نهاية السير

the_passenger_by_photopurist

يوسف أزروال :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

في بداية العِقد الثاني من عمرك. قد تسمع الكثير من الناس يرددون عليك جمل متماثلة: “الحياة كلها أمامك” أو “المستقبل بين يديك” أو حتى “الدنيا تفتح لك أدرعها و أبوبها يا بطل” لكن الحقيقة غير ذلك. تكتشف مع الوقت أنك تنطلق من جديد في سباق محموم نحو فرصة لصنع حياة خاصة، تماما كما كان السباق يوم خُصِّبَت البويضة التي بدأ بها خَلقك.

وقبل أن تصل إلى الهدف المنشود، تمر بطريق وعر و غير معبد و أحيانا مليء بالأشواك، يسقط الكثير من أصدقائك في الطريق، يخرجون من اللعبة و يكتشفون مبكرًا الحقيقة التي هي عنك غائبة، مؤقتًا. الحياة تبدأ بسباق عنيف و تستمر كذلك حتى النهاية، و مع كل سباق مجنون تسقط من روحنا دماء نورانية و تذبل مع الوقت حتى تموت و يصبح الجسد لها تابوت.

المحصلة هي أن تبقى لنا صور الماضي البعيد تحكي لنا عن ذكريات تفقد بريقها و وضوحها كل يوم، تغازل خيالنا و تتراقص في زاوية العين كالسراب. فوق مكتبي المغبر من عاصفة رملية، ينتصب إطار لصورة جماعية لي و لمن لم تسمح لهم الحياة بأن ينجوا من سباقها المحموم و انتهى أمرهم بالموت الفعلي أو المجازي.

مجموعة من الأعين البريئة، وجوهٌ ضاحكةٌ يملؤها الأمل… باتت مغبرة كحال مدينتنا اليوم.

تحت سحابة حمراء ضاقت الأرض علي بما رحبت، شعور بالضيق الشديد تملكني و مزَّق أنفاسي ببطء و كأن الأكسجين الذي بالغرفة اختفى فجأة, هرعت نحو النافذة التي أمامي، استعصى علي فتحها من شدة توتري، ليطاوعني المِقبض في النهاية. أسلمت نفسي لهواء ساخن مليء بالغبار و رائحته التي تشبه رائحة الموت. لم يبطل الهواء الساخن ضيق صدري و لكن شبحًا ينظر إلي من الجهة المقابلة استبد بانتباهي، حاولت أن أميز وجهه وسط أكوام الغبار التي تضرب كل شيء و كأنها غاضبة من أرضنا، بل هي الغضب ذاته. كان كالتمثال، كل ما فيه ثابت، لم يهتم بأمرالعاصفة و لا حتى بالأكياس البلاستيكية التي تعانق قدميه و كتفه الأيمن كان ينظر باتجاهي بقوة و برود.

*****

تحت ظلِّ الوجود تسبح أرواح ضائعة، جائعة، و غاضبة. قليلون هم من يبتلون بزيارة من تلك الأرواح، و أغلبنا يجهل وجودها، لكن جهلنا بالأشياء لم ينفي يومًا وجودها. تتربص هذه الأرواح بمن آمن بالوحدة و أمِن لها، ربما تكون الوحدة أحد أكثر الحالات قتامه في حياة الإنسان لأنه اجتماعي الطبع، و رغم ذلك فهي تمسي مهربًا لمن تحولت حياته إلى حطام و لمن تشوهت روحه بندوب الماضي فصار يخشى رؤية القبح الكامن بداخله في عيون الآخرين.

بين طبقات رقيقة من الغبار مر يوم من العمل الرتيب مع رفيقة المكتب التي تبدو غير متأثرة بالجو الحار الخانق أو بكمية التراب التي تغطي كل شِبر من المكان. بين الفينة و الأخرى، أمر بجانب النافذة المُطِلَّةِ على الشارع بحجج واهية، أراقب ذلك الشخص الغريب الذي لم يتزحزح من مكانه كالتمثال، لمدة ساعتين لم يبرح مكانه ليختفي بعد ذلك. اطمئن بالي لغيابه لكن جزء مني افتقده، ربما لأنه حرك مياه حياتي الراكدة لبعض الوقت.

