مكابدة النزوة

844

محمد عمر جادين:

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

      الساعةُ الآن الثامنةُ مساءاً، من يومِ الخميسِ الثالثِ والعشرين من شهرِ يناير، يرنُ مُنبهُ الهاتفِ المحمولِ الموضوعِ على الطاولةِ بإلحاحٍ، مما يدفعُ عاطف للاستيقاظِ، ماداً يده باتجاهه، ليحمله ويقربه من وجهه ناظراً إليه بعينٍ مُغمضةٍ وأخرى نِصفُ مفتوحةٍ، فيوقفُ المنبه وينتبه للتوقيت، فيهبُ قافزاً من فراشِه وكأن عقرباً قد لدغته.

  • اللعنة … يبدو أنني قد أفرطتُ في النومِ، وكان يمكن للمنبه أن لا يوقظني، فيضيع علي هذا اليوم هباءً.

       قال ذلك لنفسه وهو يمضي مسرعاً نحو الحمام ليهيئ نفسه للخروج.

      خرجَ عاطف من الحمامِ ودخل إلى غُرفَته، انتقى ملابسه التي سوف يَرتديها بِعنايةٍ، تأكدَ من نظافةِ حذائه ولمعانِه، فهو يهتم بمظهرِه لأقصى درجةٍ، ودائماً ما يبدو أنيقاً حين خروجه، تساعده على ذلك وسامتُه التي ورثها عن والده. بعد أن انتهى من ارتداء ثيابه الفاخرة، لبس حذاءه الإيطالي الفخم وأحاط معصمه بساعته الرولكس الشهيرة، ثم أكمل تأنقه بوضعِ العطرِ الباريسي الفواحِ، والذي يَحرصُ على اقتنائه من جديد كلما نفذ، حتى أصبحَ من السماتِ المميزةِ له. ألقَ نظرةً أخيرةً في المرآةِ المواجهةِ له وهمس لنفسه قائلاً:

  • كم أنا بَهي اليومَ وسأحظى بأجملِ صيدِ، وأعود به ظافراً إلى المنزل.

      قال تلك العبارة وابتسامةٌ زاهيةٌ ترتسمُ على شفتيه، وهو يَهُم بتناولِ مفاتيحِ سيارته الفارهةِ من على الطاولةِ، ومن ثم الخروجَ في رحلته المعتادة من أجل البحثِ عن المتعةِ.

      بالإضافةِ لشخصيتِه العابثةُ ما منعه من الزواجِ كان شَبقه الدائم، وعدم تقبله لفكرةِ الحياةِ مع امرأةٍ واحدةٍ. فقد كان لا يكتفي منهن أبداً، كلما ضاجع إحداهن تاقت نفسه لأخرى، فلا يعود للسابقةِ أبداً. كان الجنسُ بالنسبةِ له المتعةً الأعظمُ والغايةُ الكبرى من الحياة!، فبإمكانه أن يَصبر عن كل شيء إلا النساء!. لذلك أصبحَ هذا الطقسُ من الطقوسِ المُميزةِ لديه، لا يُمارسه إلا وهو بكاملِ راحته واستعداده، لذلك يحرصُ على تهيئةِ نفسه جيداً قبلَ أن يَخرجَ باحثاً عمن ستكون شريكته القادمة في طقسه الباذخِ هذا!.

      قاد عاطف سيارته باتجاه الأماكنِ التي إعتاد أن يجدهن فيها، وهي أماكنٌ معروفةٌ بالإضافةِ لشوارعٍ كبرى يَعلمُها الجميع، مِنها ما هو في وسطِ العاصمةِ ومنها ما هو في الأماكنِ الطرفيةِ منها. فقد تركَ ارتيادَ أوكارِ الدعارةِ منذُ زمنٍ طويلٍ، فبحسبِ قوله أنها أصبحت عشوائيةٌ ومكتظة، ولا يجد فيها راحته مع الأنثى التي يختارها، حتى ولو دفعَ لها مبلغاً طائلاً، لأنها عادة ما تفكر في الزبونِ القادمِ، ولا تلقي له بالاً أثناء وجوده معها، وتكون معه وكأنها آلةٌ!. وذلك بالإضافةِ لاحتمال مداهمةِ الشرطة لتلك الأماكن في أي وقت، مما جعله يفضلُ الطريقةَ الأخرى والأكثرُ أمناً ومتعةً، وهي أن يختار أحدى فتياتِ الليلِ من تلك الأماكنِ المعروفةِ، ثم يأخذها معه إلى المنزلِ لتمضي معه أطول فترةٍ ممكنةٍ، ويعيش معها طقسه بكل انفعالاته وعربدته. فهن في الغالبِ مُحترفاتٍ، ويعرفن تماماً مع من يذهبَ، كما لا يهمهن الوقت؛ طالما أن العائدَ سيكونُ مُجزياً، لذلك هو يُفضلهنَ جداً على غيرهن.

