الرئيسية / العدد السادس والثلاثون / أترك بحر المحبة رهوا

أترك بحر المحبة رهوا

  Chloe-Mayo-painting-550x547

طلال الطيب :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا 

**

رسمت  جهنم  كما  أتصورها : جمامجم  تحترق , أفخاذ تذوب  , أعين  سوداء   فارغة , جمرات  تحرق  حوالي 40 رجلاً  . إمرأة تفوح من  جمجمتها  النار  .. رسمت  عقارب  صغيرة تنهش  الأصابع  نهشاً , ورسمت  عنكبوتاً كبيراً  يفترس العصاة إفتراساً  .
 رسمتها  وأخفيتها بعيداً عن  الأعين   في ظلال غرفتي المعتمة . في الشتاء  كنت أشعر  بالدفء كلما  رأيتها   فالأحمر  الذي في  اللوحة   يبعث  على  الدفء  , رفضت  أن  أبيعها  لصديقي  وشعرت   صديقتي   بالرعب  منها ، أما  الخادمة الأثيوبية  لما   رأتها   بكت  وصرخت :  يا للمسيح  !
أحد  الشباب ..كان  يحب التحدث  معي أخذ  سيجارة من  علبة  سجائري عندما  رآها قال :  أنت  تبالغ  .

أغرمت بها  حتى  ظننت  بأنها  سوف  تكون  عملي  الإبداعي  الأخير , لكن الأمر  لم  يكن  كذلك  , أخذت  أرسم  وأرسم  حتى  أفلست ولم أعد  أستطيع  شراء  ما  أحتاجه  للرسم !
أصبحت  عندي 17 لوحة  وثلاجة  فارغة و  دافئة  ونور مقطوع   .
عندما  دقت  صديقتي  الباب وجدت  شقة  رثة وعلب  تونة  متناثرة  في  الأرجاء  ورأت  فئران  تتشاجر  على كسرة  خبز و كنت  مهترئ الثياب مثل متشرد  .!
كانت اللوحات  الجهنمية  تحيط   بي  , لونها  الأحمر   ظاهر على  جلدي  . جمعت كل  اللوحات بينما  كنت  نائماً ونظمت  معرضاً  فنياً .
أخبرتني أنها   تريد  بيعها، فهززت  رأسي وحركت يدي  بمعنى  لا  بأس  .! كان  من الممتع  رؤية  صديقتي وهي  تنظف  جعلني  هذا  أحب  أنوثتها  . كنت أشعر  بأن  شعرها  الأسود له طعم السكر  شيء  يمكن  تذوقه ، أما  عيناها الذكيتان  فكانت  تشبه  الأوراق المترعة  بالقصائد  , أظنني  أحببتها  من حيث  لا أدري .
أخبرتني  بأن حالتي ليست  سيئة  لكنها  تظن  بأني في حالة  صدمة أو  ذهول ثم  قالت  : أرهقت  نفسك .! لم  أستطع  التحدث  إليها  ؛  اكتفيت  بالنظر  إليها  من  الباب  وهي  تنزل عبر  السلم  .!
عندما  أغلقت  الباب رأيت فأراً يرتجف ألماً ودمه يسيل بجواره ببطء  , و كنت أسمعه  وهو  يحاول  التنفس . القطة( مياو ) التي تتسكع في شقتي  دائماً ، رأيتها  بجوار النافذة تنظر  للغيوم بكسل وتلحس يديها كما اعتادت فلاحظت بأني أنظر  إليها  , فالتفتت إلي وحركت ذيلها بود , وعندما نظرت إلى الفأر رفعت  رأسها   تسألني : هل  تريد أن  تأكله ؟
قلت لها  :  ألا تريدين أن  تأكليه ؟
أخذ  الفأر يحرك رجليه كأنه يهم بالنهوض والجري , فتحفزت مياو وكأنها رأت في محاولة الفأر للنهوض وقاحة لا تغتفر , فشل  الفأر وأخذت قوائمه ترتجف مجدداً، فنظرت إلي  :  سوف أتركه  لك  .!   ثم  قفزت عبر  النافذة  وتركتنا  نحن الاثنين .!
