الرئيسية / العدد الثاني والثلاثون / تجليات أناشيد الرياح 1

تجليات أناشيد الرياح 1

5457b27b0c5a4807872577

عمرو جنيد :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

الأنشودة الأولى : ربع الصالحين

 بلدتي .. المدينة القزمة التي هي مزيج من اللونين الأصفر و الرمادي، بيوت من طابقين تستند على بعضها البعض بود العجائز بلدة تسعل طوال النهار الأحمر جراء هبوب رياح الشرق الترابية المثابرة و ليلاً  تهجع كدجاجة مملة أنهكها الركض وراء الحبوب المتطايرة في لجة الرياح .

تلك السموم الأزلية قبل أي حجر وضع في بلدتي قبل الصحراء ذاتها، ليست  موسمية الزيارة بل ضيف يجثم كوحش جشع يطالب أضحية، رياحنا ليست زوبعة  أو هواء بل نفس ناري، لا يمنعها الجدران أو الأبواب من الخوض في صدورنا و مآقي عيوننا، ذراتها تنام في فراشنا و تشرب من مائنا و تلهو في لقيماتنا اليابسات،
رياحنا أم بلدتنا و صحرائنا، حقودة و مستبدة.

يقطع بلدتنا شارع واحد أفعواني طويل معبد بعرق الحمالين والسابلة ممارسي رياضة التململ أمام وجهات الحوانيت، حركات عشوائية تبدأ مع أول ضوء و تختفي مع إنحسار الأصوات في ملكوت الصمت المسائي.

طريق بلدتنا يمتد من باب الفتح الذي لم يعبره أبداً اي ملك منتصر حتى و لو على قطيع خراف إلى سبيل و زاوية للصلاة، سبيل بخيل يقطر ماء أثناء أوقات فراغه ثم يشح بقطراته وقت الحاجة.

يجاور سبيلنا زاوية الصلاة مكعبة الشكل في حجم أصغر من مسجد صغير، بلا قبة أو مئذنة أو هلال يرنو يمنياً أو يساراً أو إلى السماء غائبة النجوم، تسع الزاوية لخمسة من المصلين العابدين في صفين و ان زاد الصف عن ستة ضاعت منهم القبلة في متاهات تساوي الصفوف – طلباً لرحمة الله – المحدبة حيناً المقعرة أحياناً، المضلعة المثلثة.

الزاوية التي كانت مسجد بإضافة السبيل لها قد بناها أول الأولين في صحرائنا نواة لبلدتنا و نحت أسمه على مدخله تأريخًا لصاحبه الذي آل به الحال مع توافد المعمرين ناكري الجميل ليتناسلوا نقش الصولجان أن ينكروا فضله و ينفى شريداً تتلقفه رياحنا حتى مات و دفن في مقابر اليهود في وادي صفر.

تسلطن علينا بعده كل صاحب معدة مترهلة و همة دنيئة و أنعزلت البلدة أكثر فأكثر، فضاع أسم الأب الأول و مسخ من واجهة الزاوية و بقت سيرته سرية مرتبطة بعصر أسطوري كانت المدينة فيه ذات قباب مذهبة، إختفت السيرة و بقيت الأسطورة و مسجد نصفه سبيل و نصفه مصلى يبث صورة زائفة لعراقة بلدتنا، كي تتضخم الزاوية المنكوبة في مخيلتنا إلى صرح ليس كمثله شئ ندعوه ( ربع الصالحين ) نتفاخر به بيننا إعلاءًا لذواتنا الضائعة.

وراء المسجد السبيل تقبع ساحة عظمى بحجم البلدة تشبه آثار قدم عملاق غاشم ذو عين واحدة ، ربع خالي صورة للفراغ الكوني، تقتل أي قدرة على العبور إلى أسوار القصر القائمة لعنان السماء كشاهد قبر أحد الملوك الوثنيين الغابرين عابدي النور و الظلام.

وسط الساحة تنتصب شجرة سدر بلا أوراق شامخة، تبدو كساحرة تم إحراقها توًا و إنفض الجمع الصاخب ذائباً في حبات رمال الساحة.

سيدنا السلطان راعي بلدتنا كان قد وعد أهل البلدة أن يعمر الساحة الخراب بأشجار و رياحين تسر القلوب اليابسة، قالها مؤكدة أمام الجمع فهلل الناس سكارى في نشوة الأمل الذي صم آذانهم عن شرط السلطان، ألا وهو خراج عشرة أعوام من الحوانيت و الديار لبناء أسوار القصر المنيف.

في العاشر من الشهر العاشر تم الإنتهاء من الأسوار القائمة على جثث البنائيين و بغال الجر و الحفر، تهللت أسارير السلطان بأسواره و جاد على البلدة بإلقاء بذور نباتات في إحتفال بهيج، ليلهج الناس بحمده و هم يحملون قتلاهم من تحت أنقاض الركام.

