الرئيسية / العدد الرابع والثلاثون / رفيقة السكن الجميلة

رفيقة السكن الجميلة

11951815_870250996389424_8708071809915054167_n

طلال الطيب :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا 

**

أضع صندوق الكبريت بجوار القلم ,وأترك السيارة تحت ظل شجرة الفاكهة وأترك باب قفص الثعبان الذي تتخذه صديقتي كحيوان أليف مفتوحاً .

أطفئ المصباح الكهربائي وأدخن السيجار وأنثر رمادها فوق الطاولة وعندما بدأت شهب صغيرة تسقط من السيجارة ملأت كوب القهوة المفضل عندها بالبنزين ؛ كانت رائحته قوية حتى خشيت أن تصبح الرائحة هي كل شيء .

أطفأت السيجارة بقدمي الحافية ونظرت إلى القفص لم يخرج منه ؛ هو ثعبان طيب يأكل الفئران التي تشتريها له صديقتي من أطفال الحي والمتشردين .

كان للثعبان صديق واحد كانت قطة لم أعرف لماذا كانت تنظر إليه كل صباح وتنام بالقرب من قفصه الزجاجي في ساعات النهار ؟ ربما كان الحب أو الجوع .

أخرجت الثعبان من البيت ووضعته في صندوق السيارة . أخذت عود كبريت وأحرقت الطاولة . كان على الطاولة حاسوب شخصي وتحتها صندوق فيه مخطوطات روايات غير مكتملة وأعمال أخرى .!

أخذ البيت يحترق احترقت غرفة صديقتي وما فيها من أزياء فاخرة وعطور جميلة . ثم تذكرت بأنها تستحم تحت الدش !

لها طقوس غريبة للاستحمام تمشي عارية من غرفتها إلى الحمام لتستحم وعندما تراني أكتب تقول : هل لديك شيء أقرأه بينما أنا أستحم ؟

أحيانا أعطيها صحيفة وفي أغلب الأحيان كتب ذات أغلفة سميكة حتى لا تتأثر بالماء أو نسخ كربونية من قصائد لبوكوفسكي أو قصص قصيرة لي .

ولم تكن تزعجني أحببت أنها تحب القراءة وكانت تخبرني بأنها لا تخفي عني شيئاً سواء كان هذا الشيء في قلبها أو عقلها .

ربما الشيء الوحيد الذي لا أحبه فيها بذخها الشديد تشتري فساتين رائعة وأحذية جديدة كل أسبوع وكل شهر , غرفتها مليئة بقوارير عطور لم تنته بعد وبأعواد ند متكسرة وبرماد السجائر . في غرفتها سرير صغير يتسع لها وحدها . في الجدار صورة للأوسكار وايلد وهو يبدو أنيقاً كعادته .قالت ذات مرة بعد أن رأتني أصلي : أنا لا أرغب بأن أذهب إلى الجنة ليس لي أصدقاء هناك ! وأشارت لي بإصبع طويلة نحيلة : وأنت لن تكون هناك .

يعجبني أن لها وجهاً لطيفاً وبريئاً وجهاً صغيراً , أحياناً نأكل الطعام معاً هي نباتية وأنا أكل أي شيء ودائماً ما تقول : أنت تشبه غابة جنون هادئ جدا .

معاً عشنا حياة منفلتة مزاجية مجنونة ولكن كان هناك حب يجمعنا ليس كحب عاشقين ولا حب رجل وامرأة يخططان للزواج. بل شيء أشبه باحترام متبادل بين عصفورين.

كان أجمل شيء فيها أنها تدخل عبر الباب وأنت لا تعرف ما الذي سوف تفعله . هل سوف ترمي بكيس الخضار جانباً أم سوف يكون كيس فاكهة وأحياناً تحضر لي معها بعض اللحم وأحياناً كتاباً جديداً.

هل سوف ترمي قبعتها من على رأسها على الكنبة أم أنها لا ترتدي قبعة هذه المرة . هل سوف تنزع عنها ملابسها فورا وتدخل لتستحم أم سوف تدخل لغرفتها أم سوف تجلس بالقرب مني .

شعرها أحياناً يكون قصيراً وأحياناً يكون طويلاً , يدها أحيانا تكون باردة وأحيانا تكون دافئة .أحيانا تحضر لي قهوة وأحيانا أعدها أنا .!

كانت تراني دائما جالساً على الكرسي أكتب أو أقرأ ؛ لا عمل لدي غير الكتابة . وهي تحضر لي الرسائل من صندوق البريد ,وأحياناً كنا ننسى بأننا نحتاج إلى المال .!

وبينما النار تشتعل تذكرت بأنها في الداخل ولكن المؤلم بأني لم أسمع صوتها وهي تستغيث بي من النار ؟

قال لي رجال الإطفاء بعد أن وجدوا جثتها بجوار قفص الثعبان : يبدو أنها تأخرت في الخروج لسبب ما ؟ اختنقت أولاً بالدخان وماتت .

بعدما انتهت كل التحقيقات , تذكرت الثعبان وجدته داخل صندوق السيارة جثة هامدة تفوح منه رائحة الجرذان أظنني نسيته متعمداً ؛ لولا أنها كانت تبحث عنه لتنقذه لخرجت ونجت بحياتها .

رأيت القطة تموء بحزن .! أظن بأن ما حصل لي حزين ومأساوي . بعدما أعيد بناء البيت سوف أجد لي رفيقة سكن جديدة . ستكون طيبة وجميلة ولطيفة وعندما أسألها من أنت ؟

سوف تقول : أنا السمكة التي قررت أن تجري مع النهر حتى تجد البحر وتموت هناك !

عن طلال الطيب

mm
قاص من السودان ، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان " قيامة الرمل " 2015 م .

أضف تعليقاً