عن الفن و الحداثة

-font-b-Starlight-b-font-Over-The-Rhone-font-b-Van-b-font-font-b

هيغل، كما يخبرنا سلافوي جيجاك، بدأ منذ وقت طويل في التأريخ للحداثة، أحد أشكال هذا التأريخ هو تلمسه وصول الحداثة في الفن. مثلا فالبنسبة لهيغل فإن تحول موضوع الفن من الإنسان للطبيعة (النقلة من المنحوتات الجامدة للإغريق و المصريين إلى رسومات الفواكه و المروج لفان جوخ و التي تبدو ساذجة بشكل مضحك أحيانا) هو علامة على وصول تعقيد الفردانية للفن. بالنسبة لهيغل فإن موضوع الفن بالنسبة للإنسان الحديث هو الفنان نفسه و ليس العمل، لذلك فإننا بدل أن نركز على العمل ننزع في عالمنا الحديث للتركيز على الفنان، و كل الأعمال التي تذهب بعيداً عن صاحبها كأشياء قائمة بذاتها هي مجرد منحوتات إغريقية ما قبل حديثة ، و في الغالب هي أشياء مملة لا تثير الإهتمام، كافكا مثلا يجذب الإنتباه أكثر مما يكتب، و حالما تبدأ في قراءة رواية دويستوفسكي “الأبله” بدون أن تفكر في أن ما تقوم به هو رؤية الحياة من وجهة نظر دوستيوفسكي فإنك ستشعر بالملل، فالأمير ميشيكن هو بالفعل مجرد أبله يقوم بأشياء عادية ليس فيها أي تشويق، أعتقد أنه في هذه الرواية هنالك لحظتان بارزتان أكثر من غيرهما، الأولى عندما يحاول ميشكن التعبير عن حبه اللحظي لناستاسيا، و الثانية عندما يشرح بشكل مفصل نوبة الصرع التي إنتابته، و في كلا الحالتين فنحن بدل أن نسمع قصة ما فإننا نسمع قصة كتبها فنان، يحكي بوضوح عن نفسه.

لذلك ربما كان من الطبيعي أن يستطرد دوستيوفسكي في هذه الرواية و بصورة غريبة ليشرح في منتصف الرواية أن أصعب جزء بالنسبة للراوي هو تخيل شخصيات “الناس العاديين”، الشخصيات العادية التي ليس لها أهمية خاصة في الرواية، و لكنها ضرورية لبناء أي قصة، مثلا الحارس أمام البوابة، أو الطبيب الذي يخبر البطل أن محبوبته قد ماتت. بالعودة لهيغل، ربما بالنسبة للإنسان الحديث فإن هذا الإنسان العادي لم يعد موجوداً ، لذلك فإنه من الصعب تخيله، بالنسبة لنا فإن لوحة دكتور غادشيت التي رسمها فان جوخ أو باقي لوحاته التي رسم فيها نجوم السماء أو قطع الخضار و الفواكه الجامدة هي بوابتنا لتخيل العقل “المذهل” لفان جوخ، و لن يشد إنتباهنا في المقابل أجود التماثيل التي يبدو الإنسان العادي موضوعها الأساسي. تبدأ الحداثة عندما يتخيل الإنسان أنه هو كفرد موجود، و على هذا الأساس الهش يقف الإنسان قلقاً فوق بحر كامل من العدم، و بذلك فإنه يتوقف عن كونه مجرد “إنسان عادي”.

في غلاف الفلم الأروع لوودي آلن، “منتصف الليل في باريس”، يظهر بطل الفلم و هو يسير أسفل سماء فان جوخ الشهيرة المرصعة بالنجوم، السماء التي تبدو و كأنها دوامة تشدنا لتخيل فان جوخ “الأسطورة” ذات نفسه، في الفلم فإن وودي ألن يحاول أن يسخر سعيدا من حياته كفنان و مثقف يعيش في الخيال، في الصباح يكون البطل مجرد شخص عادي و تمر التفاصيل الحقيقة و كل قيمتها الواقعية (إستعداده للزواج، زوجته المستقبلية .. إلخ) بسرعة و كأننا جميعا لا نكترث لها، أما في المساء فإن كل شيء مهم يحدث فجأة، يذهب البطل للقاء هيمنجواي و باقي أبطاله المفضلين في أماكن سحرية في منتصف باريس، سيقوم المخرجون المتوسطون بتضمين الحبكة تلك اللحظة التي يتوقف فيها الواقع و يبدأ فيها الخيال، لكن وودي ألن، و بشكل واع، يرفض هذه اللحظة تحديدا، سننتقل في كل ليلة بسلاسة شديدة بين الخيال و الواقع، فنحن في فردانيتنا المزعجة المثيرة للقلق نفعل ذلك رغماً عنا و كل يوم، يبقى فقط أن يسجل وودي ذلك كإعتراف ساخر.

