الرئيسية / العدد الثاني والثلاثون / اذن فينسنت فان جوخ

اذن فينسنت فان جوخ

أيمن

أيمن هاشم :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا 

**

قال فينسنت : بإمكاني إهداؤك أذني إذا أعجبتك .!

ثم أخذ موسى الحلاقة و قطع ذؤابة أذنه , أو قطعها كلها – يا للثور المسكين – لابد أن الأمر كان مؤلماً , و سخرية غوغان ستكون أشد , لكن ماذا لو كان من قطعها هو غوغان بعد أن طرح فينسنت أرضاً و هزمه كما كان يهزمه في الحصول على عشيقة , أو ربما بسبب تطرفه قطعها كلها , آه ربما لفق كل هذه القصة صديقه الذي ضايقته نوبات الفزع .

لف فينسنت فان جوخ أذنه في كيس أو حشرها في علبة أعواد ثقاب – هي الآن شهيدة حب – ثم أرسلها للمبغى للفتاة التي أحبها , كانت قد أبدت له إعجابها بأذنه الصغيرة من قبل فردت في سذاجة :

” شكراً “

رفعتها لتطابقها مع أذنها لتعرف هل كانت أذنه اليمنى أم اليسرى , ثم ابتسمت قائلة – إنها جميلة – ضغطت عليها لتتأكد أنها حقيقية و لتمسح بقع الدمع الصغيرة منها ثم همست لها ببعض الكلمات , التي لم نتأكد منها بعد لأن أبواب المبغى ستغلق و أن عليها حمل هديتها تلك بهدوء خوفاً أن يبصرها بعض الزبائن فيفسد الأمر عليها .

دستها في حمالة الصدر ربما أو في مكان ما أكثر لطف يليق بأذن ستسمع خفقات قلبها , كان فينسنت قد قطعها بعشوائية , لكن أتراه تحسس موضعها – فطالما كان صراخ والديه قبل الطلاق يسبب له نوبات ذعر حادة , كانت حمراء و صغيرة و ربما كان بها جزء من شعر ذقنه الأحمر , و قد بدت لدنة و محتفظة بمرونة موحية بالقشعريرة , جعلتها تفكر كم مرة سمع فينسنت كلام معسول بهذا العضو الذي بين يديها , و كم مرة سمع أنين امرأة عند ممارسة الجنس , و كم من القصائد تلا على غيرها , أحست بها كأنها متصلة برقبة فينسنت و فكه المليء بشعيرات الذقن الحمراء فيما هي تتحسس كل ذلك أحست بقبلة على شحمة أذنها .

كان ذلك حينما جاءهم فينسنت الملحاح كطفل ليقابلها , و قد حظي باستقبال العائلة و طلب رؤيتها , كان ما سمعته و هي في الطابق العلوي صراخهم فقط و والدها يمسك بالشمعة التي كادت أن تنطفئ لأن فينسنت وضع يده عليها حتى فقد وعيه .

صوتها و هي تهبط على درجات السلم بحذائها ذو الكعب المسماري العالي و هي رافعة فستانها هو الصوت الوحيد الذي ميزته أذن فينسنت الملقى على البلاط الخشبي البارد .

أخفت الفتاة الأذن بحرص تحت معطفها الواقي من المطر , فقد بدت أكثر دفئاً و كانت تسمع دقات قلبها و ظلت ساكنة تتوسد الليل البهيم الذي طالما أرق فينسنت فان جوخ .

إزدادت حدة المطر , و كان الليل قد داهم كل شيء , و تبلل شعرها المكشوف , كان بمقدور الأذن سماع صوت المذياع من سيارة الأجرة معلناً نجاح دول الحلفاء في إحدى الجبهات , أوربا مريضة جداً هذه الأيام و سماؤها مصابة بالغارات المفاجئة , تطلعت بنظرها لسماء الساحل الشمالي و بدت كأنها مشتعلة و كأن فينسنت مازال ممسكاً بالنجوم المتقدة ,ثم علمت أن النساء الحوامل والأشخاص المكتئبين والأزواج الجدد ينبغي أن يأووا إلى فراشهم مبكرين كل يخلد لطقوسه التافهة ليزيلها ضباب يوم آخر .

ابتعدت عن الطريق و الذي مازال به بعض الضجيج خشية أن تؤذي الضوضاء تلك الأذن المحبوبة , و لكن كيف سيسمع فنسنت خبر تفوق الحلفاء – آه هو لا يكترث – و قد يكون مكانها مضمد بالقماش الذي يمسح به لوحاته , و معقمة بكحول قديم تركه غوغان .

عبر الطريق إلى المنزل سمعت شجار عاشقين من أخر الرواق , كان عتاب العاشق ظريفا فقد أمسك بأذن عشيقته كطفلة معاقبة و ربما هذا يؤذي شعور الهدية , قالت : آه الملاعين !

