الرئيسية / العدد الواحد والثلاثون / Mar Adentro : الانتحار المعدي

Mar Adentro : الانتحار المعدي

13138_capa

**

بعد فوز فلم مثل Argo بأوسكار أفضل فلم للعام و ترشيح أفلام ضعيفة مثل Timbukto و Zero Dark Thirty لأهم الجوائز، فإن مصداقية الأكاديمية تعرضت لهجوم مبرر، فالسياسة تبدو و كأنها العقبة التي لم تستطع الجائزة الأهم في عالم السينما تجاوزها، و ربما يكون ذلك صحيحاً، لكنني أعتقد أن الفشل الأكبر للجائزة هو عدم قدرتها على تحمل تفوق الأفلام الأجنبية على الأفلام الأمريكية في مناسبات عدة، المفارقة المثيرة للسخرية هنا هي أن الفلم الأوروبي الوحيد الذي حصل على جائزة أفضل فلم للعام في آخر نصف قرن تقريباً هو The Artist  ربما يمكننا القول بأن ذوق أميركا لا يتحمل الأجنبي إلا و هو صامت. طبعاً الاستثناء هنا هو للأفلام البريطانية.

أفلام مثل Amelie, Life is Beautiful, Cinema Paradiso, City of God, Edith Piaf لم تحصل على الحضور المستحق لها كأفلام مرجعية حتى بالمعايير التي تضعها الأكاديمية فقط لأنها أنتجت بلغة أجنبية. لكي يلاحظ الفقد هنا علينا أن نتذكر أشخاص مثل فرانز كوبالا The God Father ، ميلوس فورمان Amadeus, One Flew Over the Coco’s Nest و مارتن إسكورسيزي ذات نفسه. هؤلاء المخرجون الذين ينظر إلى أعمالهم كروح هوليوود الإبداعية هم في الحقيقة مجرد مخرجين مهاجرين بدرجات مختلفة، تاريخياً كانت هوليوود عاجزة دائمة عن تحديث نفسها ثورياً، شارلي شابلن أيضاً كان مجرد متطفل في البداية.

أول مواجهة لي مع الروعة السحرية منقطعة النظير للأفلام المتطفلة عن النمط الأمريكي كان فلم Mar Adentro، الفلم الإسباني مقتبس من قصة واقعية لرجل مشلول سعى لأكثر من عشرين سنة للإنتحار، خافير باردم يستطيع دائماً أن يجسد فكرة سلافوي جيجاك حول الجوهر اللاإنساني للإنسان، الرجل بعد فترة من الصراع مع المحكمة العليا حول حقه في الانتحار يبدو و كأنه طور قدرة غريبة على الإقناع، في بداية الفلم تقوم إحدى شخصيات الفلم الرئيسية بمحاولة إقناعه بالعدول عن هذه الفكرة.

She: Why dying?

  • Well, let’s see. I want to die because for me, living like this… is not worthy, I can understand if other tetraplegic could feel offended when I say life like this is not worthy. But I don’t judge anyone,who am I to judge those that want to live? That’s why I ask not to be judged, nor the person that helps me to die.

  • She: And do you think someone is going to help you?

  • Well, that would depend on the ones taking the decision. If they manage to conquer their fears It’s not such a big deal. Death has always been there and always will be, in the end we all get there. All of us, it is a part of us. Why are they so surprised because I say I want to die? As if it is contagious!

ما الذي يخيفكم في فكرة انتحاري، و كأن هذه الفكرة معدية؟ سأل رامون هذا السؤال و هو على فراشه الدائم و بهيئته المثيرة للشفقة. أعتقد أننا إذا بحثنا عن مثل هذه القوة الغريبة للجوهر غير الإنساني للإنسان في أفلام السنة الماضية فإننا سنجدها في الفلم The Theory of Everything ليس في ستيفن هوكينز بل في زوجته التي أدت دورها الجميلة، بكل ما للكلمة من معنى و أكثر من ذلك، فيليسيتي جونز، في المشهد الأفضل في الفلم، عندما يقرر ستيفن أن رحلته مع زوجته قد انتهت و يخبرها أنه سيسافر مع مساعدته الجديدة يحدث الحوار الغريب التالي:

  • I have asked Elaine to travel with me to America. She will look after me.

  • Will she?

  • yes.

  • ou always use to tell me when an invitation came in.

  • Another award, what can you do? .. I’m sorry … (after short period of silence) .. How many years?

  • They said two.

بعد ذلك تبدأ جاين في البكاء، يقترب منها ستيفن بكرسيه الشهير، “كل شيء سيكون بخير”، يقولها و كأنه طفل أبله صغير، لا أعتقد أن الذين يفهمون الحب بشكله الإنساني الطبيعي يمكنهم تفسير موقف جاين، لقد صارحت ستيفن للتو بأنها تتذكر الآن و بكامل الإرهاق الوجودي بأنهم قد أخبروها أنه سيموت خلال عامين فقط، لكن ما حدث هو أنه عاش، للأسف ربما، أكثر من ذلك بكثير. إذا تتبعت الفلم جيداَ ستجد أن هذا المشهد تحديداَ قد تم تجاوزه تماماَ، فهو لا ينتمي لأي من الخطوط الرئيسية للسرد، شيء حدث فقط و كأنه زائد عن الحاجة. بين الفلمين هنالك تشابه آخر، المشهد الذي يتخيل فيه الشخص المعاق أنه يتحرك بحرية، أعتقد أن الرسالة التحررية لكل هذه السينما الغريبة هي الآتية: إن الحب أو الحرية هي أمور بالتعريف مستحيلة، مكانها الممكن الوحيد هو الخيال، و بالتالي فهي تشكل الأساس اللاإنساني (و ليس الإنساني) للحياة، ربما تكون الحرية هي في البحث عن هذا المستحيل.

بالعودة للفلم Mar Adentro فإنني أتذكر أن الفكرة التي لم تفارق ذهني بعد مشاهدة الفلم هي حقيقة السينما كشيء يجعلك تقف أمام التناقضات المزعجة رغما عنك، بالقرب من نهاية الفلم، يجلس رامون مع الفتاة التي وافقت على مساعدته على الإنتحار، الفتاة تقدم على أنها شخص بسيط و خفيف، كأنها ملاك ربما، يجلس معها رامون ليقوم بحواره الأخير و هما في شرفة هادئة.

  • If there’s really life after death… I know this is going to sound foolish, but… Please give me a sign…

  • A sign?

  • I was never scared of spirits. I will be very alert… waiting. Will you do it?

  • Of course.

  • But, between you and me, I think that after we die there’s nothing. Just like before we are born… Nothing

  • How can you be so sure Ramon? No one knows that

  • No I’m not sure. It’s just a feeling. It’s like when my father looks at the sky and says “Tomorrow it’s going to rain” and it does. It’s a feeling. But there’s something you shouldn’t forget. I’m going to be in your dreams I’m going to come to your bed at night and we will make love And in case I don’t tell you in your dreams I’ll tell you now: Thank you Rosa, from the bottom of my heart. Thanks

أعتقد أنه في وقت يقدم فيه الإيمان على أنه أكبر قوة دوغمائية مدمرة للحياة، فإننا سنجد إيمان آخر في أكثر الأماكن غير المتوقعة. يبدو من الواضح أن رامون كان يتهكم في البداية، فالحرية عموماً شيء مخيف، لأنها تحديداً عنيفة و معدية. و جميلة أحياناً

عن محمود المعتصم

mm
طبيب و كاتب سوداني ، مهتم بالسياسة و الفكر .

اترك تعليقاً