الرئيسية / العدد الرابع والثلاثون / تجليات أناشيد الرياح 3

تجليات أناشيد الرياح 3

5457b27b0c5a4807872577

عمرو جنيد :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

الأنشودة الثالثة : الدرويش الحافي

ينظر إلى باب الفتح، يتأمله كمن يشاهد البحر لأول مرة، ابتسامته المتهكمة لا تفارقه كأن زخرفة الباب الخشبية تثير فيه رغبة الضحك، لم توقفه نظرات العسس السلطاني، الذين هم أدنى فرق سيدنا، درك يتبع القاضي مباشرة، مجرد عصي ترتدي زي العسكر القديم، تعلو رؤوسهم قبعات من جلد الماعز المشوه بصفائح باهته لزوم ما يلزم من هيبة مضحكة.

درويشي كاره النعل لا يأبه، أتابعه من أمام الحانوت يجيء و يذهب في السوق، يتوقف هنيهة ثم يخرج من خارج ردائه الصوفي قطعة لامعة تبدو كرنك العملة، يداعب كلب مسلول بصفيره ثم يعرج على مطعم السوق، بعد قليل يخرج مبتاعاً لفافة ورقية علمت أنها تحوي لحم و أمعاء الغنم، أكلتنا التقليدية، فتح اللفافة و قربها من الكلب الهزيل…

بدت عن الكلب حركات توجس خائفة، فنبح نباحاً سعالياً مضطرباً، الدرويش اقترب و هو يحدثه بطلاسم مغمغمة، سكن الأعجم متشمم اللفافة، ثم ألقى نظرة ممتنة إلى الدرويش و استغرق في الأكل، ربت على رأسه الأصلع ثم أكمل طريقه إلى السبيل ليجلس في مجلسه الأثير، يخرج كسرة خبز متعفنة ليأكلها بكل حمد. أصبحت أتتبعه طوال الوقت الذي اقضيه في العمل ممسكاً بحجر السدرة الأسود الذي يذكرني ببدر التمام ، لوهلة شعرت أني الوحيد الذي يراه، كان القوم لا يلقون له بالاً، بين تجاهل و بين تفاخر بصدقة يتبعها من لا يقبلها منهم، يومياً يطوف بالسوق لا يتكلم كحجر، ابتسامته القاطعة اليقينية لا تفارقه، لا يسمع صوته إلا في مخاطبة الأنعام أو عندما ينشد الشعر الغريب، يستند نهاراً إلى جدار السبيل و يهجع ليلاً تحت السدرة في الربع الخراب.

 صباح يوم السقاية تجمع القوم منتظرين تقليدهم المقدس أمام السبيل، هذا اليوم الذي هو يوم الاحتفال بحفر بئر السبيل عن طريق دعاء الأب الأول وقت ضياعه في الفلاة دون ماء، نزل موقع البلدة الصحراء لينام كميت مكمود ،فقال رواة السيرة في السامر أنه لما اعتصرته شهوة الجوع و العطش الممض، نزلت عبراته المالحة لتفجر النبع المبارك، ليكون حجر الأساس لبلدة في علم الغيب.
توافد الناس زرافات و فرادى، ناظرين القاضي و الشاهبندر، بدأ الرهط يتقدم، حتى أوقفهم كبير الدرك، قال القاضي كلام موشح بالحكم و الأمثال و آيات الله المنزلة، أعقبها بإعلان الشاهبندر حاكماً متنفذاً على البلدة، تعالت همهمات اعتراضية توقفت مع زجر العسس، أعقبها القاضي بإشهار ورقة لا يكاد يبصرها عقاب أشهب، قال إن بها تفويض سلطاني الشاهبندر بولاية البلدة و من يمتنع عن الطاعة تمنع عنه السقاية و يهجر من بيته.

تلاحقت الأحداث المضطربة في تالي الأيام، أعلن شيخ السقايين عصيانه في المجالس و داخل الدور و أمام البئر الآسن، مع الأيام تكاتف معه صبيانه و حدث أول إضراب عن ممارسة العمل في البلدة. كنا اثنين نتابع الجاري بلا تفاعل، أنا في حانوتي الرطب و الدرويش بلفتاته الغالب عليها التوقع، رأيت في نظراته مصارع الدهشة كأن ما يجري قد جرى آلاف المرات أمام ناظريه.

