لماذا نقرأ؟

original

وقاص الصادق:

**

لا أعتقد أن سؤال”لماذا نقرأ” یختلف کثیراً عن “لماذا نتکلم، لماذا نستمع، لماذا نری،لماذا نتحاور،لماذا نراقب” هذا إن لم تکن القراءة أفضل هذه الأفعال. فعندما نفتح کتاباً ونقرأ فنحن بالفعل نتکلم، نستمع، نری، نتحاور ونراقب، دون تحمل فظاظة أو احتمال ثرثرة.

عندما اکتشفت القراءة لم أکن أعرف حتى کیف أقرأ، کنت طفلاً صغیرا ًو کانت أمي تحضر القصص و تقرأها لي، حسبتها فی ذلك الوقت شيء من السحر، کنت أفرح مع القصص وأحزن، أتشوق، أضحك وأحبط أحیاناً وبعد أن تعلمت القراءة صرت ألتهم القصص وحدي، ولم أتوقف عند القصص وحسب، بل الجرائد والمجلات، حتی الأوراق التی تلف بها الحلوی! بالطبع لم أکن أفهم شیئاً من معظم هذه القراءات ولکني کنت أحب أن أرتکب هذا الفعل .

إذا لماذا کنت أقرأ؟؟ لأني أحببت القراءة…لماذا أحببتها أصلاً؟؟ لا أعرف بالتحدید؛ أحیاناً أتخیلها کحب فتاة ما، في البداية تراها وتعجب بها، ثم بعد ذلك تقابلها وتتعرف علیها ثم تلاقیها فی کثیر من المواعید، فیتکون من اللقاءات والمواعید والحوارات عشرة و تاریخاً من المحبة یصیر هو مرجع الحب ورافده الأساسي. کذلك بعد قراءات عدة کتب ومجلات وقصص وغیره یصیر لدیك تاریخ محبة مع القراءة ربما یکون هو الجواب لسؤال “لماذا نقرأ؟”.

تاریخ محبتي مع القراءة کان رائعاً، فمنذ أن کان عمري 10 سنین کنت أقرأ مجلات ماجد وسمیر والصبیان والکثیر من قصص الأطفال، فأبدأ حین أبدأ کمن یفتح باب الخیال ویدخل، مثل ألیس في بلاد العجائب، أری کیف من الممکن أن تکون الحیاة جمیلة، عجیبة، مشوقة، أقرأ قصة الفرسان الثلاثة، أحدهم یضع أصبعه علی أحدی فتحتي أنفه ثم یخرج بالأخری ریحا قویة تدمر کل الأشرار في طریقها، فأضع أصبعي علی فتحة أنفي وأجرب، أتخیلها ریحا صرصرا تخرج. الفارس الثاني لدیه ساقین طویلتین، فیستطیع بخطوة واحدة الذهاب لألف میل، فأقوم وأخطو، أجدني فی مکاني وأضحك، القراءة هي التي کانت تخطو بي آلاف الأمیال إلى كل مکان، أقرأ عن البلدان کأني أتجول فیها، أقرأ عن الأشخاص کأني أقابلهم، لذلك نمى وعيي سريعاً مع القراءة، فعندما صار عمري 12 سنة قرأت الرحیق المختوم “سیرة الرسول صلی الله علیه وسلم” وقصص الأنبیاء وقصص الصحابة، ثم کتب مختلفة، ببساطة کل ما استطعت أن أجده قرأته، شعر وأدب وروایات، أتذکر العدید من الروایات الانجليزية وسلاسل کتب علمیة مبسطة، کذلك کتاب الأیام لطه حسین بجزئیة، کان اکتشافاً بالنسبة لي، فقد رأیت الدنیا بکل حواس ذلك الرجل الضریر إلا بعینیه! کذلك تجولت مع المتنبي في رحلته الأسطوریة في کتاب الشاعر الطموح لعلي الجارم، ثم ألفیة بن مالك، دیوان عنترة. ذلك أبرز ما أذکره من تلك الفترة، لم أکمل حینها الثلاثة عشر سنة، کنت بالضبط أقرأ لأني مصدوم، متفاجئ، تحرکني الدهشة لمطاردة الکلمات، کیف یمکن أن أعیش کل هذه الحیوات وأنا جالس علی کرسي فی بیتنا.

