الرئيسية / العدد الثالث والثلاثون / على إيقاع الأنتنوف .. أزمة الهوية السودانية

على إيقاع الأنتنوف .. أزمة الهوية السودانية

11880910_10153595659491942_346417323_n

 

إبراهيم مرسال :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

منذ أن فاز الفيلم الوثائقي (على إيقاع الأنتنوف) بجائزة الجمهور في مهرجان تورونتو العالمي وأنا أنتظر أن تسنح لي الفرصة لمشاهدته.. ليس بسبب مشاركته وفوزه لاحقاً في أحد أكبر المهرجانات العالمية ، ولكن لموضوعه الذي يعبر عنه إسمه الغريب والذكي .. فالجمع بين الموسيقى والحرب – الفكرتين المميزتين للسودان في وعي أبنائه – بهذا الذكاء دليل إبداع لا شك فيه .

سنحت لي الفرصه أخيراً لمشاهدته على موقع قناة PBS الأمريكية .. من المحزن أن الاحتفاء العالمي بالفيلم ، قابله تجاهل شبه تام داخل السودان ، عدا مشاهدات قام بها ناشطون وناشطات بسرية تامة في الخرطوم ومدن أخرى .

الفلم بلا شك من أقوى وأجمل الأفلام الوثائقية التي شاهدتها على الإطلاق .. ويمكن إعتباره أهم حدث ثقافي سوداني منذ عام ٢٠٠٥ بدون أدنى مبالغة .

(على إيقاع الأنتنوف) مرآة رفعها المخرج (حجوج كوكا) أمام وجه السودان ليرى نفسه .. فيلم من القوة والجمال بمكان.. و يعجز مقال واحد عن التعبير عن أهميته .

لقطة بداية (على إيقاع الأنتنوف) تختصر الفيلم – وواقع مناطق جبال النوبه والنيل الأزرق- بصورة متمكنة .

تتجول الكاميرا في أطلال القرى المحروقة ، ثم نرى طائرة تحلق في سماء صافية جميلة ، قبل أن نرى مواطنين ومواطنات يهرعون للإختباء في الكهوف والخنادق وحولهم دوي الانفجارات ، ثم يبدأ صوت الضحك.. ضحكات الأطفال والنساء تتعالى لتختلط بإيقاعات الموسيقى النوبية السريعة ، نرى مكان الجريمة ، ونرى بطش الجاني ، ونرى ونسمع مقاومة الضحية .. مقاومة عنوانها الموسيقى .

” الحرب دي فيها الكويس وفيها الكعب.. الكويس انو خلتنا نتمسك بعاداتنا وثقافتنا ” ، تقولها (انصاف)، احدى اللاجئات اللاتي قابلهن المخرج (حجوج) .. جملتها تختصر سبب الحرب في نظرهم .. هذه حرب هدفها طمس هويتهم ، وجبرهم على هوية آخرى ؛ لذا فإن أفضل فعل مقاومة يمكنهم القيام به ، هو التمسك بثقافتهم .

قد يظن البعض أن هذا مجرد فيلم عن الحرب الدائرة في مناطق جبال النوبة والنيل الأزرق .. وأنه وثائقي حربي تقليدي !

ابداً !..

فيلم (على إيقاع الأنتنوف) عن السودان.. والبطل هو إنسان المنطقه الأكثر تأثراً بأزمة إنسان السودان ، وأزمات السودان المتعددة يعبر عنها أبطال هذا الفيلم .. على مدار ٥٤ دقيقة نستمع فيها إلى مواطني السودان ، القادمين من مختلف جهاته ، والذين جمعتهم هذه البقعة المظلومة .

أجمل ما في الفيلم هو الحوارات حيث نجح المخرج (حجوج) ببراعة في تسليط الضوء وإعطاء الفرصة لساكن المنطقة للتعبير عن نفسه ، لا نرى المخرج ولا نسمع صوته على الإطلاق .. فقط ننتقل بسلاسة بين مختلف الشخصيات ، في حوارات أقرب للونسة .. ليس هناك تكلف ، أو تصنع .. فقط صراحة مؤلمة في محتواها ومواضيعها .. مواضيعها التي تلمس مختلف أزمات إنسان السودان..

وأخطرها.. أزمه الهوية .

“في سودان تاني غير الوهمي الخاتنو في الخرطوم” .. تقولها الفنانة السودانية (الساره) وهي تتمشى في مراعي المنطقة .. منذ وصولها تقول أنها وقعت في حب السودان وشعبه .. أن تقع في حب مكان ، عبر جزءه الذي دمرته الحرب ، دليل على أصالة إنسان ذاك الجزء ، هذا الإنسان الذي اختزلت حكومة الخرطوم ، ثقافته و وجوده ، في بهرجة الاستقبالات الرسمية .

“ما بجيبونا ولا بجيبو غنانا أو رقيصنا ، الا بس عشان يستقبلوا بيهو الوفود الرسمية ” .. ملاحظة مؤلمة للغاية تلحقها ملاحظات أكثر ألماً ، تغوص وتتعمق في أسباب أزمة هوية الانسان السوداني ، وصراع العروبة والأفريقانية في وعيه و واقعه ، صراع لا يحاول الفيلم تخفيف أثره او الإستحياء من نتائجه حيث نرى الدمار، وآثار الحرب المادية .. ونرى كذلك أثر الحرب الثقافي وطمسه للهوية النوبية .. نرى فتيات يتحدثن عن استعمال كريمات تبييض البشره، ونسمع من يتحدث عن اندثار الرطانه ، نرى مفهوم “التعريب” وقبحه.. نرى دماء، وأمراض، ونزوح  .. مخلفات محاولة إنسان الشمال علاج تناقضات شخصيته بالبحث عن نقاء مزعوم .

” كيس أسود !.. ليه يقول لينا نحنا كيس أسود.. نحنا ما بشر ؟! ” .. تقولها امرأه مسنة ، في اشارة لمقولة الرئيس السوداني عمر البشير في خطابه سيئ السمعة في مدينه القضارف بعد الانفصال !

حوارات جميلة ، مضحكة ، ذكية  .. نظرة صريحة لأزمة الهوية السودانية ، بشقيها العروبو/أفريقاني، والديني .

نعاني نحن، أبناء وبنات الشمال، من مشكلة إدراك  كاذبة.. ننشط في إدانة تجاوزات حكومة الخرطوم ونظن أننا نعرف حقيقة ما يجري في مناطق الحرب ، هذا الفيلم يوضح لنا أننا كسودانيين .. قد نعرف بعض ما يدور، لكن ينقصنا الإدراك .. ينقصنا أن نسمع من فم الضحية مباشرة ، أن نرى ما تقترفه أيادينا ، ولا مبالاتنا .

فيلم (على إيقاع الأنتنوف) فيلم مهم .. ولا أبالغ لو قلت ان مشاهدته والسعي في أن يشاهده كل سوداني وسودانية، هو فعل مقاومة وإصلاح .

نحتاج للصراحة الموجودة في الفيلم ، ونحتاج للإجابة على تساؤلات المتضررين من أزمتنا ، والأهم.. نحتاج لجرعة الأمل الموجودة في هذا الفيلم ، فرغم الدمار والحرب .. لم تتوقف الموسيقى نهائياً .

عن إبراهيم مرسال

mm
صانع أفلام يعيش ويعمل في النرويج .

اترك تعليقاً