      بدأ جولته من أقرب الشوارعِ لمسكنه، بعدها تجولَ في عددٍ من الأماكنِ والشوارعِ الأخرى، لكن لدهشته لم تقع عينه على إحداهن بعد، وكأن الأرضَ قد انشقت وابتلعتهن!، كيف ذلك واليوم هو الخميس؟!، اليوم المقدس لهذا الطقس لدى الجميع، متزوجين وغير متزوجين. واصلَ جولته آملاً في أن يوفقَ بصيدٍ ثمينٍ، لكن الخيبةَ كانت تتبعه كظله، فلا أثر لهن، والشوارعُ خاليةٌ منهنَ تماماً، أين ذهبن يا ترى؟!. بدأ التوتر يُسيطرُ عليه، فهو عندما يهيئ نفسه لأمرٍ ما لابدَ وأن يقضيه، مهما كان هذا الأمر، فما بالُك بطقسِه الأجملِ والأعظمِ والأكثر خصوصية. تساءلَ بينه وبين نفسهِ، ما الذي سَيفعله؟، هل يستعينُ بأحدِ الأصدقاء؟ لا لا فهو قد أصبحَ لا يحبُ مشاركة أحدٍ مهما كان في طقوسه. هل يتصل بواحدةٍ من السابقاتِ؟، كيف وهو الذي من عادتهِ أن لا يتبادلَ الأرقامَ معهن حتى لا يزعجنه، كما وأنه لا يحبُ التِكرارَ، ويريد أن يحظى بأكبرِ قدرٍ من الدهشةٍ والمتعة عن طريق إشباع حاسة الاستكشاف لديه، فهو دائما ما يقول: “لكلِ أنثى سِحرها الخاص بها، لا تستطيعُ اكتشافه إلا وأنتَ تُبصرها في عريها المطلق عند الممارسةِ الحميمةِ، وهي تصرخُ بالنشوةِ”. فلذلك يريدُ هو أن يحظى بأكبرِ قدرٍ من هذا السحرِ. لكن ماذا سيفعل إذاً؟، جنَ جنونه عندما وصلَ لهذه النقطةِ من التفكيرِ، فهو لم يكن معتاداً على قمع نزواتهِ أو حتى إهمالها وتناسيها. فلابدَ أن يحصلَ على إحداهن، لابدَ أن يحدثَ ذلك وبأي ثمن، لكن كيف؟، كان هذا هو السؤالُ الأصعب بالنسبةِ له في تلك اللحظةِ، وكانت الإجابةُ عليه شبه مستحيلة.

      واصلَ جولته على غيرِ هدى، عله يعثرُ على مبتغاه، لكن دونَ جدوى، وفي تلك اللحظةِ أصدرت بطنه صوتاً؛ منبهةً إياه بأنه لم يأكل شيئا منذُ الصباحِ، فقررَ أن يذهبَ لمطعمهِ المعتادِ ليتناول وجبةَ العشاءِ، فربما يجد إحداهن في الطريقِ أو بالقربِ من ذلك المطعمِ. إتجه صوبَ مطعمهِ المفضلِ وقد استبد به القلقُ، كيف سيقضي ليلته تلك؟، كيف سيتنازل عن طقسِه الأعظم؟، لا لا لن يحدث ذلك، لابد وأن يجد حلاً لهذه المشكلةِ. حاول تهدئةَ نفسهِ بالتفكيرِ في الأكلِ، وتأجيل ذلك لما بعده، فمن يدري؟ ربما في طريق عودته يعثرُ على إحداهن، غمره بعض الشعورِ بالراحةِ عندما هداه تفكيره لهذه النقطة، فواصلَ طريقه نحو المطعم ومازال يحدوه الأمل في ليلةٍ حافلةٍ بالمتعةِ.