كان يبدو  هشاً وضعيفاً ؛شعرت  بأني لو دهسته  بحذائي  سوف أخلصه من عذابه ! على الطاولة  حجر منحوت ومصقول على شكل حبة قمح , أخذته . كان صلباً بحيث أنه سوف  يحطم  رأس الفأر الصغير في  غمضة عين .

 شعرت بأنه يعرف  ما  أود  أن أفعله  به   فكف  عن الحراك  وبعينيه السوداوين الصغيرتين أخذ ينظر إلي  ثم  ينظر  إلى الحجر ولكني  توقفت تذكرت  بأني أظن بأن القتل  الرحيم   شيء   فظيع ، عندما  أزحت عن الفأر الحجر أخذ  يحاول النهوض  مرة أخرى لكنه فشل  .
أحضرت دفتر  الرسم  وقلم الرصاص بدأت أرسمه , رسمت أثار مخالب مياو  السطحية على  بطنه البيضاء  , أذنه الصغيرة ,شواربه , الدم الذي  على  فمه , ذيله المحطم .أسنانه التي  تظهر  بيضاء رغم الدم الذي ينز عليها. رسمته  قد نهض ووقف على رجليه .! وكانت  جثته في مكانها وأنا ألون اللوحة ؛ لم  أحركها  تركتها  لمياو  التي عندما عادت أكلته  و رأيتها  في  الصباح   تنظر للوحة التي  رسمتها .كانت ترى فأراً ينجح في  النهوض  رغم  جراحه  فحركت  ذيلها علامة استحسان للدقة التي رسمته  بها أو أنها  تجاملني  لأنها  تعتبرني  صديقاً .
 لكنها  عندما  جلست عند النافذة نظرت إلي نظرة ماكرة  عرفت أنها  تبتسم  بصلف وتقول :  لكنه  لم ينجح !
فقلت  لها  :  لقد  حاول  ؛ حتى النهاية  كان يحاول  . ثم أغمضت عينيها وقالت : ميااااو  ؛ يعني  لا تزعجني  بسيرة هذا  الفأر !
عندما  دخلت  الانترنت اكتشفت  بأن اللوحات التي رسمتها أثارت جدلاً كبيراً , كل هذا  الاهتمام   من المعجبين بها أو المتحفظين تجاهها  أرعبني . شعرت  بالفزع  وأنا  أرى  صورتي  في كل مكان !
بالطبع سوف أعتذر عن أي حوار صحفي أو إذاعي , أن تكون مشهوراً أمر مخيف . سوف أبقى  في  شقتي  بلحيتي الطويلة وثيابي الرثة مع  مياو .

اتصلت بها  سمعت صوت  رياح  تهب  بجوارها  أخبرتني  بأنها خرجت من المدينة من أجل  العمل , قالت  بأنها  سوف تقدم  تقارير عما يحدث في غرب البلاد : بإمكانك متابعتي  عبر حساب القناة  على اليوتيوب .

 كانت تعمل مراسلة لقناة فرنسية ناطقة  بالانجليزية . أحيانا أنسى  طبيعة  عملها  ,فعندما  أراها  أظنها لا تعمل , و السبب أن  لا عمل  لي  غير الرسم  ؛  لهذا  أظن  بأن الجميع  لا عمل  لهم .!
قالت بعد  أن إختفى صوت الريح وسمعت ما يشبه  صوت محرك سيارة :  هل  أنت  بخير ؟ ، خفق  قلبي عندما  أجبتها  : أنا بخير أفتقدك  فقط .!، ضحكت وقالت  كأنها  تدير دفة الحوار  بعيداً عن جزر الأشواق التي بدأت تلوح في الأفق :  لقد  نجح المعرض  الفني الذي نظمته ؛ و بعت كل اللوحات عدا واحدة قررت أن أحتفظ  بها  لكلينا  , المهم  بعد  أن أعود  إنتظرني .!
_  سوف أنتظرك .!
_  اعرف  بأنك  تحب  أن  تظل في قوقعتك  لكن  أنصحك بأن تلبي أي  دعوة   سواء  كانت  ندوة أو مؤتمر صحفي أو حتى لقاء  تلفزيوني ؛ لأن هذا الأمر سوف يجعل الضجيج  الذي يدور حول  لوحاتك  الآن  أقل , إن  لم يختفي …إلى اللقاء .