و بدا الشاب العاشق ذوالذقن الحمراء كأنه فان جوخ و التفت ناحيتها و لم تشعر أن خطواتها لم تكن تبتعد بل كانت تقترب لتتفحص ملامحهم و غمغمت و كانت تفكر في الجميع فنانين أو شعراء , مجانين أو عشاق كل من يكابد و يشقى و كل من ذرف الدمع و كل من ساورته نشوة حين سماعه أغنية , و في الأزقة المظلمة التي لا تصلح لنمو الورد ثم أزعجتها حشرة صغيرة أبدت معها إشارة لامبالاة للعشاق و للحشرة .

تجنبت الباب الأمامي و دخلت عبر باب القبو الذي تراكم الطين عنده ثم انسلت للداخل و وضعت حقيبتها على الطاولة و بفزع أخرجت الأذن الدافئة و أضاءت المصباح و خلعت قميصها – تاركة للأذن العارية فرصة تأمل ذلك الجسد المصقول – و سماع حفيف خلع حمالة الصدر – بدا الصوت سماوياً .

قد تتعود الأذن دفء الغرفة و صوت المطر الذي بدأ بالهطول و قالت الأذن :

– غرفتك جميلة .

أجابتها بلامبالاة – لم يسبق لي ممارسة الحب مع أحد في العلية .

ثم أمسكت بالأذن و وضعتها في أكثر الأماكن استحقاقاً للطعن , فبدت النبضات تأوهات جميلة حتى همدت في نومة أنيقة .

في الصباح كانت زهرة الشمس الموضوعة على أصيص كأنها تصلي صلاة شكر و بدت الفتاة الممدة على السرير في التحرك الشهواني الكسول .

راحت تتحسس الأذن التي التأمت مكان أذنها – التي ربما ملت منها ليلة أمس – فأرادت أن تسمع الصباح بأذن فنسنت – كما كان يوقع اسمه على لوحاته مخافة أن ينطق الفرنسين اسم عائلته بشكل غير صحيح .

تساءلت : ماذا كان سيسمع فنسنت في الصباح , و عندما كان يلوي رقبته ليطقطقها هل يتحسس أذنه بإهمال أم يمنحها حكة بسبب الوسادة الخشنة .

أم كان يتوقع و يمنح أذنه حق توقع اسمها في الصباح – آه يا للقديس المسكين – ثم داعبت خصلات شعرها التي انسدلت معظمها في جانب الأذن الجميلة الجديدة .

المسافة بالأميال من مرسم فنسنت و صديقه غوغان و لو كان بإمكان الأذن العودة عبر تلك المسافة من الغرفة التي لم يصعد إليها فنسنت لصارت مثل طائر كناري ملون بعنف فنسنت .

أسدلت الستارة على نافذتها الزجاجية ثم لاح لها جانبها كأن هنالك أحد أخر في الغرفة ثم زجت النافذة بعنف لأن نوبة فزع أصابتها .

ثم دخلت الحمام و هي تحمل الشرشف للتجفيف و تضعه على رأسها , ما إن وضعته على المسمار و انعكس جسمها على المرأة حتى قالت الأذن :

– أوه يا للقدير .

لكنها سمعتها بالأذن الأخرى خاصتها ثم قالت لها تأدبي ..

ثم رفعت ذراعها كاشفة عن إبطها و رشت المياه من الأعلى و غرقت الأذن بين الصابون و المياه . و ما إن بدأت بتجفيف شعرها و بدت يدها التي تحسست باقي جسمها تنقل صوت الأجزاء الأخرى و رائحتها و عبق بشرتها .

ربما ستزور فنسنت لتعيد له هديته الثرثارة أو تشكره أو تمنحه قبلة أو تخبره أن ذراعه أيضاً جميلة و لكن الضباب كثيف فجذبت الستائر و نظرت بتثاقل إلى المارة لعلها تشاهد فان جوخ المجنون و هو يضطرب في مشيته أو يتلفت و يلفه الضباب .

همست لها الأذن برغبتها بالعودة إلى الفراش المحكمة الشرعية لعاشقين و رقدت مواجهة إياها بعد أن خلعتها مجدداً , فكرت في تركيب قرط , ثم بدرت منها ضحكة إغراء و تثاءبت بشكل عالي و فتحت البشكير القطني و ضمت الأذن إلى صدرها في المنتصف تماماً كان ثمة نبض رقيق ثم أطفأت الإضاءة و بدأ فكها البيضاوي شهياً لقبلة جانبية – ستكونين لي , لم نعرف من قالها أولاً – الأذن أم العشيقة لكن قربتها من شفتيها فقبلت شحمة الأذن حتى سرت رعدة محببة ثم همست لمنع سماع الشياطين التي راحت ترقص في جسدها ثم تدفق الدم و قد ألصقت الأذن لسماع صوت ترديد الوسادة للريح و صوت نزول الماء. و ربما كلام فان جوخ المعسول القادم من عدة أميال ثم انتزعتها و رفعتها عالياً و وضعتها على الأرضية لتسمع صوت ركضهما بين السرير و الباب ثم على أماكن تخصها و قبلتها كطفل لو أن تأوهات فنسنت و هو يمسك بالموس تصلها الآن .

عن أيمن هاشم

mm
قاص وتشكيلي من السودان

أضف تعليقاً