انتفض العسس و انتشر خلف الأبواب و فوق أحراش النخل، يسجلون كل لفته و همسة و شربة ماء، يركضون هنا و هناك، أوراق التقصي تصب في حجر الشاهبندر الحاكم كل ساعة. صبيحة اليوم الأخير، وزع الكتبة مرسوم من القاضي على كل القوم، يتوعد بالمخالف بعظائم الأمور إن لم يخنع للنظام المرسوم، ظل لسلطان في رعيته، و ذهب مذهب التبشير بإعلان تلا الوعيد، إقامة وليمة لم تشهدها البلدة يوماً، احتفاءً بالوالي الأوحد. رصت الطاولات خلف الزاوية في الربع الخراب و تهافت السوقة و الخواص في اقتناص مقعد أمام لطائف خزينة المال، كأن الثريد لم يخلق إلا يومها. عصراً علقت الألوية و الزينة و أضيئ النهار بمصابيح كأنها كوكب ذري، صخب الحفل و أريقت الجعة و النبيذ بمباركة الوالي و القاضي، ترنح الناس تتساقط قطع اللحم من حناجرهم مصبوغة بالنبيذ، من اعترض على الفعلة اعتزل الحفل في بيته، و كان منهم شيخ السقايين و رفاقه. ما زلزل الدرويش وقع الحوادث، اللهم إلا إسناده ظهره إلى جدار السبيل.
صباحاً جرت الحادثة، خرج شيخ السقاين في رهط من أتباعه متوجه إلى بيت الشاهبندر الذي اقتطع منه غرفة جعلها سرير حكمه، و صرخ في الناس يا قوم ما لي أراكم راضين و للوالي صاغرين، لا أرى بيوت ستعمر أو سبيل سيفيض، أرى فقط بطون خاوية و سوق يرعى فيه الذباب، و تاجر يتاجر بجوعكم و حوائجكم، أراه يزداد تخمة من دماءكم الفقيرة، أرى قاضي القضاة ثعلبي الطبع، يحكم بما أنزل عليه زوراً فحاد عن سرت العلم و انحاز إلى حزب البهتان كي يكون محلل لزوجة زانية لا يطيق طليقها الفراق. أتى العوام من كل فج عميق، شاهدت الاضطراب وسط إعصار الأتربة المثارة، كحوافر خيل محارب، أغلقت على باب دكاني مع أول صراخ هادر من امرأة عابرة أعقبه معركة، انتصر فيها حشرات الأرض طفيليي مائدة الوالي على الشيخ و أتباعه الهاربين، سحب الشيخ بطول الشارع حتى، أتى قاضي القضاة، نزولاً على هتافات القطيع أمراً بالقصاص من رأس الشغب. آخر نوادر قريتنا، استنان سنة الحكم بالموت بطريقة مبتكرة، أسقط في يد الجمع ابتغاء معرفة الطريقة، اقطع رقبة على الشريعة أم إغراق في ماء لا يوجد، أتى الحل في كلمة غريبة على السمع، اصلبوه.

كشر القوم عن نوازعهم المقبورة منذ قرون، سحبوه ثانية حتى نزف حصى الأرض منه، و توقفوا عند السدرة، رفعوه على جذعها مجرداً من ثوبه، ثم ثبتوا يديه و قدميه بالمسامير إلى الأغصان. بكيت ذلك اليوم المشؤوم كأرملة فقدت ابنها البكر في حومة الوغى، و ظل الشيخ المصلوب أياماً تأكل الطير من رأسه، زاد تجبر الوالي و القاضي و رفعت المكوس حتى على دفن الموتى،أغلقت كثير من المتاجر و حل الجدب على الأرواح و أضحت البلدة عاقر، لا تروم رحمة، و عادت الحياة كما هي في عجلة الزمن اليابس، زاوية و سبيل و والي و عوام و عسس نمرودي.

 رأيته يتقدم من حانوتي لأول مرة، الدرويش بحاله العجيب، لمح الحزن على وجهي و أنا أتحاشى النظر لمشهد هيكل المصلوب أو شرفة بدر التمام. السوق ينهبه الجباة و الفئران و انحناء ظهر القوم قهراً و سباب الزاوية المقسومة، نظرت باكياً على ضياع براءة المدينة المنضوية تحت جناح المرابي و فقيه السلطان حتى وصل بنا الحال إلى أن يصبح صراف البلدة حاكمها ، قال لي الدرويش ضاحكاً، لا تبتئس يا بني، هذه سنه الله في خلقه أن جعل لكل مدينة أوغادها.

ارتعد قلبي من كلماته، ثم استطرد، أتبيعني روحك مقابل خلاصك؟ تعجبت و ارتعشت من صوته الذي تجلى فيه روح نوراني غرائبي، وضع يده على كفي فارتعشت ليتلو، “ثم اتبع سببا سنريه من آياتنا عجباً”. سألته و إن أردت ذلك.. ماذا أفعل؟، قال لي، أخرج من المدينة التي سكن براحها الشياطين، اتبع سبباً يا بني. قالها متجهاً إلى باب الفتح، تركني بين صحو و إغماء، سمعته ينشد من بعيد. “يا عيون لا تنام منذ فراقه ..متى سيجف فيك طوفان الحنين بت أتوسد مراقد السهاد ..فتضج العبرات تهتك السكون ..أتوسد حلكة ليل ساهراً ..تكحل نجومه بياض الجفون.. يا عيون لا تنام منذ فراقه ..متى غفت منذ فراقه عيون ..”

تسارعت الدنيا في مخيلتي، التقطت خرجي القماشي وضعت حوائج بلا نظام، بعض الأعشاب و قلم و رقع جلدية و كسرات خبز، اتجهت وسط القوم حتى وقفت أمام الزاوية، أخرجت حجري الأسود ثم وضعته في الجدار الطيني بين الزاويتين، وسط نظرات الاستهجان المتنمرة، ثم التفت لأجد الدرويش يخرج من باب الفتح، فخلعت نعلي ثم ركضت خلفه متبعًا سبباً

عن عمرو جنيد

mm
كاتب من مصر

اترك تعليقاً