تابعتها عبر اليوتيوب . تقدم  تقارير عن  مدارس من القش  تلاميذها يجلسون على الأرض ,و معلموها لا يجدون طباشير يكتبون  به ، و تقارير عن  قرى  أحرقت  وأخرى  هجرها أهلوها , وقرى ليس  فيها  ولا رجل  واحد  غير  نساء تعرضن ذات مرة للاغتصاب ، حتى  أنها قامت بلقاء مع  أحد  مجرمي الحرب , كان ملثماً ورغم  ذلك  كان يبدو مستمتعاً بوقوفه أمام الكاميرا  .
هي :  هل صحيح  بأنك أنت  ورجالك  تقومون  بنهب المواطنين واغتصاب النساء ؟
يضحك هو  والرجال الذين يقفون خلفه وقال :  لا أبداً نحن  نساعد  الحكومة على  قمع التمرد حتى يعود  الاستقرار لهذا  الإقليم وتدورعجلة التنمية .!
_ لكن  هناك  شواهد  كثيرة تدل  على أنكم تفعلون  ذلك .!
تختفي ابتسامته وينظر  إلى الأرض كأنه  يبحث عن إجابة : نحن مواطنون صالحون , نحن من أبناء  هذه  المنطقة ما حملنا السلاح  إلا دفاعاً عن أنفسنا من المتمردين الذي لا يريدون الشريعة الإسلامية , وأنت مثلاً تعملين لقناة صهيونية تكره  هذا الوطن وتريد  تفتيته ,لماذا  تعملين  في مثل  هذه القناة  ؟
بعدها   أمر بوقف التصوير وبذلك  انتهى الحوار . و لم  تعد  هناك  تقارير ترد  منها ولا خبر  لي عنها ,ولا فائدة من الاتصال  بها .فأخذت  أنتظر مجيئها   .
عندما  وصلت  إلى هذا الحي وسكنت  فيه  رأيت  رسوماً  لمصارعين ومطربين على الجدران ، بينما  كان بعض شباب الحي  يكتفون  بأن يكتبوا  أسماء مغني  الهيب هوب و أسماء  عصابات شوارع  هم  من أعضائها ؛ وأبناء  أي حي يكونون عصابة يطلقون  عليها إسماً  ثم  يعلنون  بأنهم  يسيطرون على الحي  الذي يسكنون فيه وكلما كثر  أفراد  العصابة  كلما كثرت الأحياء التي يعلنون  بأنهم  يسيطرون عليها ,بينما  هم  يفعلون  ذلك  كان  هو  يرسم ,لم  أعرفه  ولم  أسأل  عنه . حتى  رأيته  بالصدفة يرسم بعض  الأسماك  والبيض والزبادي  وزجاجات كوكاكولا على  جدار  دكان  أدم .
كان شابا ً صغيراً ربما  كان عمره  18عاماً  ,أنا  لا أحب كلمة مراهق  أظنها  كلمة  معتمة ومظلمة  ؛لأن الكثيرين في مثل  عمره  يكونون أكثر ذكاءً  ونباهةً من الكبار  .
ما   يرسمه  كان جميلاً , ولأني  شعرت  بأن من واجبي أن أعلم هذا الفتى  شيئا ًمما تعلمته  قررت  أن أصبح  صديقاً  له  وليس  معلماً  فقط  .هو لم  يكن اجتماعياً  ولم  يكن  ينظر  للرسم  بجدية  بل  يمارسه  في وقت  فراغه  وأحياناً  تمر  أشهر  كثيرة  من غير  أن  يرسم  شيئاً ؛ فهو  لا يحلم  بان  يصبح  رساماً.
على كل  حال  أصبحنا  صديقين  وبعد أن أكمل الثانوية  أصبحت له  رغبة  بأن  يصبح  مختلفاً، المختلفون  دائماً يجذبون الفتيات هذا  ما  قاله  لي ، لكنه  عندما  بدأ  يرسم لم  يهتم  بالفتيات  وأصبح  يدخن  ولست  أنا  السبب  فهو  كان  يدخن سراً قبل أن  ألتقيه  لكنه  فقط أصبح يشاركني  علبة  سجائري  لأنه يكمل  علبته  بسرعة .