ربما…

تعلقت بالنافذة أكثر بعد غياب ذلك الغريب، أمر بجانبها كل عشر دقائق كالمهووس, حتى سمعت صوتها…

– ما خطبك و النافذة؟

– نعم؟؟

– ما بك اليوم، تبدو مولعًا بالنافدة، هل أنت بخير؟

– نعم، أنا بخير، فقط… لا تهتمي.

نظرت نحوي بتوجس، رفيقة المكتب التي عهدتها صامتة غير فضولية، على عكس طبع النساء، و من خلال نظراتها كانت تحاول أن تُحَلِّلُ مدى صدق كلامي من خلال مظهري.

– لا تهتمي, إنه الجو الخانق و غياب المكيف كما أن الغبار يشعرني بالضيق.

– حاول أن تسترخي، إنه جو سيء فعلا. لكن، يجب أن نعمل، أليس كذالك؟ رسمت ابتسامةً صفراء ثم عادت إلى عالمها مجددًا.

زحفت خطواتي ببطء نحو المكتب كالمهزوم، حائر و قلق، دون أن أفهم مصدر كل ذلك.

في المساء غادرت المكتب متوجهًا نحو منزلي الذي يقبع في الجهة الأخرى من المدينة. ساء الجو أكثر و أصبحت الأتربة تضربني من كل جهة كالمطر، بالكاد أتبين الطريق، في وسط هذا الضباب الترابي كنت ألمح ظلًا يحوم حولي ثم يختفي، لم أهتم للأمر حتى تكرر بشكل واضح. كلما ازداد الظل اقترابًا مني كلما ازدادت قوة العاصفة و أصبح الجو أسوء. و في لحظة خاطفة أحسست برعشة تسري في جسدي حين التف حول عنقي كف يد داكنة، جمَّدت حركتي و شلتها بالكامل، هوى جسدي على الأرض و ازدادت رعشتي كمن تضربه الصواعق حتى كدت أغيب عن الوعي. تمددت على الأرض، بالكاد أفتح عيني، محدقًا في كبد السماء الحبلى بالسحب الحمراء و خلفها تحتجب شمس تبدو كصفار البيض من بعيد، منظر أعاد إلي ذكرى قديمة، شخص كان يحترف صنع البيض المقلي ببراعة و لم يتقن غيره، ذو الابتسامة الدافئة، المسكين “أمين”.

ربما لم ألحظه و لكن ذلك الظل الأسود كان واقفًا بجانبي يحدق فيما أحدق، تنهد كمن على صدره هموم الدنيا كلها، ثم مد يده نحو قرص الشمس و بدأ توزيع صفارها على السحب الحمراء، لم تكن دهشتي كاملة لأنني أعلم من اشتهر بتلك الحركة، و بينما يختلط اللون الذهبي بالأحمر، استدار نحوي ببطء ليرمقني بذات النظرة و الابتسامة الدافئة ثم قال بصوت خافت: أهلا بعودتي !!

*****

النهاية مصير أي شيء موجود، مهما حاولنا التغاضي عن تلك الحقيقة فهي تحوم حولنا كل فترة تلفت انتباهنا، تحاول أن تخرجنا من أوهام السرمدية. الموت حقيقة الوجود الأكثر وضوحا للعيان. لكننا، و بشكل غريب، ننكرها، هو مصيبة تلحق بالآخرين فقط، تضرب من هم خارج دائرة معارفنا، شبح يلحق بمن لا نهتم بهم أو من نبغضهم و حسب. حتى يأتي ذلك اليوم فجأة، أو بمقدمات كثيرة، لكننا دائما نتلقاه بذهول و نسأل الكون بغباء: لماذا خُطف من حياتي فلان؟ لماذا أنا؟