إحتجب السيد وراء أسراره و غلق أبوابه السبعة،  إنتظر الناس يوماً بعد يوم و شهراً بعد شهر بستانهم المنتظر حتى غاب الأمل و صدهم السور عن رفع شكواهم للسيد، حتى في يوم من نوادر بلدتنا أتى من أقصى الطريق ولد يسعى، صارخ في مرتادي السوق بأن هناك بشائر ولادة أول نبتة في الساحة الخراب.

هرول الرهط متلمساً خيوط الأماني العنكبوتية، ليخروا ساجدين أمام ورقة تخرق الأرض المتشققة كوشم غجري، نظراً لندرة ماء السماء تكاتف العوام لإمداد الماء القليل في الأصل إلى البرعم الطفل، لتشهد البلدة عام من الجفاف الإرادي، منعت السقاية و صارت قربة الماء بثلاثة دنانير فضية إن وجدت.

سيدنا السلطان لم يعبأ بإستغاثات البلدة و لا نواح ذئبي تعالى من بيوت البلدة، زار الطاعون بيوتنا مصاحباً لجفاف السبيل، كانت الجثث تكدس خارج باب الفتح و تحمل إلى جرف الحصاد لتترك تتعفن أو تأكلها آكلات الجيف من الطيور.

ما صلحت وصفات عطارين أو أدوية أطباء لرفع البلاء، ليبيت العوام تحت جدران الزاوية مبتهليين.

يوم ثاني من نوادرنا، هطول أمطار كطوفان لتغسل البلدة، لما توقفت طاب العليل و تنفست القلوب، و من كان يطل على الربع الخراب هاله مشهد البرعم الذي حل محله شجرة السدر بلا أوراق.

يخرج أبي مسبحًا بتعاويذ التوبة و ماء الوضوء يسيل على أرضية حانوت العطارة، ينظر لي و يقول بنبرة محايدة أنه ذاهب للحاق بصلاة العصر في ربعنا، قد فقد الأمل في أن التحاق بقطرات وضوئه منذ زمن، ابتسم بثقل و استكمل رص النباتات اليابسات على أرففها،- كم قطرة وضوء تسيل من طرف ثوبك يا أبي تُحي تلك الصبارات الرميم- أخرج لأقتل التثاؤب أمام الحانوت متطلعًا يميناً و يساراً، السابلة و الجيران و سباب الطيور و قتال الأطفال أكلي التراب، لا شئ يتغير حتى لو أتى ألف طاعون.

أمشي إلى السبيل ألتقم ثديه متصبراً ببعض قطرات الندى، فيلوح لي سور القصر بعبثيته القائمة وسط العدم.

لم يتثني لأحدنا أن يعبر البوابات فقط نرقص كالمجاذيب كل عام حين خروج موكب سيدنا احتفالاً بحدث ما لا أحد يتذكره، نادرة ثالثة من نوادرنا، استيقظ خادم المسجد و طفق يركض بطول الشارع يصرخ كمجنون أنه رأى رؤية علوية لما أخذته غفلة الوسن أمام القبلة القوسية، رأى في ما يرى النائم أنه إرتقى السدرة حتى رفعته إلى ما فوق السور فرأى بساتين من نخيل و أعناب مترامية يقطعها نهرٌ لجته ذهبية و أنه أصل قطرات السبيل، تنقل الجمع الرؤية في سامر البلدة و خلف الجدران حتى أصبحت الرؤية كأنها حقيقة جمعية راسخة، نصفنا وصفوه بالمبروك العارف و نصفنا اتخذوه هزوًا.

قال من حضر آخر الواقعة أن الشيخ قد اختفى من وسطهم قبيل صلاة الفجر بلا أثر أو رجعة، و حذر الحكماء الجميع بالحديث عنه لأن لا أحد يعلم ما تنقله رياح الشرق من كلام كبصاص إلى ما وراء أسوار القصر.

عن عمرو جنيد

mm
كاتب من مصر

3 تعليقات

  1. Has probado a usar una rom de stock como por ejemplo la del SGS II, yo la estoy usando en mi Ace y la verdad es que por ahora no me puedo quejar. La funcionalidad el telefono en general es buena, quizas tiene algun defectillo corriendo aplicaciones (tiempos de cargar y tal) pero en general es bastante bastante estable y la verdad es que la bateria aguanta bastante

  2. Sem dúvidas Moacir, temos que nos fortalecer nesta ideia de conscientização e reeducação por parte de quem contrata…

  3. Dude Favors the attention she gets just about everywhere they offers the lace frontal https://www.youtube.com/watch?v=ny8rUpI_98I. Everyone gaze, eliminate your ex, idea..they may magnificent!

اترك تعليقاً