عندما  رأى اللوحات التي  رسمتها  عن جهنم  قال :  أنت  تبالغ  ؟ من  أين جاءتك  الفكرة  ؟، قلت  :  من  القرآن الكريم  .   قال بذهول مرح  : هذا  رائع  !
ثم أعطاني  لوحة   رسمها ؛  كانت  عن صديقتي  وهي  ترتدي  قميصاً قطنياً  قصيراً  و  تنظر  إلي  وأنا نائم  على الأريكة . كان لون قميصها  بنفسجياً ,بشرتها السمراء يسقط  عليها ضوء المصباح الكهربائي , قدميها حافيتين ,وعلى الأرض وسادة ودفتر صغير  لونه  أزرق  وقوقعة بحرية , ودمية من القطن .
قال  لي وهو يتجه نحو  الباب  : إنها هديتي  إليك ,لأني  سوف أسافر إلى دبي .!
ثم بسرعة أغلق الباب لأنه  لم  يرد  أن  يبدو  متأثراً أو أن  يبكي  كما  أنه  لا يريد مني  أن أقول  له بأني  سوف  أشتاق  إليه  كثيراً ،لاحظت بأنه  لم  يترك  توقيعه  على اللوحة ، فقط  كتب  عليها بلون أحمر . مني   مع الحب  .!
هل  هي  اللوحة  التي  لم  تبعها  وقررت أن تحتفظ  بها  من أجل كلينا ؟
عندما فتحت الثلاجة وجدتها   فارغة  وأخذت  مياو  تنظر  إلي  ؛ تقول لي  :  الآن  سوف  تشتري  الطعام .!
أخذت دشاً وسرحت  شعري  وارتديت  ما  يناسب صاحب دكان يحب إزعاجي ولكنه  يحبني  رغم  ذلك  . والسبب في ذلك أني  لا أتعامل  معه  بالدين أبداً و أشتري منه  ما  أحتاجه  بكميات  كبيرة .يقول لي :  أنت تشتري مثل الخواجات ! 
وعرف  أدم  بأنه مهما  أزعجني  فإنني  لن أترك التعامل معه .في  الواقع أدم  لا يعرف  بأني  أستطيع  أن  أتحمل  مئة مثله  لأني أعرف  بأن أي  خلاف بيني وبينه إنما هو  خلاف  في درجة الوعي . لا أقصد بأني  أكثر  وعياً منه , لكن أدم  له وعي  لا يتحمل الخلاف  ولا يصبر على الاهتزازات التي  قد  يحدثها المنطق  في ثوابته  .
ذات  مرة  طلب مني  أن  أرسم له  بورتريه    , قلت  له  سوف  أفعل  ذلك  مجاناً  بشرط  أن  تحضر  لي  الأدوات  وأن أحتفظ   بها  في  النهاية  ، قال  : موافق  ..مستعينا  بصورة  فوتغرافية   له  رسمته   بدقة  حتى  قال  الناس : بأني  رسمته  كما  خلقه  الله  !
أدم  يحب الفخر  ويسعى  دائماً  للتميز ،هذه  اللوحة أثارت جدلاً في  الحي  وجعلت دكانه  مختلفاً عن  بقية  الدكاكين  . حتى  جئت  ذات يوم  ووجدته  قد محى الرسم  بالطلاء  !  لأن  أحد  طلاب  العلم  الشرعي نصحه  بأن  يمسحها  فالملائكة  لا  تزور الأماكن التي   فيها  صور  .وأن  الله  لعن المصورين .!
قال  لي  :  لقد  أقنعني  هذا  الولد  بأدلة  شرعية كثيرة .! ضحكت  وقلت  له  : أعطني   صابون  حمام   فالملائكة  لن  تزور  دكانك على  كل  حال .
