في مديح القهوة

390979_144531929060864_1904383712_n

 راشد يسلم :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

القهوة عندها مزمار شيطان ، والدخان المتصاعد من فوهة الإبريق الجالس بقلق على الجمرات ليس إلا ثعبان تبخر من شدة الانتشاء ..!

وأنت لست إلا درويش عاشق في حضرة ” البن ” ، تعلم جيداً أن لولاه لكنت الآن مدخناً شرهاً على أقل تقدير ..!

ترتشفه كما ترتشف كل الأشياء التي تحبها ببطء وتلذذ ..!

فحتى الأشياء الجميلة في حياتنا قادرة على خنقنا حين نتناولها على عجل ..!

تجلس عند الناصية إلا قليلاً ..!

تشاهدها وأنت تنتظر نصيبك من ” النبيذ الإسلامي ” ، _ كعادتك دوماً تبحث عن مسميات ملتحية وبجلباب قصير لكل أفعالك _ ..!

تتابعها بنظراتك هذه التي قبل أن تفرك الشمس عيناها وتفكر في توقيع حضورها على دفتر ” الحياة ” تبدأ يومها ..!

بهدوء دون ضجة ككل الأشياء المهمشة في هذه المدينة تراها تمارس عملها ..!

فمنذ أن بلغت ” الرشد ” وأنت تشاهدها هنا ، لم تخلف موعدها مع ” الحزن ” يوماً ..!

ربما لأن الفقراء لا يخلفون مواعيدهم ..!

أو لأنها كما قالت ذات ” فنجان ” وحديث جانبي :

لا تثق بالحياة دائماً ..!

لا تثق بالحياة أحياناً ..!

لا تثق بالحياة أبداً ..!

ترتشف رشفتك الأولى ..!

تخرج ورقة وقلم تكتب شيئاً لا تعرفه ، تمزق الورقة ، تكرر العملية مجدداً ، ثم مجدداً ..!

لا شك أن الكتابة أنثى لكي تراودها يجب أن تكون شبه نبي أحياناً، وزنديقاً في أحيان أخرى ..!

فأن تكتب يعني أن تترك ” المنتصف ” وتبدأ بممارسة حقك في الضجيج ..!

يحدث أحياناً أن تظن أن بعض الكتابة ليست إلا علكة نعناع تبدو حلوة في أول المذاق ، ثم بتكرار المضغ تصبح بلاستيكية مستهلكة فاقدة للمذاق ، لا يبقيها شيء سوى شهوة ” المضغ ” ..!

تمزق ورقة أخرى ، وترتشف رشفة مجدداً ..!

تتذكر استثنائية كان ينقصك الجرأة لتقول لها أن عيناك بلورتان سحريتان أقرأ فيهما ” حظي ” ، وأصدق فيهما كل المنجمين ولو كذبوا ..!

وأن صوتك هو مقطوعة موسيقية نسي بتهوفن أن يؤلفها ..!

وكان يمنعها الحياء لتقول لك أنني أحب ” أبي ” الذي فيك و ” إبني ” الذي سيشبهك ..!

وبين ” نقصك ” و ” كمالها ” مسافات بينكما يجففها الصمت وترويها اللهفة ..!

تمزق الورقة مجدداً ، وترتشف آخر جرعة في الكوب ثم تبحث عن شيء جميل لتكتب عنه ..!

تطل ” ريومة ” من آخر مشهد في الذاكرة بكل أناقة الحضور وبراءته ..!

تسألك :

_ ” أتعرف أكثر ما يؤلمني في الشتاء ؟ “

_ ” ماذا ؟ “

_ ” أن يضع أحدهم قدمه على قدمي وأنا حافية “

_ ” ليس أكثر ألما من أن يطأ أحدهم قلبك وهو حافي “

تطالعك دون أن تفهم ..!

تتذكر أنها أخبرتك أنها ما عادت تفقد أقلامها في المدرسة يومياً كما كانت تفعل ..!

وأنها تنتظر هديتها فقد نجحت في الصف الأول ، وتصر أنها ” ثاني ” الفصل لا ” ثالثه ” كما تقول النتيجة ..!

فتكتب لها أنها ” الأولى ” عندك غصباً عن كل الشهادات المدرسية ومصطلح ” الأول مشترك ” الذي لا تفهمه بعد ..!

تبتسم .. ثم تضع الورقة أسفل كوب القهوة على الطاولة وتغادر ..!

عن راشد يسلم

mm
سوداني .. مُصابٌ بالديانّات .. والشُرودْ . أكتُب .. لأن هذِه الصحراءُ شاسِعةٌ وأنا لا أجيدُ الغِناء .

اترك تعليقاً