الرئيسية / العدد الثالث والثلاثون / تجليات أناشيد الرياح 2

تجليات أناشيد الرياح 2

5457b27b0c5a4807872577

عمرو جنيد :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

الأنشودة الثانية : بدر التمام

الموكب السلطاني يتهادي خارجاً من باب القصر المحتجب متقدماً إلى باب الفتح ، قاطعاً القفر الأزلي عارجاً على السدرة المنتصبة الساخرة كعيون مهرج، مثال صارخ على وعد السلطان المنكور.

إصطف الجمع ناثراُ مؤثرات الفرح الكاذبة، تغلبهم دموع الرياء الوراثي المتجذر في صلبهم كجذور الشجرة اليتيمة، قد استسلموا له منذ أن استوطن أجدادهم في البدء في وادي الرمل الأحمر، كي يشكل عهداً غير معلن لمداهنة اي صعلوك يعتلي العرش الكهرماني المرصود بإحدى عشر مجالد عبوس.

كنت أعتكف بعيداً عن الصخب التمثيلي في حانوت أبي ألعب لعبة عد الذباب، كل حول يمر الموكب و أنا اعفه بركبه و ببهرجته المتغطرسة و بشحاذينه الملتوين، منذ أن بلغت مقتبل الشباب، لا أعلم لما، لكن رأيت السخف يقطر منه، و أبي فقد ثاني آماله أن ألحق بتهليله الوجدي في ثلة المترنحين المحتفلين بأناشيد الحدو على وقع حوافر خيل السلطان المطهمة.

مع ترقبي السموري هويت بدفتر ثقيل على ذبابة تستحم في بقايا لعاب الظهيرة، لم أصبها رغم تمرسي فقد خطف بصري لمع الزبرجد الذي يطعم هودج السلطان ذو الحرير السمرقندي المسبل لأنظر رغم عني من داخل دكان أبي لنور خطف الأبصار، أراها، ما نفع مع شهودي قوانين غض البصر التي لقمني إياها شيخ الزاوية ولا عواقب التجرؤ على الصبايا الملاح، سأحرم من الحور العين يوم العرض، ليكن فداءً لها، هي.. ترتدي رداءً مذهباً مؤطر بالحلي اللامع الذي قلما تجده في البلدة المتقشفة إلا في دار الشاهبندر أو دار صاحب الفوتية قاضي القضاة.

كانت تقف مع ثلاثة من الجواري على نصبة خشبية قبالة حانوتي، التفتت فمالت الدنيا و مادت الأرض تحت قدمي، و ضاق على دكاني كجحر نملة متنسكة، و تمددت مرارة الواقع في شرياني أمام رهبوت بهائها، هي لا توصف، تنسحق النعوت على أعتاب جبينها الوضاح و تغرق الصفات في لجة العين الزرقاء المتنمرة و يلقي المثالون أدوات نحتهم طوعاً إجلالا لكمال بدنها المشتعل بتعرجات ضوء البدر في خفايا السحاب.

هي.. بدر التمام ابنة الشاهبندر، التي أصبح عالمي بعد رؤيتها غير عالمي قبلها، انسحبت الحورية في موكبها الصغير الذي يضاهي موكب السلطان عظمة متتبعة الحشد الذي انتهى مسيره عند باب الفتح و تكالب العوام لنيل بعض من لحوم و فراء الأضاحي المذبوحة ذلفي.

ليلة الاحتفال اختلق أنصار شيخ الزاوية المرفوع و منكري رؤيته على إمام جديد للزاوية فأنقلب السامر الذي حضره القاضي و رؤوس القوم إلى معركة بالعصي و المقاعد، لتنثر الدماء لأول مرة على أرض بلدتنا و منع رفع الآذان في الزاوية أربعين يوم، و عطلت الصلاة و جف السبيل و ما ارتضى أي الفريقين حل غير تقسيم الزاوية بجدار من طمي دموي اللون، ممتد من منتصف القبلة إلى منتصف الباب كي تكون القبلة قبلتين و الباب بابين.

زاوية يسري لأنصار الشيخ الغائب و زاوية يمني لرافضة ولاية ابنه، خطبة الجمعة أصبحت خطبتين و زاد الاختلاف حتى طال مواقيت الصلاة و استشراف بواكر شهر الصيام.

كنت أنا في طاحونة لواعجي، اترصد بدر التمام في كل ركن، أراها في مرآتي الشائخة، أتنسمها في روائح الياسمين و العنبر، حتى ذهلت عن عملي و صراع إمامة الزاوية و عن عطايا السلطان التي لا تأتي، حتى غاب عني إحساسي برمال الرياح الشرقية التي تصفر في مسامي الرطبة،

كل شيء زائل إلا وجه بدر التمام.