      أكملَ تناولَ عشاءه وأخذ معه وجبةً سريعةً لتلكَ الأنثى المحتملة، فهو مازال يحدوه الأمل بالعثورِ عليها. خرج من المطعم متجهاً إلى سيارته وعلاماتُ الاستياءِ باديةٌ على وجهه، لدرجة أنه لم يرى الصبي الذي كان يقفُ خلفها، فكادَ أن يَصدمه عندما أراد قيادتها والخروجَ بها إلى الطريقِ، لولا صراخُ رفقائه الذي أنقذ الصبي في آخر لحظهٍ وأعادَ إليه انتباهه، فنظر نحوهم مذهولاً وأكتشفَ تلك الكارثةِ التي كانت على وشكِ الحدوث فنزل ليتأكد من سلامة الصبي وأنه لم يصب بسوء. بعدها قادَ سيارته عائداً إلى منزله تتنازعه النوازعُ والتي لا تريد أن تهدأ أبداً، هل يعودُ إلى عادتِه القديمةَ ويذهبُ إلى أحدِ بيوتِ الدعارةِ ليكملَ ليلته؟ أم يواصل بحثه والذي بدا له بدون جدوى، كما وأن الوقتَ قد تأخرَ ولن يجدَ مبتغاهُ بعد هذا الزمن؛ فالفصلُ شتاءٌ والبردُ قارصٌ، وهن لن يحتملنَ البقاءَ فيه هكذا خارجاً حتى هذا الوقت. ما العملُ إذاً؟، لم يكن يدرِ فقد كانت الحَيرةُ تتملكه تماماً، وبينما هو غارقٌ في لُجةِ الأسئلةِ تلك، وأثناءَ مروره بجوار السكةِ الحديديةِ المحاذيةِ للطريقِ الذي كان يسلكه، والذي كانَ خالياً تماماً في تلكَ الساعةِ رآها هنالك، ميزَ كونها أنثى من أولِ وهلةٍ، كانت تَسيرُ بين القضيبين بتمهلٍ وغير عابئة بما يحدث من حولها، فهي قد تخلت عن المواجهة واختارت أن تعيش حياتها هكذا في الغياب. في العادةِ كان سيواصلُ طريقهُ دونَ أن يعبأ بها، لكن هذه المرةِ كان الأمرُ مختلفاً، فقد أوقفَ سيارته وخرجَ منها مسرعاً ليتجه نحوها، لم تحسُ به إلا بعد أن أمسك بها من الخلف وأرادَ أن يُجردها من ثيابها فبدأت في مقاومته، لم تمنعه عنها هيئتها الرثة ولا رائحتها النتنةِ، والتي كان يعافُ من أخفِ درجاتها سابقاً، ولا يقوى على احتمالها أبداً، لم تمنعه عنها مقاومتها له ومحاولاتها اليائسةُ في تخليصِ نفسها من بين يديه، مزق ملابسها بكل سهولةٍ؛ فهي لم تكن سوى خِرقٍ وأسمالٍ باليةٍ ومهترئةٍ، كانت ضعيفةٌ جداً أمامه وهو كالثورِ الهائجِ لا شيء يستطيع إيقافه، لم تفدهاِ توسلاتها وهمهماتها بأن يتركها وحالها، حملها بكلِ قوةٍ ومددها بين القضبان، أصبحت عاريةً تماماً تحته وهي ترتعشُ من البردِ، خلع بِنطَاله وتمدد من فوقها، ولجها بكل قوته، صرخت بأعلى صوتها وأمتزج صراخها بصوت القطار القادم من بعيد، أما هو فلم يأثر فيه صراخها، كان تركيزه كله مُنصباً في مكانٍ واحدٍ، عضوه المنتصب والذي أدخله في عضوها بكامله دون حتى أن يتأثر بآلامها.