قال  لي  :  لماذا  ؟   قلت  أنظر   لهذا  الوجه  الحسن ! وأشرت  إلى علبة الصابون  ،  لو أردت  أن تزورك الملائكة  سوف  تضطر ؛ لأن تحرق  بضاعتك  كلها ،ونصحته :  لا تدع  أصحاب  الهوس  الديني يجعلون  حياتك  صعبة !
ثم  تركته يحك  رأسه وينظر إلى  الأرض  يفكر , لعله  ندم لكنه  لم  يطلب  مني   أن أرسم  له شيئاً مرة  أخرى .
سلمت عليه   بتحية  الإسلام  فلم   يرد  علي  إلا   بقوله  : وعليكم  ،ثم  رمى نحوي   بالجريدة  وقال :  لقد  أصبحت مشهوراً ؟
الجريدة  كانت  سخيفة  بامتياز  ورغم  ذلك  هي  الأكثر  مبيعاً، مانشيت  عريض  لونه  أحمر يقول : إمام مسجد , اللوحات  التي  تصور  جهنم  دليل  كفر  بواح !
قلت  له  :  أدم , دائماً  تحدث  كارثة عندما  يتحدث  بعض رجال الدين  في الفن  والسياسة ,غير  أن  هذه  الجريدة   تحب  أن  تخلق من  زوبعة  صغيرة  إعصاراً مدمراً.!
قال  :  لا أعرف  لماذا تحب  أن  تشتهر  على  حساب  ثوابت الدين  .
_  أدم  لا  أريد  أن  أتجادل  معك  . أريد  أن  أشتري ما  أحتاجه فقط  .
نزع  من  يدي  الجريدة  وقال ببرود  :  طلباتك  ؟
تركت  الباب موارباً  من  أجلها , كل  شيء  يخبرني  بأنها  ستأتي  الشمس  كانت   دافئة كما  تكون  في  فصل  الشتاء , حوض الزهور  الذي تنبعث منه  رائحة الطين  أخبرني  بأنها  ستأتي  . دقات  قلبي  أخبرتني  أنها  ستأتي !
العصفور  الذي  غرد بجوار  القطة  وهي  نائمة  أخبرني  بأنها  ستأتي . لابد أن  يأتي  الحب   قبل  الخوف , لابد  أن  تأتي قبل أن  أغفو  وحيداً في  فراشي .سوف  تأتي في  العصر  في هذا  الوقت الذي تحفه الملائكة  .
كوب  القهوة الذي  تفوح منه  رائحة السكر  والحليب أخبرني  بأنها  ستأتي , منذ  متى  كنت أشرب  القهوة وأنا  أبتسم  كمن  تذوق  نبيذ عمره ألف عام .!
جاءت قبل  نهاية كوب  القهوة  بقليل  ,خلعت  معطفها ووضعت اللوحة على الكرسي وبهدوء  تعانقنا , ثم  نظرت إلى  وجهي  وأخبرتني  بأنها  اشتاقت إلي . عندما  جلست  على الأريكة و خلعت حذاءها الأسود  اللامع فاحت  رائحة الرمل ورأيت  عند  أصابعها  سلاحف صغيرة ملونة تجري فوق  بشرتها ونجمات  بحر  حمراء وبيضاء ملتصقة  بكعبيها , وسمعت  صوت النوارس وكأنها  تطير  من  حولنا  ولم يكن  بجوارنا بحر ولا نورس  غير أصوات أجنحة الحمام  الذي  يرك  فوق  سطح العمارة !
كانت  ترتدي  بنطلوناً من قماش قوي مثل الجينز جذبته نحو الأسفل  ساعدتني بخلعه فهبت على  ساقيها وفخذيها زوبعة صغيرة ونقية من الهواء .
وحدها  خلعت قميصها الأفريقي  المشجر , لم  يعد  هناك  شيء ,و لم  يكن  هناك صمت ؛ كان هناك  صوت جريان الدم  ودقات القلب وضجيج النور الذي  يشع من عينيها  والفرح  الغريب الذي ظللنا  بأجنحته  البيضاء .
نزعنا من  بعضنا  ثياب الحزن  والقلق  والخوف , شعرنا  بأننا  نشرب  من الكأس  المقدسة , وأننا  نشعر  بعشب الجنة يلامس  جسدينا .!
