الرئيسية / العدد الثالث والثلاثون / الذائقة الشخصية: التأثير والتأثُر

الذائقة الشخصية: التأثير والتأثُر

351836_mn66com

يس المك :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

تناولتُ في مقالي سابق نشأة وتكون الذائقة، ومهاوي المسخ. إذ تطرقتُ بصورة غير مباشرة لتأثرات الذائقة، وفي الكلمات التالية سأحاول التركيز على أبرز المؤثرات على الذائقة الشخصية، وكيفية تأثير هذه الأخيرة على الذوائق الأخرى.

* الإعلام و الشهرة :

هذا عصر الــ (Social media) إذ يكاد العالم بأثره يكون تحت تحكم هذه القوى الجديدة، وبالطبع فإن من ضمن ملايين التأثيرات لهذا التطور نجد تأثيره على الذائقة الشخصية، حيث يمارس الإعلام تأثيراً عميقاً في اختيارات الأشخاص وقراراتهم، ويستوي في ذلك شأن الفرد العام والخاص.

وبما أننا نتحدث عن الذائقة والأدب فمن الجيد طرح مثال كهذا: يصدر أحد الكتاب كتاباً أو عملاً أدبياً، وتقوم جهة ذات استطاعة مالية بعمل حملات دعائية وترويجية، تماماً كأن الكتاب سلعة الكترونية، مع اختلاف قليل يليق باحترام وعي القراء الذين بالضرورة أكثر وعياً، ولو قليلاً، من العامة. ثم ترى الكتاب يحقق نسبة مبيعات خرافية في وقت قياسي، ويتحول الكاتب -بحنكة الإعلام- إلى ظاهرة (كما قال أحد الروائيين السودانيين). ويمكن لأي قارئ الآن ملاحظة أن دورة النجاح أعلاه لم تتضمن أياً من المطلوبات الموضوعية لنجاح عمل أدبي؛ فهذا النجاح لم يكن نتاجاً لإطراء النقاد الجادين، ولا نتاجاً لإجماع بجودة العمل بعد قراءة محايدة وواعية وهذا طبعاً يتطلب وقتاً طويلاً قد يُحسب بالسنين. لكن، ورغم العبث الجلي للرائي هنا؛ فبالتأكيد كل هذه الفقاعة ستزيد عدد القراء الذين تأثروا بشهرة الكتاب، وكما قلت سابقاً، فإن الإطلاع الأولي ضروري لتكوين رأي سليم عن أي عمل، المشكلة هنا، أن معظم القراء المنجذبين لموجة الإعلام -بعبارة أخرى الذوائق المتأثرة- ليسوا أبداً من النوع الذي يريد تكوين رأي عن عمل أدبي، بل الغرض الأساسي هو متعتهم بالقراءة، وفي الغالب، إذا كان المتأثر واعياً، فستصيبه خيبة أمل بعد فراغه من القراءة، هذا إذا أكمل الكتاب. وفوق هذا وذاك فإن القاعدة الكونية تقول: الجودة تسوّق لنفسها !

*الحالة النفسية:

إذا كان الإعلام والشهرة هما أبرز مؤثران خارجيان؛ فإن حالة القارئ النفسية هي أبرز مؤثر داخلي على الذائقة الشخصية. فالقارئ، مهما كان حاذقاً؛ فهو رهنٌ لآلية الرغبة والنفور الخارجة تماماً عن سيطرة وعيه، ومن هنا بالضبط تؤثر الحالة النفسية على ذائقته. ففي حالة لم يكن الشخص ينوي شراء كتاب، ولم يكن هناك كتاب يؤجل شراؤه، ثم يمر على بائع كتب ويشد نظره كتاب ما؛ فإنك لن تجد أبداً تفسيراً منطقياً لقرار الشراء هذا، مع أن ذات الكتاب تراءى لذات القارئ قبل اليوم دون أن تراوده أدني رغبة في شرائه، بل لم يجذب انتباهه أصلاً وهذا قد يرجع إلى أنه -القارئ- ربما حدد مطالبه مسبقاً، في هذه الحالة لا أثر للحالة النفسية، ولكن إذا لم يكن هذا صحيحاً فلمَ يعود الآن لذات الكتاب الذي تجاهله مسبقاً؟! .. الحالة النفسية رهن لاهتمامات القارئ، وهذه الاهتمامات تتغير؛ لذلك تتغير الذائقة تبعاً لها، فالقارئ المهتم بمسائل الوجود لن تجذبه أبداً رواية (الأيام) لطه حسين، بينما ستخلب لبه رواية (زوربا) لنيكوس كزانتزاكيس، وهكذا يتقلب الأمر.