أتذكر لحظات معينة وقفت فيها أمام القوة الغريبة للفردانية التي يطلقها الفن، في أكثر من مرة تطرق الطيب صالح لفكرة تدوين أفكاره بإعتبارها سؤالا مهماً ، هل يتوجب على الفنان أن يدون الأفكار التي تراوده في وقتها حتى لا تضيع؟ رد الطيب صالح –على هذا السؤال الذي إخترعه هو بنفسه- هو لا، بتعبيرات الطيب صالح، فإنه يترك أفكاره لتتبخر في الهواء كأعمدة دخان السيجار و هو يراقفبها تزول ببرود شديد، سيشعر الكتاب الذين لم يلمسوا روح الحداثة بعد بإندفاع صبياني لكتابة كل ما يدور ببالهم من أفكار رائعة و غريبة حتى لا يفقدوها لاحقاً ، أما بالنسبة للطيب صالح، فإن المهم هو بقاء الطيب صالح نفسه، كل شيء آخر يأتي لاحقاً. الآن و بعد فترة طويلة سيخرج السودانيون عبر الطيب صالح من كونهم أناساً عاديين ليتورطوا في الحداثة كأفراد لهم قصة حياة، فالفردانية غير المعتذرة للطيب مكنته من رؤية التمظهر الحزين للحداثة و الفردانية المحبطة الذي أنتجها واقع ما بعد الإستعمار، أو كما يقول عبد الله علي إبراهيم، عندما تحول الفرد المستعمَر الحديث لمجرد سيرة ذاتية ناقصة مرجعيتها الفرد المستعمِر المكتمل، وغابت قصص الحياة، أو البايوغرافي.

هنالك إختلاف أساسي بين النور حمد و عبد الله علي إبراهيم؛ عندما وصل كلاهما في سلسلة المقابلات التي أجراها الطاهر حسن التوم معهما، عندما وصلا للحظة التي يسأل فيها الطاهر كل واحد منهما عن ذهابه لأمريكا، قدم كل واحد منهما إجابة مختلفة، النور حمد ظهر معتذرا، فهو كان يتمنى لو بقي في الوطن و ساهم في مشروع ما، و تحدث و كأنما عليه الدفاع عن نفسه، عبد الله علي إبراهيم في المقابل جاوب و بشكل غريب بأنه لا يعتبر وجوده في أمريكا غربة على الإطلاق. إدوارد سعيد كذلك نظر لفكرة المهاجر كخارج من الوطن إلى الوطن. لكن قبل أن يبدو مشروع الحداثة الذي أتحدث عنه كمشروع لتبرير الغياب فإننا يجب أن نلاحظ أنه لا يمكن لا في السودان و لا في فلسطين المزايدة على إدوارد أو إبراهيم. بالعودة أولا للنور حمد، يمكننا أن نسأل أين ستنتهي مشاريع “الحداثة البديلة”؟ مؤخراً كتب النور يثني على تقارب نظام البشير مع المملكة العربية السعودية و إبتعاده من إيران، لكن قبل أخذ رؤية النور بسطحية، علينا أن نتذكر أن هذا الموقف هو موقف عزمي بشارة و بقية المثقفين القوميين و العلمانيين العرب عموماً، حالما تبدأ المملكة في الإقتراب من الفلك التركي القطري فإن هذه المدرسة في الحداثة العربية البديلة ستكون أخف حدة في موقفها من السعودية. ما تحاول فكرة الحداثة البديلة الحفاظ عليه هو الشرخ بين العالمين الذي صنعه الإستعمار، نحن سنظل أغراباً عن “الحداثة الغربية” نتلمس طريقنا نحو حداثتنا البديلة، شعور النور حمد بالغربة في أمريكا هو التمثل الفردي لرفض الحداثة كما هي. في أفريقيا كذلك بدأت أصوات مفكري ما بعد الإستعمار تتعالى بفكرة أن الحداثة في أفريقيا ستأخذ طابعاً خاصاً، و “بقيم أفريقية أصيلة”، في الصين و سينغافورا –سلافوي جيجاك يذهب بهذين المثالين بعيدا في تحليلاته- يروج للرأسمالية جيدة الفعالية و المدارة من قبل دولة شمولية على أنها “رأسمالية بقيم آسيوية”، ألا يذكر ذلك بقطر و المملكة العربية السعودية، و القيم العربية الأصيلة التي أنتجت أسر مالكة فعالة و محترمة؟

