وحدة

e1fb4dc62647d5f7b973daaec0318a86

أيمن هاشم :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا 

**

الثامنة و النصف ليلاً , الطريق الإسفلتي المُسيج بأشجار النيم الكبيرة و العتيقة , على اتساع الجانب الأيسر تتوزع أشجار اللبخ التي تتخلها شجيرات صغيرة أخرى فتنبعث رائحتها و رائحة الطين مصحوبة بهواء بارد بينما يمر النيل بهدوء , المقاعد الإسمنتية القديمة المشققة و المهجورة تمضغ ببطء مواعيد من مروا من هنا , ثمار النيم الصفراء الناضجة التي تتشتت على التراب الرطب . تندس الزرازير في الأعلى و قد فاجأهم الليل كمؤمنين ضعاف لا حول لهم يناقشون التحليق و كأنه إثم و ينامون ليصحوا في اليوم التالي , الغيمات الصيفية الرمادية من حين لأخر تحجب ضوء القمر و تعبر في طريقها , الباعة المتجولين يمرون بهدوء تميزهم حاجياتهم المحمولة ، المارة الجميع يمضي محني الظهر , لو أن نجمة بدلت مكانها لما اكتشف أحداً ذلك .

أشجار اللبخ و النيم الكثيفة تنظر للمارة في احترام لكنها تدس المقاعد كما يخبئ بعض السكارى قنينة العرق البلدي , شارع النيل في هذا الوقت يسع جميع أصناف البشر , لا يهشهم بل يحفظ أسرارهم , يجمع الحجارة لمن يريد رميها و هو غاضب , يُنبت حشائش ” النجيلة ” لمن يهوى قطعها في جلسة حب و يمنحه بعض التعابير ليواصل التغزل , حتى إنه يدخن أعقاب سجائرهم و يقزقز التسالي , و يبارك اجتماعات الأسر , و لمسات العاشقين .

في إحدى نزهاتي الليلية الثرثارة أحياناً و التي يتخللها بعض الصمت و الغير محددة الهدف كنت أتمشى على طرف الشارع الإسفلتي وعلى البعد مني توجد أشجار لبخ كثيفة تُخبئ مقعد إسمنتي , لمحت ظلال شخصين يجلسان ليعطيان ظهرهما للطريق في مواجهة النيل , غير آبهين بالمارة كمركبين على اليابسة مثبتان ,راودني الفضول كعادتي , فكرت في أنهما عاشقين قديمين – لنقل أنني تمنيت ذلك – لأجد موضوعاً أتسلى به , ربما كان يواعدها أو ربما هو زوجها لكن ما تخيلته كان يخصني , إنه موعد غرامي و مؤشر الحب يبلغ ذروته الآن , يبدو أن ما يحدثه بها هو كلمات من أغنية أو كلماته بصوت خافت لكنها تتذوقه كعصير هذا ما يقوله الهدوء المرتسم على الظلين , هذا ما تقوله أنفاسهما المنتظمة , سأعتدي على خلوتهما , بينما رحت أتخيل وجودهما بكثافة .

تلك الوشوشة هي طريقتي في الكلام حينما أختلي معها , لم تكن المواضيع التي أختارها ذات جدوى نتحدث فقط في كل شيء. كانت تبدو على المسقط الجانبي جميلة و خصوصاً حينما يكسب الليل وجهها تبهيماً فتختفي بثور الشباب القليلة من على خدها و تنسدل طرحتها كاشفة عن قرط أذنها الفرعوني , أخبرها أن شعرها الأسود جميل و أنه لا ليل سيفصلني عنه ثم أمد يدي لأضعها على كتفها تسارع لإنزاله , أحكي لها عن النجوم قليلاً , ألمحها تستمع إلي و أشير إلى السماء التي تراكمت السحب عليها لأخبرها بوجود مذنب فترفع رأسها وأشبك أصابع يدي الأخرى بين أصابعها و حينها تتوحد أنفاسنا فلا أعود أتمنى الخلود و لا الأبدية أتمنى تلك اللحظة فقط .

خطوت تجاههما في هدوء و راح سيناريو يرتسم أمامي , كأنني رأيت هذا المشهد من قبل , حتى صرت على بعد متر منهما , كنت على جانب الشاب الذي كانت يده اليسرى تسترخي على كتف الفتاة التي انحسرت الطرحة عن رأسها كاشفة عن شعرها الأسود اللامع , غير أن العاشق الذي انتبه إلى وجودي أقف بجواره , أجفل و عدل يده و جلسته بسرعة بينما غطت الفتاة شعرها , صرخت لأنني لم أجد أحداً ..

ثم جلست على المقعد كنت لوحدي تماماً حتى سيجارتي التي أشعلتها لم أكملها ، دستها بقدمي و قد تشكل لدي انطباع حزين لأنني تخيلت كل هذا و سرت رعدة في جسدي و انتبهت إلى أن يدي اليسرى موضوعة بحنان على يدي اليمنى .

عن أيمن هاشم

mm
قاص وتشكيلي من السودان

اترك تعليقاً