يوما في دفتر مأساتي يهل بمقابلة خاطفة لها، وجدتها تدخل حانوتي متأففة، أصابني الخرس كمن ولد أبكم، تحدثت عن أنواع الأعشاب و سألتني عن كل نوع، اجيب بتلعثم طفل يحبو لتضحك فيزيد الحانوت ضيقاً علي، تذهب و تتكرر الزيارات، حتى يوماً كانت الرياح تغير على البلدة كفيلق من الغربان، وجدتها تلوذ بحانوتي، أناولها الماء، تظل طوال ساعة منتظرة جلاء العاصفة، أنقاد إلى ثغرها مسحوراً محاولاً ولوج السماء السابعة، تدفعني غاضبة، من أنت لتتجرأ يا صبي العطار، تقولها بكبرياء ملائكي ثم تذهب متظاهرة بالغضب، أخرج من مكمني إلى الشارع أطاردها بعيني حتى تتوارى في غيبة بيتها، أبكي وسط الشارع الخاوي، لتقع عيني عليه لأول مرة، شيخ يسير يرتدي خلعة الدراويش، يتحرك بخفة لا يعبأ برياح أنفاس التنين الحقودة، يتجه إلى السبيل ينظر لي و يبتسم كأنه قرأ حزني و مكنون ثورتي، أردت أن أقول له أن السبيل لا يعمل و السقاية تأتي في هذه الأيام الكالحات عن طريق بئر خارج البلدة، شمر عن ساعديه و ابتسم بغموض أصحاب الأسرار، مد يده ليفتح الصنبور النحاسي، تتدفق مياه السبيل بقوة نهر فيغتسل و يشرب و يأتي أطفال البلدة راكضين يلعبون في الماء المنهمر الذي لم تشهده البلدة منذ رحيل ابو الآباء المنفى.

أصابتني رجفة كمن صعق بألف برق، جلس الدرويش خالعاً خفه ملقيه وسط الساحة بلا ذرة اكتراث ، مواصلاً النظر إلي، جلست أمام الدكان غارقاً في بحوري الظلامية الخاصة، بعد ساعة وجدتها تخرج وحيدة من باب دارها تتهادى في اتجاه السبيل، تلقى نظرة على هيكلي المنهار، تقف جوار الدرويش، بطرف خفي أتبع اشارتها، إلى ما وراء السبيل، أواجه الوجه المرمري، تعاتبني، أهيم، تقول متسامية اللحظ، من أراد قربي عليه أن يحضر تفاحة من بستان السلطان المحرم، هذا كان شرطها المنزل سيفاً مهنداً على قلوب المتلهفين طالبي القربى.

فارقتني، متجمد متجدد النشوى، تتلقفني الآمال ثم تطيح بي مخاوف الطلب، أتنهد بحرقة الملتاع، أستند على جدار الزاوية التي أصبحت زاويتين، وجدت الدرويش يرمقني بنظرة لامعة كأن مقلتيه تحولتا لنجمتي مجموعة الصياد، أشيح بوجهي عنه و اتجه إلى الحانوت، توقفني ضحكته فألتفت، أجده يسير في اتجاه سدرة الربع و هو ينشد.

سبحان خالق الحب و النوى مبدع الأرواح على العرش استوى

لو الفتى بغرام جارية اكتوى فإن الحب دواء لمن ليس له دوا

**************************

شغلتني المهمة المستحيلة، لم يتأت لأحد من أبناء ربع الصالحين أن عبر السور ابداً، و من رأى لم يخرج ليخبر إخوانه، ضج مضجعي و ارتحل النوم عن جفوني كعبد أبق، كيف السبيل إلى قطوف السلطان.

أول ليلة اكتفيت برقدتي أتطلع لسقف غرفتي لعله يتحرك قليلا فيهبني افتراجة، الليلة الثانية لم أقاوم الوجد، خرجت أسير هائماً كنوق الكسيب، كان آذان الفجر المزدوج يتعالى من الزاوية المقسمة، في مسابقة دامية بين المؤذنين في المزايدة على قوة النداء حتى تداخلا ليبدوا كصوت نعيق البوم في دست نحاسي أجوف، اقتربت من السبيل مقرراً الوضوء لعلني أجد حلاً في بيت الله، اقتحمتني خاطرة، إن انتويت الصلاة فأين سأصلي؟ أيهما تقبل مني تضرعاتي الملحة، في المصلى النصفي لاتباع الشيخ المخفي أم في مصلى رافضة الرؤية السدرية؟، تسرب إلى مسمعي صوت تراشق باللعنات قبل الصلاة متبادلة من الاتجاهين.

نفضت قطرات الماء و اتجهت إلى الربع حتى توقفت أمام السدرة، لاحت لي أسوار القصر المنارة بمشاعل راقصة، الحرس الأشاوس لا يفوتهم هفوة أو حركة يربوع ضال من الصحراء، نظرت إلى السدرة ثم جلست مستنداً بظهري إلى جذعها الخشن، السماء كانت رحيمة تلمع نجومها في ظاهرة قلما تحدث، أهل من الممكن أن تكون رؤية شيخ الزاوية حق؟ ، هل السدرة تملك خصائص سحرية لتعرج به إلى سماء القصر؟ ام هي مجرد أضغاث أحلام؟، تسربت الأسئلة المتشعبة حتى ترسلبت جفوني المقرحة بإغفاء كذرات الطحين.

رأيت الدرويش الحافي يقف أمامي متسلحاً بابتسامة النجم القطبي، سألته عن غرضه من اقتحام خلوتي، لم يجب، ألححت في السؤال فأشار إلى السور، نظرت لأجد السور ينشق كبحر الإسرائيلي المتبني من سيد الأهرامات الرواسخ، هممت بالعدو تجاه الشق لأجده قد ألتحم، عدت إلى جلستي خائباً، نظرت إليه مستفز بابتسامته، أطلقت العنان بسباب مبتدع، صببت لعناتي عليه و على البلدة المخنثة و على السلطان و على طلب الحورية، ثم بكيت، اقترب الدرويش ماسحاً دمعي ثم أشار إلى غصن السدرة، رنوت إلى الغصن، لأجد تفاحة ذهبية لامعة، شعرت بفرحة العالم البكر، أشار إليها بطرف أصبعه لتهوى في حجري.

استيقظ من حلمي، أنتفض، أستشعر وجود الدرويش في نسيم الفجر الندى، أحك رأسي و اقوم مترنح كالسكران، يتهادى إلى سمعي صوت من بعيد يرتل بمقام نهاوندي شجي

( يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2) وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ (3) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (4))

تسري قشعريرة في روحي، انتصب لتسقط تفاحة الحلم واقع من حجري إلى الأرض اليابسة، ألتقطها كأنها جمرة نار مغالباً إنهدامي، أضع كنزي الغالي في جيب ثوبي، منطلقاً كشهاب ساقط إلى دار الشاهبندر.

السوق كان بدأ النشاط مع أول ضوء، اقتربت من تحت نافذة بدر التمام، ألقي بعض الحصى، أراها تطل، تراني، تتنهد، دقائق تتسلل إلي، أخبرها بالحلم و الشجرة المباركة، أمد يدي مخرج التفاحة الذهبية، أرى ملامحها تتغير بغضب، تطلق جماح غيظها، تصفعني، مشيرة إلى التفاحة التي لم تكن إلا حجر اسود قاتم، تتركني، أتلوى كسحلية مقطوعة الذيل، ألقي الحجر الأسود بكل ما تيسر لي من غضب، أظن أني فقدت عقلي بسبب جلوسي تحت السدرة الملعونة، الساحرة الشمطاء مخربة الأحلام.

استسلمت لقهري المتجبر و انعزلت عن حواس البلدة الخمس في حانوت العطارة، لأتحول إلى صبارة حمقاء تتبادل عفن الهواء مع هوام الأرض، الدرويش قد اختفى تماماً كأنه لم يكن يومآ.

حتى أتى اليوم المشهود، ركب سلطاني حضر إلى شارعنا لكنه لم يكمل طريقه إلى باب الفتح، أناخ الحرس الجمل حامل الهودج أمام باب دار الشاهبندر ، و غاب نائب السلطان نصف النهار داخل الدار، عندما حان ميقات صلاة المغرب خرج الجمع فرحاً مهللاً، وسطهم بدر التمام في ثوب حريري صعدت إلى الهودج لتزف إلى السلطان خلف الاسوار

خرجت ميت حي من شق العقارب، اتبعها بنظري حتى غابت خلف البوابة السرمدية.

بين عبراتي الحرة و هبوب الرياح الشرقية أسهم غادرة، رأيته واقفاً أمامي في وسط الساحة، الدرويش الحافي ينظر كديدنه إلي، يضع الحجر الأسود في كفي ثم يسير في الطريق تجاه السدرة منشد.

أي عاذلي رفقاً بفؤاد صب حقه يوماً أن يذوب فيعذرا

عند عتبات الحبيب لاح لي نقش مذهب حليته مرمرا

نطقت حروفه لي همساً الوجد احتراقا و الوصل معبرا

عن عمرو جنيد

mm
كاتب من مصر

اترك تعليقاً