الرئيسية / العدد الثاني والثلاثون / أحاديث من ذاكرة النسيان

أحاديث من ذاكرة النسيان

17388_139460776234646_336364344_n

راشد يسلم :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

كراهب في دير ما داخل مدينة سقطت سهوا من ذاكرة الناس تمر عليك أيامك .

فاليوم شبيه الأمس ، والأمس توأم الغد .

وأوراق التقويم تتساقط بحياء كأوراق شجرة غازلها الخريف ثم تنبت في غصن قلبك أشواكها .

لذا تكتب كل ما أردت أن تكونه ولم تستطعه .

فوحدها الكتابة تجعلك تعيش أكثر من حياة وتمنحك أكثر من حكاية .

وحدها التي تجعلك تعبئ ذاكرة الأمكنة بك .

12:19 ظهرا في العام التاسع عشر للميلاد :

أولئك الذين نحبهم فجأة بعد أن يختارهم الموت ..!

أولئك الذين لا تضيء صورهم في ظلامنا حين نغمض أعيننا ، ولا تلوح حروف أسمائهم لنا حين تعترينا شهوة النطق .

فيصبحوا كذلك لمجرد أن أسماؤهم كتبت على شواهد حجرية .

اكتشفت أننا نمارس معهم بفعلنا هذا الأنانية في أبشع أشكالها .

فنحن نكذب على أنفسنا حين نظن أننا قد افتقدناهم فعلاً .

نحن فقط نفتقد تلك الوجوه التي اعتدنا أن نشاهدها من حين لآخر لتقوم بتنشيط ذاكرتنا فقط وإخراجها من حيز الوجوه التي تتصدرها دوما .

نفتقد لتلك الحكايا التي يقصونها علينا ولا تعنينا في شيء ، وتلك الأحاديث التي نخبرهم بها لأنها ثقلت علينا فألقيناها في سلة أسماعهم .

هي الأنانية مجددا .

شيطان المحبة في ثياب العابد .

6:30 مساء ، في العام الواحد وعشرون للميلاد :

” ياعسولة

القرآن قريتوا

والصلاة صليتها

تعرسيني ؟ “

تبتسم الحسناء ، وهي تطالع الدرويش يركض هرباً من بطش الشرطي ولعنات القواعد من النساء .

فتية الحي يمررون عبر صراخهم وضحكاتهم بعض التعليقات البذيئة التي تتغزل بالحسناء وتسخر من ” جبن ” الدرويش .

وحدها هي ” بحزن ” تقول : لو كان غيرك قالها .

ووحدي ” بخيبة ” أقول : الدرويش كان أشجعنا جميعاً .

8:00 مساء في العام الثاني عشر للميلاد :

تراودك لحظة مراهقة ساذجة فتسأل جدتك عن والدك فتقول :

هل كان أبي طفلاً مثلي ..؟

هل كان يغازل أمي كما أغازل ابنة جاري ..؟

هل يعشق تلك الندبة على وجهها ..؟

هل إشتري يوما لشفتيها حلوى ولعينيها وطن ..؟

فتجيبك جدتك بعد أن تضعك في حجرها مداعبة شعرك :

هل أكملت دروس الأمس ..؟

هل حضرت دروس الغد ..؟

ماذا عن العشاء هل صليته ..؟

ماذا عن العشاء هل تناولته ..؟

تعرف حينها أنك لن تحصل على رد ، لكنك توقن أنك قد حصلت على إجابة .

10:37 مساءً في العام الثاني والعشرون للميلاد :

يضع ساقاً على ساق وهو يشاهدها على التلفاز تتمايل كخيط دخان صاعد من مبخرة أنيقة .

يطالعها الجميع بتفحص وهم يشعرون أنها تراود رجولتهم عن نفسها .

وبعد أن أكملت فقرتها الاستعراضية تحمد الله كثيراً ثم تجيب المذيع أن كل ما تملكه في هذه الحياة هو الستر ومحبة الجمهور .

يبتسم الطفل داخله وهو يطالع المكتبة الضخمة على يمينه ، وصورة أباه على يساره ثم يحادثه :

رحمك الله يا أبي هذا زمن ” العوالم ” لا زمن ” العلم ” .

2:03 صباحاً في العام الرابع والعشرون للميلاد :

ها أنت ذا وحدك هنا بورقة وقلم .

كمقعد في محطة قطار ودع للتو أحد جالسيه .

تبيع للشتاء حروفاً سرقتها من دفتر عاشقة ، من حزن يتيم ، من حنين غائب عله يمنحك بعض الدفء .

وحدك تكتب وتكتب و تكتب ..

” ليتني أستطيع أن أدون كل الذي تراودني به الكلمات من معاني ..

ليتني أستطيع أن أصلب على الورق كل الحروف والخواطر فأرسمني فيها “

ولأنه لا يوجد من يشتري لتبيع تضع نقطة على آخر ” الصدر ” وتنام .

عن راشد يسلم

mm
سوداني .. مُصابٌ بالديانّات .. والشُرودْ . أكتُب .. لأن هذِه الصحراءُ شاسِعةٌ وأنا لا أجيدُ الغِناء .

لا تعليقات

  1. يا إلهي يا راشد…هذا البوح صافٍ كماء ويقطع في الروح كمدية…كتابة مدهشة كعادتك 🙂

  2. يا إلهي يا راشد…هذا البوح صافٍ كماء ويقطع في الروح كمدية…كتابة مدهشة كعادتك 🙂

أضف تعليقاً