكتشف أنه منزل مونتاج!!

يبدو أن شك الكابتن لم يكن مجرد شكاً عابرًا وأن جارات ميلدريد كن جاسوسات عليه.. أسمعهن شعرًا أبكى إحداهن لأنها اكتشفت للحياة بعدًا آخر لم تكن تدركه من خلال الحياة العقيمة التي كن يعشنها.. يبدو أن إحداهن قد أبلغت  عنه.. و أن ميلدريد نفسها أبلغت عنه..وهكذا يجد مونتاج نفسه مضطراً لحرق منزله وحرق الكتب التي كان قد أخفاها …

و يشتد الصراع في هذه اللحظة بين مونتاج والكابتن عندما يطيل من عملية الحرق لتكون مسألة مؤلمة لمونتاج الذي  لم يتحمل حرق الكتب .. كان فابر كل هذا الوقت يواصل الحديث مع مونتاج من منزله يحاول أن يحثه على الهرب حتى لا يتم اعتقاله.. يحدث صراع بين مونتاج والكابتن ينتهي بحرق الكابتن على يد مونتاج وهربه… يواصل مونتاج رحلة مؤلمة للفرار ويستطيع الوصول لمنزل فابر..

وفي الوقت الذي تطارده فيه الشرطة في أنحاء الولاية كالعادة تحدث حربًا جديدة.. قد تكون بداية جديدة.. لم يخبرنا الكاتب.. وكأنه ترك الأمر مفتوحًا لخيالنا.. لا يعترف رجال الشرطة  بفشلهم في مطاردة مونتاج والقبض عليه ..

يواصل مونتاج الفرار حتى يصل للريف وهناك يلتقي بمجموعة من الرجال الهاربين كل منهم قرأ وحفظ عددًا من الكتب, يبقون في انتظار اللحظة المناسبة  التي يصبح العالم فيها على استعداد لإعادة اكتشاف الكتب والبدء في عصر جديد..

طريقة السرد في الرواية مختلفة ومرهقة, وبارعة.. الكاتب يذهب بك بعيدًا لينقل لك صورة هذا العالم الذي اندثرت فيه المعرفة  واختفى فيه الكتاب  وأصبح الجهل نعمة.. طريقة سرده غريبة لقطات متتابعة وعبارات متتالية, وعليك أن تبحث بين سطوره عن الحقيقة .. تستشعر التخبط الذي يشعر به مونتاج بطل الرواية.. بل تشعر بمدى سوء العالم الذي يعيشه وقبحه..

الرواية  أثارت جدلاً واسعًا لدى صدورها بين مؤيد ومعارض.. بين المدح والذم.. لكنها اليوم تصنف ضمن أفضل روايات القرن العشرين كما نال عنها برادبوري جائزة الأدب الأمريكي المتميز عام 2000..

موجعة ومؤلمة وصادمة.. ولكنها لم تكن سوى استقراءً لهذا الزمان..

ولكن!!

إذا أعطوك ورقــًا مسطرًا اكتب في الاتجاه المعاكس “

خوان رامون خيمنيز

أعشق السباحة ضد التيار.. وكذا راي برادبوري

عن عبير عواد

mm
كاتبة من مصر تحمل ثلاثة مفاتيح لأبواب عالمها هي : الكلمات .. الموسيقى .. الطبيعة .

أضف تعليقاً