البلاط

Ceramic_Tile_Ceramic_Wall_Tile

طلال الطيب :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا 

**

الحياة مرهقة ,أظنها كذلك أو أنني أشعر بذلك لأني أمسح البلاط فألمح التفاصيل المقرفة , خيط مخاط ,صرصور مهشم ,نملات مسحوقة ,سجائر مهروسة ,قرش متسخ .

وعندما أنتهي من تنظيف البلاط أنظر إلى انعكاس صورتي الضبابية عليه ,إلى وجهي المدور لعلي أرتاح قليلاً برؤيته .أحياناً أشعر بأني هي التي تسكن في جوف البلاط ,تعيش في عالم أخر ترتدي فستاناً غال الثمن وحذاء ذي كعب عال وترقص مع حبيبها الطويل الوسيم طوال اليوم .!

أنتبه على وقع أقدام سيدتي السمينة وهي تسرع في مشيها على البلاط المبلول وتنهرني قائلة : يا بت خلي السرحان ده وشوفي شغلك . سرحانة وين؟

آه أبغضها وأتمنى أن تنزلق على وجهها في البلاط ولكنها لا تقع أبداً. ذات يوم وقعت في ولكنها وقعت علي ,إنحشر وجهي في مؤخرتها السمينة .

أشعر بالعطش للتنفس كلما تذكرت تلك الحادثة . أكره هذه السيدة المتسلطة .

انتهيت من مسح البلاط وضعت القرش المتسخ على الطاولة بعد أن نظفته وحملت الصرصور المهشم وجثث النملات الصغيرة وأعقاب السجائر المهروسة ,على كفي وكأن هذه الأشياء الصغيرة تريد أن تحكي لي قصصها أو كأنني أردت أن أصافح تلك الحشرات واحدة واحدة ولكني وجدت أطرافها صغيرة ويدي كبيرة جدا .!

بالنسبة لسيدتي ما أنظفه مجرد وسخ يجب إزالته من على البلاط حتى يكون نظيفاً ولكني أشعر بأن ما تسميه وسخًا هو قطرات العرق الذي يسقط من جبين الحياة .

أعقاب السجائر هي لسيدي إنه دائماً يجعلها تحترق في فمه وأحياناً تتشه على شفتيه ؛ لأنه ينساها وهو مشغول بعمله ,إنه رجل ترهقه الأرقام والحسابات ,أظنه يمسح بلاطاً من نوع أخر أكثر تعقيداً من البلاط الذي أمسحه .

أما النملات الصغيرة والتي تحطمت بواسطة رأس إصبع سمين جبار وهو إصبع سيدتي القاسية . تقتل النمل الذي إشتم رائحة الموت تنبعث من جثة صرصور تاه في صحراء البلاط الواسع .
طفل سيدتي الصغير يتعلم في هذه الأيام كيفية الزحف على أربع. يزحف عارياً ويمد يده إلى أي شيء ثم فجأة يصرخ لا شك بأن نملة أو نملتين ظنتا بأن طعمه حلو فعضتاه . وعندما يصرخ بصوت عال وحاد ,تهرع إليه أمه وتأخذه إلى حضنها ويواصل هو البكاء بمنخريه حتى يقطر المخاط على البلاط ,ثم ترمق الأم جماعة النمل التي تمشي على سطح البلاط بحثاً عن شيء يؤكل أي شيء يمكن أن يؤكل بالنسبة لجماعة النمل .ثم تمد إصبعها ,وتسحق كل النمل وكأنها تضغط على أزرار الهاتف .

أتخيل نفسي نملة ,أسمع صوت تحطم أخواتي النملات (كركش ) وأسمع تلك الصرخة المرعبة قبل أن تتحطم الجمجمة الصغيرة .وأفهم جيداً بأن حياة النمل فوق سطح البلاط مرهقة جدا بل وخطرة أيضاً .ولكن لابد بأن سيدتي تشعر بتلك الأجساد الصغيرة وهي تتحطم وتنفجر بمجرد كبسها بالإصبع لابد بأنها تستمتع بذلك وكأنها تهشم رقائق البطاطس .!

أما القرش المتسخ فهو ملك لسيدتي لقد إتهمتني بسرقته قبل أسبوعين لم تقل ذلك صراحة ولكن إستسلامها وحسرتها عليه يقولان :لابد بأن الخادمة سرقته .ولكني وجدته في شق على صدر البلاط فوضعته فوق الطاولة إذا رأته سوف تعرفه و أكون قد لقنتها درساً لن تنساه أو لعل غرورها لن يجعلها تتعلم شيئاً .

أما ذلك الصرصور الأحمر فقد قاده حب الإستطلاع إلى هنا ؛كان يبحث عن مغامرة جديدة ولكنه اكتشف بأن البلاط نظيف تماماً وبأنه صلب وبارد أيضاً وبأن الجدران أكثر صلابة .لعله أصيب بالجنون وهو يحاول الخروج من صحراء البلاط والذي ليس فيه شيء غير رائحة الصابون العطرة التي يكرهها ولكنه لم يهتدي إلى طريق الخروج .

ولعل أحدهم داس على جسده وهو يمشي في الليلة الماضية فوضع نهاية قصة إسمها مغامرة صرصور أحمر إنتهت بالسحق من يهتم ؟

لعلي أنا الذي أكنس جثته المتكسرة والتي عبثت بها الرياح ,أحمل له شيء من الإهتمام والتعاطف وكأني موجودة هنا لأبعد جثثهم عن هذا المكان الذي لم يحبوه يوماُ ولم أحبه أنا !

عن طلال الطيب

mm
قاص من السودان ، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان " قيامة الرمل " 2015 م .

اترك تعليقاً