ما يجب رفضه تحديداً، من وجهة نظر العداء الجذري للإستعمار، هو هذه الحداثة البديلة، ربما سيفكر النور حمد يوماً أن ما دفعه للذهاب بأفكار الأستاذ محمود محمد طه في هذا الإتجاه الحزين المفضي للتصالح الفكري مع شيء كالمملكة العربية السعودية – و للمفارقة العداء الجذري لإيران التي تقف على تاريخ ثورة حقيقية – ما دفعه لذلك هو إخراجه لفكر الإستاذ من سياق الحداثة (التي تسمى الحداثة الغربية) نفسه. إدوارد سعيد، و عبد الله علي إبراهيم يمثلان إجابتنا الحداثية غير البديلة على هذا الموقف، الأول هو العربي الذي لا يجيد العربية، و الثاني هو الماركسي غير المعتذر، يمكننا أن نتوقف عن القلق على أصالتنا و الإيمان بأنفسنا كأفراد مكتملي الفردانية، علينا أن نبدأ من هذه النقطة، حسب سلافوي جيجاك، فإن الفرد البروليتاري، الذي يمثل الفرد الذي ليس له مكان (أو وجه) في الفضاء الإجتماعي، the part of no part، يبدأ في التحول لفرد ثوري عندما تأخذ ردة فعله الشكل التالي: هو و بوجوده خارج الإطار الإجتماعي (كفقير، أو كمنحدر من عرق محتقر أو خلافه) لا يمثل نفسه أو المجموعة التي يحمل إسمها بل يمثل المطلق ذات نفسه  Universality As Such و بالتالي بدل النكوص لحياته في هامش المجتمع فإنه يدعي، و بصورة ذاتية –غير موضوعية بكلما لكلمة موضوعية من معنى، أنه الممثل الشرعي للقيم المطلقة في المجتمع (مثلاً عندما يتشكل حزب جذري يمثل الفقراء فإن هذا الحزب سيتبنى العدالة الإجتماعية، هذه العدالة الإجتماعية هي المطلق الغائب الحاضر لهذا المجتمع). أليس هذا الموقف هو موقف فرانز فانون في الأساس؟ نحن، كضحايا للحداثة الغربية، نمثل اللحظة التي تتحول فيها الحداثة الغربية لحداثة مطلقة Universal و نحن الوريثون الشرعيون لهذه الحداثة نبشر لها و ندعوا إليها.

إلى حينه، فإن أهم عمل ثوري هو التمتع بالفن الحديث، أو إنتاجه. أتذكر أن ردة فعلي على سلسلة المقالات التي كتبها النور حمد عن الأستاذ في ذكرى وفاة الأستاذ الخامسة و العشرين في 2010 هي أنني تخيلت كل ما جرى مع الأستاذ ليس كما حدث فعلا بل كما يجب تخيله، و يمكنني أن أتذكر النور حمد بعد ذلك على أنه فنان ممن تتحرر و أنت تقرأ لهم، و لا غرابة من ثم أنه المثقف السوداني الذي إهتم ب”مهارب المبدعين”، لكن علينا ربما أن نبدأ بالتفكير بأن الهروب ربما يكون من الواقع للخيال فعلا، لكن الأخطر هو الهروب من الخيال ذات نفسه، الواقعية هي التمسك بالفكرة، لا أعتقد أن للفن الحديث أي معنى خارج هذا السياق.

عن محمود المعتصم

mm
طبيب و كاتب سوداني ، مهتم بالسياسة و الفكر .

اترك تعليقاً