الرئيسية / العدد الرابع والثلاثون / يا مريم .. أجيال تبحث عن العراق !

يا مريم .. أجيال تبحث عن العراق !

11038647_464636037050450_2352260683160882669_n

 راشد يسلم :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

تدور أحداث الرواية في يوم واحد لكنها تلتقط زماناً مداره سنوات ما بعد الاحتلال الأمريكي للعراق ، حيث يبتدئ بنقاش بين – يوسف المتشبث بالبقاء في العراق وعدم الهجرة إلى الخارج كما فعل الجميع ، وبين مها نزيلة بيته المتكوّن من طابقين في منطقة بدت شبه آمنة – عن الاضطهاد الذي يتعرض له المسيحيون في العراق ، في حوار بين جيلين مختلفين أحدهما يستند إلى ذاكرة تمتلئ بعبق أيام جميلة مضت ، وآخر محزون من صور واقع أفقده الأمل بكل شيء لدرجة السخرية من الرومانسية التي يتبناها الجيل الآخر ” إنت عمّو عيش في الماضي ” ، بين جيل يبحث عن عراق كان ، وآخر يبحث عن عراق يفترض به أن يكون ، ثم ينتهي اليوم بتفجير الكنيسة المجاورة لمنزل يوسف عبر الجماعات الإرهابية المتشددة .. ومقتله !

/

” أنت عايش بالماضي عمّو” ..

بتكثيف رائع وسرد يمتاز بدهشة الشاعر ودقة المترجم يحكي لنا “سنان أنطون ” الشاعر والروائي والمترجم المأساة العراقية منذ أجيال مضت ، متحدثاً عنها بلسان مجايليها ، متخذاً من الجملة أعلاه مدخلاً ثنائياً يتبادل فيه يوسف ومها السرد الذي ينفتح على أسئلة متوالدة عن هذا الوطن المتشظي ، هذه الأسئلة التي تتحول إلى منولوجات داخلية خصوصاً عند يوسف الثمانيني الذي عاصر ” تحولات زمنه العراقي منذ الزمن الملكي، مروراً بعهد عبد الكريم قاسم، وصعوداً تجاه الأخوين عارف، ومن ثم حقبة صدام حسين وما تلاها من تمزقات واحتراب أهلي وصل إلى القتل على الهوية، ومطاردة المذاهب والإثنيات والأقليات والقوميات التي كانت تتعايش في العراق منذ دهور غابرة ” قبل أن يعترف بحكمة السنون أن هذا الجيل هو جيل نزل من رحم الغيب إلى لحد المأساة دون أن ينعم كغيره من الأجيال بمهد اللحظات المضيئة .. مهد العيش بسلام رفقة كل الأديان والطوائف في بلد احتضن الجميع ، ” يجب أن أسامحها، فزمانها غير زماني، وشبابها غير شبابي، هي فتحت عينيها الخضراوين على الحروب والحصار وذاقت طعم القحط والقتل والتشرد مبكراً، أما أنا فقد عشت أزمنة الخير وما أزال أتذكرها وأصدق بأنها حقيقة ” .

/

حينما ألتقط سنان حادثة اقتحام مجموعة إرهابية مسلحة كنيسة سيدة النجاة في منطقة الكرادة في العاصمة العراقية بغداد في العام 2010 أثناء قيام المصلين بأداء الشعائر الأخيرة من قداس داخل الكنيسة وقتل عدد كبير منهم ، وجعل منه الحدث الذي كتبت لأجله الرواية ، لم يأخذ هذا الحدث مساحة كبيرة من السرد ، بل توغل فيما هو مطمور ؛ فسنان أنطون كعادته وكما في ” وحدها شجرة الرمان ” لا يحمل المسؤولية لدين معين أو طائفة معينة بل يجعل جريمة إضاعة العراق ذنباً يتساوى فيه الكل ويدفع ثمنه الجميع دون فرز

/

رغم أن هذه الرواية – في رأيي – أقل من وحدها شجرة الرمان ، لكن الكاتب لا يزال بنفس البراعة يطعِمُ نصه بالكثير من أبيات الشعر والمواويل العراقية الحزينة التي تخترق القلب دون استئذان …

( يا كليبي سل وذوبْ / ون وتفَطَر / وإجري الدمعْ يا عينْ من جفني الأحمرْ / نوحي نوحي نوحي على العافوج يا روحي نوحي / ياللي طلِعت زعلان گُلي اش مرامَك / كل ما رِدِت ممنون يُحكم غرامك / خلي اليِلوم يِلوم ، گلبي يحِبه / شِلها غرضِ الناس كُل من بدربَه / ولفِي تركني وراح / مِن هو اليجِيبهْ / وأبداً ما لِحْ عليه هو وحبيبهْ / نوحي نوحي نوحي على العافوج يا روحي نوحي / بالبَحر طاح وراح ، مفتاح الگُلوب / صبر الصِبرتَه عليك ما صَبره أيوب )

/

” يا مريم ” هي الرواية الثالثة لأنطون المولود عام 1967 بعد روايتيه “إعجام” و”وحدها شجرة الرمان”، وبعد ديوان شعري “ليل واحد في كل المدن”، وقد ترجمت كتاباته إلى الإنجليزية والألمانية والنرويجية والبرتغالية. كما ترجم هو أشعار محمود درويش وسركون بولص وسعدي يوسف وغيرهم إلى الإنجليزية، ويعمل أستاذا للأدب العربي في جامعة نيويورك منذ العام 2005.

عن راشد يسلم

mm
سوداني .. مُصابٌ بالديانّات .. والشُرودْ . أكتُب .. لأن هذِه الصحراءُ شاسِعةٌ وأنا لا أجيدُ الغِناء .

أضف تعليقاً