في  الليل  تدثرنا  من البرد  بملاءة  واحدة وكنا نشرب القهوة من كوب واحد ,وأخذنا   نتحدث..كانت الكلمات  تتساقط  من  فمي و هي  يعجبها  الغزل  وتصبح  به  أجمل  , حتى أنها  بدت  جميلة مثل إلهة إغريقية .!
قالت إقرأ  لي  من بعض ما تكتبه  :
لم يكن الدفتر الأزرق  بعيداً عني . وأخذت  أقرأ  لها  :
في  أمريكا  في مدينة  هارلم  ولد  لجورج الميكانيكي ولد  سماه  مايكل جاكسون , وعندما  أخذ  مايكل يلعب  مع  أترابه  كانوا  ينادونه  مايكل  جاكسون  , وعندما  أصبح يشبه  مايكل  الجاكسون  كان  الناس  يخبرونه  بأنه  يشبه  مايكل  جاكسون , صديقته  أخبرته بأنه يرقص مثل  مايكل جاكسون , حصل  على عمل  في  فندق خمسة نجوم  ؛لأنه  يشبه  مايكل جاكسون  .
  فشعر  بأن هويته  تضيع  وتذوب فقرر  أن  يغير ملامح وجهه فدفع لطبيب تجميل مكسيكي ينسى دائماً ملاحظات زبائنه ألفي دولار ليغير ملامح وجهه ويجعله  لا يشبه  مايكل  جاكسون  .
بعد  العملية  أصبح  يشبه مايكل جاكسون  أكثر  وعندما  مات قال الناس  : بأنه  مات  مثل  مايكل جاكسون كان  يبحث عن نفسه  .!
قالت :  أظنها  قصة  حزينة ثم ابتسمت   .! تذكرت  بأنها أخبرتني  بأنها  ستسافر إلى  هولندا فقربتها  إلي أكثر وأخذت  أنظر  إلى النجوم عبر النافذة  ربما أرى شهاباً  يمر  فأتمنى أن  لا  تسافر .!
ما  أراه  الآن  تناسبه  موسيقى  تذكرك  بأن كل  شيء  يمكن أن يطفو  في  الهواء , حقائب  السفر  والطائرة  والحبيبة المسافرة واللوحة  ,كلها  ستطفو  في  الهواء  وسوف  تظل  هناك  ولن تتحرك  إلى أي  مكان  .!
 همست  في  أذني : منذ  تلك  الليلة أشعر  به  داخلي  ,أشعر  بروحه الرقيقة مثل الضوء وبوزنه الخفيف  مثل  قبلة  ؛أنا حامل  بابنك !
والطائرة تشق طريقها نحو السحاب تخيلتها  تنظر إلي عبر النافذة فلا ترى إلا  أضواء  المدينة و روح  البلاد  في عتمة النهر  .
شربت  قهوة  بجوار  ابني  الذي  لم  يولد  بعد  , وكأننا  عندما  نرجع  معاً  سوف  نجدها تنتظرنا !
أمام باب المطار  اعترضني  حوالي عشرون  رجلاً ,نادوني  باسمي  وأخبروني بأنهم من جهازالأمن والمخابرات ,لم أعرهم إهتماماً ,كنت منتشياً بما سمعته منها والشر بعد  الحب  يمكن أن يأتي ؛ هذا إن لم يكن أمر المؤمن  كله  خير .!
في عربة  تليق بجنرال في الأمن الوطني  ركبت ,وأخذت أبواب  السيارات تغلق  تباعاً , ما  لاحظته  بأنهم  لم  يقيدوني وتركوني  أتأمل صوت السيارة  وهي  تنطلق  بسرعة  بهدوء , حتى أنني  كنت أنظر للشارع  عبر الزجاج المظلل  .
الضابط  الذي  بجواري راق  له  هدوئي  فتأملني كما  قد يتأمل  أي  رجل  يبدو واثقا من  نفسه .!