      ها هو القطارُ يقتربُ مسرعاً، وهي تصرخُ محاولةً تخليصَ نِفسها منه، وهو يتشبثُ بها أكثر، ويواصل في اغتصابها. لا يعبأ بالقطارِ القادم نحوهما، فقد كان غارقاً بكله في تلك المتعةِ الشاذةِ التي تُسيطرُ عليه تماماً، تواصلُ هي المقاومةَ، ومع اقترابِ قذفِ شهوتهِ واقترابِ القطارِ تضعفُ سيطرته عليها، لكنه مازال في غيبوبة نشوته. تحسُ بذلك، فتحاولُ بإصرارٍ أكثر انتشالَ نفسها من تحته مع اقترابِ الموتِ الوشيكِ. تتجمع شهوته، يبدأ بقذفها، تفلتُ هي في آخرِ لحظةٍ وتنتشلُ نفسها من تحته، تجرُ جسدها المنهك وتلقي بنفسها خارج السكةِ الحديدة وعلى بعد خطواتٍ منها فقط، وهي مازالت تنظرُ إليه وإلى القطار المسرع نحوه، يسرع هو بإلقاء نفسه خارج القضبان، وقد كان القطار يوشك أن يدهسه، تلوثت ملابسه بالكامل بالتراب والأوساخ مما أثار استياءه وسخطه، نهض يعدل من هندامه محاولاً أن يزيل عن ملابسه بعض ما علق بها، أعاد ترتيبها ولكنه لم يُفلح في تنظيفها، انتبه في تلك اللحظة للجسد الممد بقربه وهو يرتعش من البرد، فرمقه بنظرة فيها شيء من التعاطف والكثير من الاشمئزاز، تذكر الوجبة الإضافية التي كان يحملها في سيارته، ذهب وأحضرها مسرعاً، وضعها بجانبها وهي لم تبرح مكانها قيد أنملة، أعطاها ظهره وركب سيارته ثم انطلق عائداً إلى منزله دون حتى أن يلتفت لينظر إليها مرةً أخرى.

      بعد وصوله إلى المنزل وفي طريقه إلى غرفته مَر بجوار صور عائلته المعلقة على جدار الصالة الواسعة والمؤثثة جيداً كسائر المنزل، توقف أمامها متأملاً على غير عادته، حدق في صورة والده وجذبته عيناه وكأنها كانت تفصح عن انفعال ما، كأنها كانت تزمه وتعيره بطيشه وعبثه ولا مبالاته، كأنها كانت تذكره بنصائح والده المتكررة بأن يكف عن سلوكياته المشينة والتي لن تَجلب له شيئاً غير الضياع. فوالده الذي مات بعد أن أفنى زهرة حياته في العمل الجاد حتي يؤمن له ولأختيه مستقبلاً مريحاً، كان قد أنشأ العديد من الشركات التي تدر عليه أرباحاً خياليةً، وصرف عليهم ببذخ هم ووالدتهم التي لحقته بعد موته بقليل، فهي لم تحتمل الحياة بعده وقد تزوجت ابنتيها وسافرتا مع زوجيهما إلى دول التقدم والرفاهية، تاركتين إياها مع ابنها الأكبر بكل جنونه وعبثه وتصرفاته اللا مسئولة والخاطئة تماما، فتوقف قلبها عن النبض بعد أن تعب من ملاحقتها له ومحاولتها أن تهديه إلى الطريق القويم ولكن بدون فائدة، فهو لم يكن يعبأ بها ولا بكلامها وتركها لكي تموت وحيدة دون حتى أن يزرف عليها دمعةً واحدةً، وها هو يتأمل صورتها بعد أن هرب من نظرات أبيه، فأستعاد كل ما كان يحدث بينهما من مشاكل وصراع عندما كان يعود متأخراً إلى المنزل تفوح منه رائحة الخمر وعطور النساء، فيجدها ساهرة في انتظاره لم يغمض لها جفن، محاولة إرجاعه لجادة الصواب بعطفها ونصحها وإرشادها، ولكن هيهات، فهو سرعان ما يتحول إلى كتلة من الغضب المشتعل ويسمعها أسوأ العبارات النابية، مما يجعلها تحتد معه في الكلام، ليعلو صوتيهما ويوقظ كل من في المنزل فيهرعون إليهما، فتقف الفتاتان تراقبان المشهد في حين يتدخل والده ويقوم باقتياده إلى غرفته وهي تلاحقه بصراخها:

  • كلو منك … إنتَ الخربتو بالقروش الكتيرة القاعد تديها ليهو دي … أها إستفدت شنو غير ضيعتو في النهاية … ضيعتو وأنا الح اموت قبل ما أشوف أولادو وهو ما أظنو يعرس ذاتو من بعدي.

      تقول ذلك وتنخرط في نوبة من البكاء الطويل فتنزل دموعها حارةً مختلطةً بالمرارة والحسرة، وتفشل كل من الفتاتين في إسكاتها أو حتى تهدئتها، فتستمر بهذه الصورة حتى يطلع الصباح، فتذهب لتصلي الفجر وتجلس في سجادتها طويلاً تسبح ثم تدعو له، ولكن دعواتها تذهب بلا عودة وكأن الله يعرض عنها ولا يريد سماعها حتى!.

      يحس عاطف بانقباض في صدره، فيهرب مسرعاً من أمام صور عائلته، يدخل غرفته ويخلع عنه ملابسه ثم يدخل إلى الحمام ليغسل عن جسده ما اعتراه من رهق واتساخ لم يعهده من قبل وهو المُنَعم المدلل، الذي لم يعاني من الشقاء أو التعب في حياته قط.

      مكث طويلاً في الحمام، غاطساً في البانيو، وكأنه يهرب من شيء ما، وبعد مجاهدة مع نفسه خرج إلى غرفته يجفف عنه الماء العالق بجسده. أرتدى بجامته بسرعة، ولأنه كان منهكاً جداً فقد أختبأ في فراشه، وأسلم نفسه للنوم سريعاً دون أدنى مقاومة. ولكنه لم يستطع أن ينعم بليلة هادئة، فالكابوس الذي اعتراه على غير العادة أفسد عليه نومه، فقد رأى تلك الفتاة التي اغتصبها تطارده، تلاحقه بجسدها النحيل وأسمالها البالية أينما ذهب، رأى والده ووالدته يوبخانه على ما فعله بها، وينعتانه بالمجرم الوضيع، رأى أختيه تسخران منه وتصفانه بالجبن والوضاعة، رأى كل من كانوا حوله ينفضون عنه، وهي وحدها تطارده بإصرار، ملاحقة إياه أينما ذهب، فيصفه كل من يراها معه بالدناءة والخسة وكأنهم يعلمون ما حدث. أراد أن يهرب منها، أن يتركها وراءه، فأخذ يجري ويجري بدون توقف ولكن هيهات، فهي ما زالت تلازمه كظله، تعالت ضربات قلبه وتلاحقت انفاسه ليستيقظ لاهثاً ويجد نفسه على فراشه في غرفته يتصبب عرقاً، فقرأ آية الكرسي والمعوذتين والإخلاص بإتقان ولأول مرة منذ زمن طويل، حيث ظن هو نفسه أنه قد نسيهما، راجياً بذلك أن ينال بعض السكينة والاطمئنان ولكن هيهات.

     لم يستطع عاطف النوم في تلك الليلة بعد هذا الكابوس، والذي أصبح يلازمه في ليالٍ أخرى أيضاً، فانقلبت حياته رأساً على عقب بسببه، فقاطع أصدقاءه، وأصبح لا يهتم بنفسه ومظهره، ولا يأكل أو يشرب كما يجب، ولا يخرج من منزله إلا نادراً وسرعان ما يعود إليه، وذلك كله بعد أن فشل في البحث عن تلك الفتاة لكي يستسمحها ويطلب منها أن تغفر له، وبعد أن عرض نفسه على طبيب نفسي فشل في علاجه أيضاً، وبعد أن عاد لممارسة طقوسه الدينية من صلاة وصوم ففشلت هي أيضا في أن ترجع له استقراره، فأصبح لا يفعل شيء سوي الشرب، يعاقر الخمر صباحاً ومساءاً، لا يستفيق إلا ليسكر من جديد، فتحول إلى كائن مزعج لكل الجيران، يثير المشاكل معهم دائماً وبلا سبب، فأصبحوا يتحاشونه ويهربون منه، فأختفى فجأة ولم يُكلف أحدهم نفسه عناء البحث عنه، لأنهم لم يصدقوا أنهم قد ارتاحوا منه ومن إزعاجه أخيراً. بعد قُرابة الاسبوعين وعندما كان أحد الجيران ماراً بجوار منزله أشتم رائحةً كريهةً صادرةً عن المنزل، فأخبر بقية السكان الذين قاموا باقتحام المنزل ليجدوا جثة بدأت في التعفن والتحلل، مستندةً على إحدى أشجار الحديقة وبجوارها العديد من العبوات الفارغة لشراب يظن الكثيرون أنه أكسير الحياة ومصدر متعتها.

عن محمد عمر جادين

mm
كاتب سوداني مهتم بالأدب والفكر وقضايا الإستنارة .

أضف تعليقاً