*سياسة النشر:

لابد أن أي قارئ تساءل ذات مرة: كيف هي الأعمال التي كتبت ولم تنشر بسبب سياسة النشر؟ .. لا أحد يستطيع الجزم بأفضليتها أو رداءتها طالما أنها لم تُنشر وبالتالي لم تُقرأ، ولكن القارئ بطبعه ينشد إلى غير المألوف وينفر من التقليدي والمستهلك، وهذا بالتحديد من أكثر الأسباب التي تدفع الناشرين لرفض نشر عمل ما، فهم بطبعهم يتجنبون المغامرات ويركنون إلى المعتاد المضمون العائد. وبتخيل حجم هذه الأعمال الموءودة يمكننا أن ندرك مدى الأفكار والأخيلة والإبداعات التي ربما كان من شأنها دفع الذائقة إلى أفق أرحب. ويظل تأثير هذا العامل محل جدل مستمر باستمرار تلك السياسات. ومن ناحية أخرى، إذا سلمنا بأهمية الأعمال المحظورة؛ فإن هذه السياسات تفتح مجالاً واسعاً للغث من الأعمال مستفيدة من عاملي الإعلام والشهرة ، وحكم العادة. وهكذا يتجلى تأثيرها السلبي المباشر وغير المباشر.

* تأثير الذائقة على ذائقة الآخر:

كما أشرتُ في موضع سابق فإن الذوائق تؤثر في بعضها كنتيجة لعدد من القيم الإجتماعية والأخلاقية والعلاقات الإنسانية. والشخصية صاحبة التأثير الطاغي على مجتمع معين تصدّر الكثير من صفاتها وخصائصها لأفراد ذاك المجتمع، وبالطبع فإن الذوق بصورة عامة جزء من صادراتها، فقد تجد بعض أفراد تلك المجموعة يتشبهون بلبس الشخصية المؤثرة، ويحاولون تقليد طريقته في الكلام والحركات، ويعيشون حالة من الغربة الذاتية بكامل رضاهم إعجاباً أو رهبه أو أياً يكن دافعهم -تجاه تلك الشخصية. وهكذا إذا اقترح هذا الشخص المؤثر عنوان كتاب ما؛ فإن البقية قطعاً ستقرأ الكتاب، بغض النظر عن درجة وعيهم بمتطلبات ذوائقهم الخاصة، إذ حينها يتقزم كل مبدأ أمام تأثير الشخصية المؤثرة. بالطبع ليست كل التأثيرات بين الذوائق كما هو الحال في هذا المثال، فقد يكون التأثير أخف من ذلك رهناً لقوة العلاقة أو الرابط بين الطرفين -المؤثر والمتأثر- ولكن هناك حالات أبعد من ذلك، وهذه عندما يكون المتأثر يعي جيداً ما تعنيه ذائقة شخصية، ويدرك أن القبول المطلق غير وارد، فتراه غير مبالٍ في البدء، ولكن بمرور الوقت يتبنى ذاك الإقتراح أو التأثير كأنما هو ناتج من أعماقه، وفي نهاية الأمر يقرأ الكتاب الذي قد لا يتوافق مع ذائقته الحقيقة، وإنما كانت الرغبة نتيجة تأثير مختمر في لا وعيه وغير مباشر من ذائقة أخرى ! .. إن الأمر بعد ذلك يبدو مثل لغز فيزيائي يؤرق مكتشفه نفسه!

في النهاية، وإن كان هذا ثاني مقالاتي في هذا الموضوع؛ فأنا واثق أن الأمر أعمق من ذلك بكثير، ومثير للجدل بصورة لا تصدق. لطالما كانت تلك سمة كل صفات النفس الإنسانية بعيدة الغور.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً