الرئيسية / العدد الرابع والثلاثون / أحلام طافية على الساحل

أحلام طافية على الساحل

afp-photo_1373270512272-1-HD

تغريد علي :

للتواصل مع صفحة الكاتبة على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

البحر كبير ، عظيم ، ساحر و غامض كما كان دائماً ، هكذا فكر “يسار” بينما نفث حلقة دخان كثيفة من فمه و فتحتي أنفه ، مرارة التبغ تصبح معتقة حين تخالطها مرارة الهموم و تلتصق بالحلق و القلب أكثر .

رفع ساقه اليمنى فوق الأخرى و أسند ظهره بطريقة مستقيمة على الكنبة الخشبية قبالة الساحل راقب سفينة ترسو لبرهة ، و خيل إليه أن هذه السنونوات تتبعها من حيث أتت و لم تك أبداً على هذا الساحل من قبل .

ألقى بعقاب سيجارته و داسها بمقدمة حذائه ، ثم أدخل يده في جيب الجاكيت الجلدي الذي يرتديه ، فأخرجها ممسكة بجواز سفره الجديد ، تأمل صورته مبتسماً إذ بدا شكله فيها أحد المشبوهين أو المطلوبين للعدالة بشعره الكثيف و ذقنه غير الحليقة ، و نظرته رغم أنها ثاقبة لكن إنسان عينيه شارد لما هو أبعد من عدسة مصوره !

(أكرم عبد الجواد)

رددها بصوته أكثر من مرة ، حسناً يبدو إسمه الجديد ملائماً له ، رفع بصره صوب الأمواج التي تتكسر بقوة عند إرتطامها بالمرسى ، على متن إحدى هذه السفن سيعبر هذا البحر صوب آماله العريضة سيغادر أخيراً غرفته ذات الطلاء الأخضر القذر .. المملوءة بصور الفيس بريسلي و مايكل جاكسون و بعض النساء بثياب البحر ، سيهجر فراشه المكسور و وسادته التي لم تكن مريحة أبداً ، كرسيه ذي الثلاث أرجل و الذي يحمل أكوام ثيابه المتسخة و النظيفة على حد سواء ، فلا فرق كبير بينها ، بحوزته الآن جواز مزور و إسم مزيف و أحلام حقيقية .

سيتسكع في شوارع باريس .. سيغسل الصحون في أحد المطاعم أو سيعمل نادلاً في أحد البارات أو النوادي الليلية ، سيغازل الشقروات الفاتنات بلهجته الجزائرية و لن تفطن إحداهن إن كانت كلماته جيدة أو بذيئة ، سيجد الكثير من العرب ، سيتحفظون معه في التعامل في بادئ الأمر ثم يصادقونه ، ربما يتزوج من فرنسية طاعنة في السن ، تحافظ بصعوبة على بعض جمالها الآفل ، لا بأس ما دامت ستؤمن له السكن و الطعام و ربما بعض المصاريف و قد ينجح في سرقة بعض مدخراتها و مجوهراتها الثمينة ، سيسافر بعد غد ، بسرية تامة ، دون أن يخطر أمه العمياء أو أخته النكدية .. سيذهب فقط و يرسل لهم خطاباً أو ربما سيتصل في حال أنه وصل بسلام لوجهته .

نهض بعد إن إشتدت حرارة الشمس ، توجه مباشرة لمكتبة صديقه “قادر” .. كان قد وعده بأن يقرضه بعض المال عندما يتيسر وضعه  ، لكن المكتبة كانت مغلقة على حالها منذ ثلاث أيام .. أدخل يديه في جيوب سترته و أخذ يسلك طرقاً متعرجة توصله لمنزل أخته ، و التي تقطن معها أمهما أيضاً  ، طرق الباب طرقات خفيفة ، و ما أن تبينت أخته وجه الطارق حتى تغضن جبينها و إستاءت ، و ذهبت إلى المطبخ دون أن ترد التحية ، توجه نحو أمه و طبع قبلة على جبينها بعد أن نادته : هاد إنته يا يسار ؟

ثم جلس أمام التلفاز يتابع البرنامج الممل الذي تنقله أحد القنوات المحلية .

كان قد حان وقت الغداء ، و إن كانت أخته لا تجيد طهي الكسكس إلا أن الجوع كافر ولا لسان له كما يقول هو . أخذ يبتلع الطعام دون أن يتذوقه ، كأن معدته حفرة عليه ردمها فقط ولو بالقاذورات ، مسح فمه بكمه و نهض قبل أمه و عانق شقيقته و خرج ، لم يخبر إحداهن أنه وداع .

و لأن ما من أحد كان يزوره أو يتفقده ، لم ينتبه أحد لغيابه منذ عشر أيام ، غير أمه التي لا تكف عن القول أن قلبها منقبض ، ثم تقرأ المعوذات و تتبسمل و تنادي سيدها الحسن أن يبعد عنها الشر .

عند نشرة السادسة مساء بينما شقيقته و زوجها و إبنيها يطالعون التلفاز بينما تكتفي الأم بالإنصات ، شهق الجميع عندما شاهدوا صورة أخاهم مع خمسة آخرين عثرت  زوارق خفر السواحل على جثثهم تطفوا على ساحل بعيد ، كان أكرم عبد الجواد يقبض على حلمه مبتسماً ، و تحلق بالقرب منه نوارس تتبعه من حيث أتى !

عن تغريد علي

mm
كاتبة من السودان

اترك تعليقاً