نقطة ماء تسقط من صنبور المطبخ على صفحة المياه المتكونة على آنية ما، صوت يتردد صداه في أعماقي و يخرجني من سُبات عميق، كان الليل لا زال يرخي ستائره السوداء على مدينتنا و أشعة القمر تتسلل من النافذة و تلمس بهدوء إطار صورة قديمة لي و لوالدي. بتثاقل نهضت من مكاني، آلام تتكاثر مع كل حركة و كأن جسدي قد تحطم وجمعت أجزائه للتو. ألقيت نظرة من خلال النافذة، كان القمر يشع كشمعة سماوية بوجه شاحب مندهش أو ربما كان هذا تعبيره الأخير قبل أن يباغته الموت، ربما…

أكان ذلك حلما؟ سرابا؟ لا أذكر أي شيء عن ذلك الشبح المتسلل بين الظلال، غير ما بقي في ذهني، وجه مرعب و قسمات باردة. جلست متهالكًا على كرسي مكتبي الخشبي، تجَلْجل دماغي الأفكار ثم تعاود لتختلط و تعكرها شكوك لا نهاية لها، حائر بين الأوهام المداهمة لأيامي الهادئة.

 عندما يلمسنا الموت لأول مرة يتسلل رعب من نوع أخر إلى حياتنا، رعب يسكن في زاوية بعيدة منسية من ذاتك، ليهاجمك ككلب مسعور على حين غرة.

لكن لم الآن؟

خطفتني من حيرتي ذكرياتي الكثيرة مع “أمين”، ابتسامته النقية، جموح عينيه الحالمتين، شعره المموج الذي يغطي باستمرار جبهته العريضة. كان كثير الشرود في الأفق، يراقب التقاء البحر بالسماء و حتى تعالي الجبال عن الأرض و خدشها لكثبان الغيوم بِقِمَمِها المدببة، عندما كنت أسأله كان يقول أن حدود ما نراه ليس هو النهاية، فالحقيقة أن الحدود وهم ابتكره الناس ليغطي على ضعفهم. لم أستطع استيعاب كلامه كثيرًا، حتى كلماته الأخيرة كانت محيرة:

“المنازل سجون لأجنحتي”

*****

عندما تلمس جثة لأول مرة، ينتابك رعب لا يصدق، صدمة تهز كل معاني الحياة الوردية بعنف، تفقد قدرتك على النوم، تنتظر دورك أو أنك تتمناه، يتغير طعم الحياة بالكامل، تبدو السعادة على وجوه الآخرين باهتة، لا معنى لها، و كأنها من عالم أخر، تكاد لا تلاحظ أحد من المحيطين بك حتى و إن كان تجوالك بداخل سوق يضج بالناس. الأغرب من ذلك هو أنك تبدأ برؤية الموت في عيون من اقتربت ساعتهم، ليزيدك الأمر رعبا وقلقا.

تلك الحادثة اللعينة، يوم تركت باب بيتنا الطلابي مفتوحًا، لأجد عند عودتي “أمين” ملقًا على الأرض، باردًا، جثةً هامدة. التقارير الطبية قالت بأنه توفي على إثر تسمم غدائي، لكن الشائعات كانت تسري في الجامعة بأنه قتل، كان له أعداء كثر بسبب الخلافات السياسية و الفكرية، لكن لم أتخيل أن تصل الأمور إلى هذا الحد، الأدهى من ذلك أن اسمي حشر في منتصف كل شيء، و انتشرت همهمات و همسات تؤكد و تدين تورطي في ما حصل لزميلي في السكن.

بقي الأمر كذلك حتى تخرجت من الجامعة، ربما بشكل خفي كنت أدين نفسي و أعاتبها، أو ربما ألوم نفسي على ذنب لم أرتكبه، لا أدري.. كل ما أعرفه هو أنني لم أتجاوز محنتي رغم مرور سنوات طوال على ذلك الحادث، لكن إن لم أضع حدًا لهذا الأمر، فلن أستطيع التخلص من أشباح الماضي.

في اليوم الموالي جمعت عزيمتي لخوض رحلة مؤجلة منذ سنوات، إلى المكان الذي فقدت فيه طعم الحياة. كان القطار مزدحمًا، غلبني النوم أكثر من مرة، لم يوقظني سوى صوت منبه القطار بجملته الشهيرة..

“مدينة وجدة.. نهاية السير”

عن يوسف أزروال

mm
كاتب ومترجم من المغرب

اترك تعليقاً