عندما صار عمري 14 سنة وحتى17 سنة زاد شرهي للقراءة بالطبع، وبطبيعة الحال تنوعت قائمة قراءاتي، فالمختلف في هذه الفترة أنني وجدت أصدقاء أتحاور معهم عما أقرؤه، ذلك كان اكتشافاً من نوع آخر، ربما حتى صار سبباً رسميا للقراءة، أقرأ لأتكلم معهم حول ما قرأته، كانت حوارات مفيدة للغاية، ممتعة، زادت من فهمي ونمت وعيي أكثر، جعلتني أعرف نفسي أكثر، أتفهم شخصيتي وماذا من الممكن أن أكون، في تلك الفترة قرأت المستطرف في كل فن مستظرف “يا له من عالم!”، قرأت سنة أولى حب لمصطفى أمين”الحب والسياسة”، قرأت للطيب صالح، عشت موسم هجرته إلى الشمال، فرحت مع الزين في عرسه، قرأت للمتنبي وأبو تمام والشابي وطوقان ونزار قباني والفيتوري وحميد والتجاني يوسف بشير. وبالتأكيد لم أكن أفكر في سبب للقراءة، فقد تعلمت اليد أن تلقف الكتب أينما وجدتها، والعيون تعلمت مطاردة الكلمات دون كلل.

لذلك عندما صار عمري 18 سنة ودخلت الجامعة، وقابلت مجتمعاً أکبر وأکثر ثقافة وعلم، لم أتردد فی عبوره، کنت أعرف نفسي جیداً، أتکلم بثقة، بمعرفة، وأصمت حین أصمت عن معرفة. وجدت أسباب کثیرة لما کنت قد قرأته ولما أقرأه في ذلك الوقت ولما سأقرأه في المستقبل، ساعدتني الکتب علی فهم الإختلاف، مشاکل الهویات، لیس من الضروري أن نکون أفضل من بعضنا، فقط نحن مختلفین، ساعدتني على فهم التاریخ وکیف أوصلنا لهذه النقطة والی أین سیوصلنا فیما بعد، إشتققت من الروایات المعاني، أن یکون للحیاة معنی مهما کان شکلها، حلوة كانت أو مرة، أن لکل شخص جدوی ودور، أن لکل لحظة وصدفة ولقاء حکمة ما، علیك أن تبحث عنها، أن تری الحیاة مثلما تقرأ روایة بصوت راوي علیم، تنظر الی الموقف والی ما خلف الموقف والی دوافع الأفعال وخلفیات الأشخاص والی عقولهم وفهمهم. أحیاناً أجدني أکره هذا السؤال “لماذا أقرأ؟”، أو بالأخص تعمیمه، لأني أجد أن کل کتاب يجيب عن هذا السؤال علی حدة، علیك أن تکمل الکتاب وستعرف لماذا قرأته، إذا لم تعرف ذلك یعني أن الکتاب غیر جید. وأحیانا أحب هذا السؤال؛ إذ یشکل نقدا ذاتیا مفیدا، دافعا جیدا لمعرفة نفسي أکثر، فأعید النظر فیه مثلما أعید النظر فی حیاتي ومآلاتها.

حتی هذه اللحظة عمري 22 سنة و العشرات العشرات من الکتب فی رصید قراءاتي، کتب لکتاب من مختلف الجنسیات، أدب أوربي وأمریکي وآسیوي وإفريقي، نظرات مختلفة للحیاة، کتب علمیة قصص واقعیة وخيالية، شعر من کل الألسنة واللغات. أقرأ عدة کتب في وقت واحد، أقرأ کتابا و أتوقف عنه لأقرأ آخر ثم أعود الیه، أقرأ خمسة کتب مع بعض، اعتبر القراءة کالحیاة، والحیاة کما نعرف فوضویة عبثیة، أقرأ کل مرة وکأنها المرة الأولى، لأني مصدوم، متفاجئ، تحرکني الدهشة لمطاردة الکلمات، لمطاردة الحیوات. أقرأ کأن أمي مازالت تقرأ لي القصص فأحزن وأفرح وأتشوق وأضحك وأحبط أحيانا. الآن القراءة جزء مني، جزء أصیل فی أجندتي، لا أعتبرها عادة ولا أحب أن أسمیها کذلك، فالعادة تقتل المعنی بالتکرار، وتجعلك تقرأ لمجرد القراءة، دون أن تمنح ما قرأته فرصة لیحدث فیك شیئا، فالکتاب حیاة، وأن تعیش حیاة فذلك لیس بعادة إنما هو أمر استثنائي جدا.

أما زلت ترید إجابة لسؤالك “لماذا أقرأ؟” حسنا إلیك إجابة محددة وواضحة المعالم، أقرأ لأني أعرف أني سأموت فی یوم ما، وحینها سأکون متأخرا! لأنه دائما عندما یأتي الموت نکون متأخرین عن شئ ما، عن متعة ما ،عن حلم ما، عن حیاة ما، أما عندما أکون قد قرأت کل هذه الکتب، عشت حیوات هؤلاء الأشخاص، أحلامهم و مخاوفهم، سافرت مع هؤلاء الرحالة، تجولت بین کل هذه العقول، عشت المغامرات، رأیت الدنیا بکل هذه المناظیر، مت أکثر من مرة، حییت أکثر من مرة، بعد کل ذلك لو أتی الموت…هل سأکون متأخراً ؟!..

عن وقاص الصادق

mm
قاص من السودان صدرت له مجموعة قصصية سنة 2015 بعنوان " حضور بلون الماء" .

اترك تعليقاً