الرئيسية / العدد الثالث والثلاثون / محمد أركون .. ناقد العقل التتريثي

محمد أركون .. ناقد العقل التتريثي

عمر الفاروق

عمر الفاروق نور الدائم :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

خاض المؤرخ الجزائري المرموق، البروفيسور محمد أركون، في قضايا “العقل الإسلامي”، لأكثر من خمسين عاماً، مطبقاً منهجيات النقد التاريخي الغربية الحديثة، لوضع العقل الإسلامي أمام الحداثة، مقابل عصر الانحطاط الذي يعيشه، بعد “قطيعة رهيبة” امتدت لقرون عن “العصر الإسلامي الكلاسيكي الزاهي”، انتصر فيها “التيار الارثوذكسي” الحنبلي، على تيار المعتزلة القادر على الحركة والتفكير .

لا يضع صاحب “نقد العقل الإسلامي” مساحيق فكرية على التراث، ولا هو يضعه كاملاً في سلة المهملات، وإنما يطبق منهجيات بحثية حديثة تخرج نتائج “مذهلة وخلابة” تجعل من التراث وحدة طويلة من التاريخ سيرورة وصيرورة، لكن ليس هذا هو المهم، الأهم أن أركون يعيد فتح “المدونة المغلقة” للأديان التوحيدية الثلاثة اليهودية المسيحية وبخاصة الإسلامية ، بعدما أقفلها “سلفيو التوحيد” لمصلحة المؤمنين .

لا وقت مضاع، فالخطاب القرآني وليس النص القرآني، خطاب مجازي ورمزي هائل، يجب التعامل معه هكذا، فيما “العقل الإسلامي الآرثوذسكي” لا يراه إلا نصّا مباشرا وقطعي الدلالة، وبالتالي فهو قد قال كل شيء “في تفاسير التراث” وأصبح مدونة مغلقة لا يمكن بأية حال أن تطبق عليه أية “نظرية منهجية” حديثة تحاول كشفه سيميائياً ودلالياً، وقراءته طبقا للأنثروبولوجيا ومدرسة الحوليات النقدية التاريخية الفرنسية، وغيرها من المناهج النقدية الحديثة. وبحسب أركون، فالمسيحية إلى حد كبير جداً “نهائي”، استطاعت في أعقاب “عصر التنوير” فك الارتباط بين الكنيسة والدولة، بعدما تجاوزت بمنهجيات حديثة التراث ووضعته في مشرحة النقد ، ما مكنها من إضاءة التراث وإحداث قطيعة تاريخية، ما وضع الغرب في قلب الحداثة الفكرية والمادية معاً، وكذلك اليهودية، قطعت خطوات وإن كانت أقل. بينما لا يزال “العقل الإسلامي” وليس “العقل العربي” يعيش عصور الانحطاط يقول أركون.

حينما ثار الجدل والحوار الفكري إبان أواخر “العصر الكلاسيكي للإسلام”، تم حسم المعركة لصالح “تيار الفقهاء” الذين يصبغون مشروعية أخلاقية عليا على الأنظمة السياسية القائمة أوانها، وهكذا لا يزالوا يفعلون في الأنظمة الحديثة، يهبونها قيماً عليا، تمنحهم المشروعية الرمزية على الدوام. وحديثا في أعقاب التحرر من الاستعمار، “جنوبي المتوسط”، “اعتبرت الأنظمة التي صعدت أنها كانت بحاجة إلى إزاحة الاستعمار فقط”، ما أوقعها نصب التراث، فلم تقدم منهجاً مدرسياً قادراً على بناء أسس حداثة، فاقترفت من التراث قيوده وتتريثه. ومن الخطأ الكبير، على ما يقول أركون، الحديث عن أمة إسلامية واحدة بالمعنى المطلق، إذ أن إسلامات كثيرة مصبوغ كل إسلام منها بصبغة ذات خصوصية اجتماعية سياسية تاريخية، وهذا ما كان على مدار التاريخ الإسلامي، فلم يتم بتر الثقافات التي كانت تعيش قبل ظهور الإسلام في القرن السابع الميلادي، بمعنى أن الخصائص الثقافية لكل الشعوب المسلمة ما زالت حية.

خرجت الأصولية السياسية وترعرت، بعدما نمت على أخطاء التوجه البدئي للطبقة السياسية التي ورثت الاستعمار، إذ لم تتوجه تلك الأنظمة في طريق الحداثة الفكرية وإنما فضلت جلب الحداثة المادية لشعوبها، ورزحت تحت وطأة القومجية وتناثرت ما بين الشعارات إلى أن أفاقت جزئياً على السنوات العشر الدموية في الجزائر وتفجيرات الحادي العشر من سبتمبر/أيلول 2001م، ما اضطرها إلى إعادة فتح الإسلامات الشعبية، مقابل إسلامات أصولية متشددة “صاحبة الطريق القويم” سيطرت على المشهد، وهي في الأصل مدعومة أو متحالفة مع النظم السياسية، “السعودية” مثالاً.

في هذا الطريق وبوجهه الآخر، حاول كمال أتاتورك، جلب الحداثة الفكرية إلى تركيا، في مجتمع لم يهتز فكريا، فأنتج علمانية، بل علمانوية، متطرفة، لم تنتهِ إلى علمانية صرفة أو حداثة فكرية، لدرجة أنها لم تستوعب المجتمعات التركية المختلفة، بمعنى أن الأثر القديم للتراث لم تقطع معه العلمانية، في حين أن ثورات كبرى معرفية وسياسية في فرنسا وبريطانيا والغرب عموماً، اشتغلت على مدى قرون لتحقيق وتعميق الحداثة الفكرية في تلك المجتمعات.

الشاهد في الأمر، أن قضايا حساسة تتعلق بالوحي والخطاب القرآني، وتدوين القرآن، وتاريخيته، والنبي محمد، والطريق القويم، “أي مفهوم الفرقة الناجية لدى أتباع الديانات التوحيدية الثلاث”، والأساطير وليس الخرافات، التي نسجها الأتباع، عن الديانات المذكورة، في الإسلام خصوصاً، وتلاقي واختلاف الديانات التوحيدية الثلاث، وقراءات تاريخية ثرة للعصر الكلاسيكي الإسلامي وعصر الانحطاط أيضا، ونقاط افتراق هذين العصرين الإسلاميين، وغيرها من تفكيكيات علمية صارمة للتراث، ومحاولة إعادة قراءته بحذق ومن دون خوف، في ضوء البحث عن نهضة تمضي نحو الحداثة الفكرية، جنوبي المتوسط، وغيرها يطرح فكر أركون.

ولا ينس البروفيسور محمد أركون، 1928م تاوريرت – الجزائر. فرنسا -2010، أن القاريء الغربي، للإسلام، وليس كله، ينظر إلى الإسلام على أنه، “دين كارثي”، ولكنه ينتقد ذلك بصرامة، على اعتبار أن ذلك القاريء، وفيه حتى الباحث، يطبق نظريات خاطئة، إذ يحاكم الإسلام تاريخيا، إذ يقرؤه على ضوء ذلك الزمان،ويحاكمه بمنجزات العلمانية “حقوق الإنسان وغيره”، وحتى أنه ينتقد البعض “في العالم الإسلامي” الذي يبحث في المقابل عن “حقوق الإنسان داخل الخطاب القرآني”، رداً على نزق الغرب . والإسلام قدم نفسه “في المرحلة التأسيسية” كما ينبغي طبقاً لتلك المرحلة.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً