الرئيسية / العدد الرابع والثلاثون / وداع على ضفة نهر السين

وداع على ضفة نهر السين

upload9334727636

مجاهد الدومة :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

***

لم  يكن يوماً مختلفاً عن بقية الأيام، في الصباح الباكر استقل الحافلة إلى حيث يعمل مدققاً لغوياً في جريدة المساء، كعادته كان ساهياً يحدق عبر النافذة، يمرر عينيه على اللافتات المعلقة فوق أبواب المحال التجارية باذلاً جهده كي لا يفوته قراءة أي مما كتب عليها، لم ينتبه وهو في شروده ذاك إلى عدد المرات التي توقفت فيها  الحافلة، من نزل، من صعد حتى أنه لم يسمع طقطقات أصابع  المحصل المتكررة طالباً منه قيمة التذكرة، لكن – ولكن هذه دائماً ما تحمل معها تغير في مجرى الأحداث – ما أن تسلل ذلك العطر إلى مسام أنفه حتى أيقظ بداخله ذلك الحلم، تلك الذكرى، الشاطئ، الأغنية، والشيء الأهم ملامح وجه الفتاة التي تنام على امتداد ذاكرته.

حدث ذلك في إحدى مقاهي مدينة باريس حين كان يجلس إلى إحدى الطاولات يدون بعض الملاحظات على الدفتر الذي أمامه فيما ينفض  من حين لأخر عقب سيجارته.

– أتسمح لي بالجلوس .

صوت عذب يعبر إلى أذنيه، ينتشله من بحر تركيزه، يرفع رأسه ليرى صاحبة الصوت، تصطدم عيناه بالفتاة الواقفة أمامه،الفتاة ذات الشفتين المطليتين بأحمر شفاه قرمزي، كانت عيناها متسعتان كمحيط، ترتدي فستان ابيض بدون أكمام، يصل إلى منتصف ساقيها، وشعرها الذهبي مسدل على  عنقها، تحمل في يدها زجاجة صودا فيما آلة غيتار معلقة إلى ظهرها، وقف مشدوهاً للحظة قبل أن يرد عليها باقتضاب وارتباك خفيف:

–   تفضلي .

– إيلينا، مغنية في فرقة بوب صغيرة، قالت الأخيرة بمرح وهي تصافحه و تستعد للجلوس.

– ينادونني جو، صحفي ولي محاولات في كتابة الشعر.

– شيء جميل، أنا أيضاً مهتمة بالأدب.

ثم دار بينهما حوار استمر لأكثر من ساعة، تطرقا فيه للأدب، الفن، و الحياة، عن دور إدواردو غاليانو في رفد الأدب بنوع مميز من الكتابات و محاولاته البديعة في رواية تاريخ أمريكا اللاتينية بطريقته الخاصة؛ استحضرا مقولات من كتبه و ناقشاها، تحدثا عن تشابه نمط الحياة بين أمريكا اللاتينية و أفريقيا الشيء الذي أدى إلى تشابه أدب وفنون القارتين، عن واقعية ماركيز السحرية و تقاطع شخوصه مع بعضها في اغلب أعماله، تحدثا عن الذاتية  التي يمتاز بها أبطال باتريك زوسكيند وعلاقتهم المضطربة مع العالم الخارجي؛ عن روايته الحمامة بالتحديد، قال لها مبتسماً:

 – لكل شخص حمامته التي يهابها.

–  الحمامة هي الأخر المختلف عنا، ردت عليه.

تحدثا عن الرسم، عن هنري ماتيس، فان جوخ، بيكاسو، عن الوجودية عند سارتر، عن الأديان، عن الفلسفة، عند نقد العقل عند كانط، كانا يتحاوران كأنهما يعرفان بعضهما منذ سنين، اتفقا أحياناً و تباعدا في الرأي أحياناً أخرى.

انتبهت إلى اقتراب موعد الحفل الذي تقيمه فرقتها لصالح مجموعة من الأطفال فاقدي الحركة، دعته ليرافقها، كانت لطيفة بحيث انه لم يستطع الرفض. في طريقهما إلى الشاطئ مرا  بمحلات الأزهار، المكتبات الصغيرة، معارض التحف الفنية. وصلا قبل العرض بخمسة عشر دقيقة، عرفته على باقي أفراد الفرقة ثم بدأ العرض الذي استمر لأربعين دقيقة، كانت الفرحة بادية على وجوه الأطفال وهم يتمايلون مع اللحن و صوت المغنية الهادئ، ليختتم بعد ذلك بأغنية تخللت كل مسامه، اهتز لها كل جسده أعجبته كثيراً.

بعد العرض جلسا على شاطئ النهر يرقبان مشهد الغروب وإعلان الشمس عبر تورد وجهها الأحمر انتهاء النهار، طلبت منه أن يقرأ لها إحدى قصائده، اخرج الكراسة من الحقيبة ثم قرأ:

ينبعث اللحن أكثر حزناً

لأنكِ لست هنا

كي تشرقي في فضاء الروح، الروح المرهقة

كريشة تملصت من جناحِ طائر.

في تلك الشقة كان صوت المنبه يعلو شيئاً فشيئاً وقبل برهة من استيقاظها حضنته و قبلت خده على وعد الالتقاء في حلم آخر، استيقظت إيلينا وكان أول ما فعلته أن دونت أبيات القصيدة العالقة بذهنها في دفترها، وفي الطرف الأخر من العالم استيقظ جمال وهو مضمخ بعطر العناق الأخير، به طرب للأغنية التي اختتم بها الحفل، الأغنية التي لا يعلم بأي لغة سمعها فأصطلح على تسميتها: ” وداع علي ضفة نهر السين”. منذ تلك اللحظة وهو يبحث عنها يومياً  حتى أوشك على نسيانها لولا أن باغتته رائحة العطر التي أعادت له كل شيء، فللعطر ذاكرة لا تهرم.

عند نزوله من الحافلة توجه بالحديث للصبية الجالسة على مسافة منه قائلاً: عطرك أجمل مما ينبغي.

عن مجاهد الدومة

mm
قاص وشاعر من السودان

اترك تعليقاً