وصلنا  إلى مكاتب جهاز  الأمن , أجلسني  الضابط  في  مكتب  متسخ  وليس فيه  مكيف  هواء  وقال  : إنتظر  هنا ؛  سوف  يأتي  من  يتحدث  معك !، ولوقاحتي لم  أنتظر  أحداً ؛  جلست  وأغرقت  نفسي  في  تلك  اللحظة , التي طوقتني فيها بساقيها وطلبت  مني أن لا أنهض  عنها حتى أغرق محارتها  بالماء !
مرت ساعات ولازلت أغرق  نفسي  بها  وباللوحات وبذكرى قصائد  حفظتها وأفلام شاهدتها  , كنت أرفه  نفسي بمخيلتي ولم يكن الأمر  صعباً.!
حتى جاء ضابط  أخر  ونقلني  إلى  مكتب  نظيف وقدم  لي كوباً من الماء , ومسحت عن وجهي  العرق بمنديل ورقي  من علبة كانت فوق طاولة , ثم جاء رجل  على  كتفه  أربعة نجوم أعجبتني  طريقته  في  مسك السيجارة  كأنه  يعلن أنا  ممل  جداً  !
سألني  :  هل  أنت  رسام ؟
أجبته :  أنا  أرسم .
_ نعم  لكنك من رسم تلك اللوحات عن جهنم  .
_صحيح .
_  لماذا  رسمتها  ؟
_ كان  لابد  أن أرسمها  , أظن  بأن اللوحات هي  التي تطلب مني أن أرسمها .
_  هكذا   إذن !
_  بمعنى الرسام  لا يكون حراً في اختيار لوحاته  هي  تختار  نفسها .
_  أنا  لا أفهم في الرسم كثيراً ,أنا أفهم  في  الأمن القومي  .هل  أنت  تفهم  في الأمن القومي  ؟
_  لا  .
دهس سيجارته بحذائه  وقال :
 جيد ,  أنت  مثلاً  تهدد  الأمن القومي ؛  لأن  لوحاتك أثارت غضب أشخاص كثر _ أنا  أحدثك بصراحة _ هؤلاء الأشخاص  لهم  علاقة  قوية بنافذين  في الحكومة .قالوا  :  أقتلوا  هذا  الرجل   قبل أن يقتله  أبناؤنا ؟
ضحك الضابط  وهو  يقدم  لي كأس  من الماء وقال :  هؤلاء الناس حمقى ولهم أبناء  أكثر  حماقة  منهم  أي  واحد  منهم  يتمنى أن تكون تذكرته لدخول الجنة .
أخذت  رشفة  من الشاي ولم يكن  رديئاً , كل  ما كرهته  هو  لون جدران المكتب وكراسيه  السوداء  الفخمة وستائره  الفاخرة  والرجل  الذي  يتحدث   الآن .
_  قلنا   لهم  حسناً  سوف  نرحله من  البلاد . قالوا  :  لو طردتموه من البلد  سوف  يذهب  إلى  الغرب وسوف  تصبح  لوحاته الشيطانية أشهر  من  سلمان  رشدي .
أقتلوه .
_ إذا   لا خلاص لي  .!
ضحك  وقال  وهو  يضع  كوب الشاي :  لا  يا أستاذ ! إسمع في البيت عندي  أطفال  صغار و عندما  بدأت  أسمع  بك : سألت  نفسي  لماذا  هو  مألوف  لدي  ؟ حتى  طلبت  تقريراً عنك  .فعرفت بأنك  كنت  تعمل  رساماً لبعض مجلات  الأطفال  المصورة 
فطلبت  من ابنتي الصغيرة  المجلات  التي  عندها  , فوجدت بأن الأبطال  الخارقين  الذين ترسمهم  هم المفضلين  لديها .
وبالمناسبة هذه  مجرد  قصة أحببت أن أحكيها  لك  , أنا  معجب  بك  على كل  حال  ,ولكن  كل شيء  سيحدث  لك  إعلم  بأنه  أمر  تخطط  له  الحكومة وهو على درجة  عالية  من السرية , أنا  أنفذ  الأوامر   فقط  .قلت  له :  كله   بمشيئة  الله !
أخرجوني من المكتب  إلى  ما يشبه  حديقة  صغيرة  عليها هبطت  طائرة مروحية . من على متنها وهي  تقلع  كنت أرى ذلك الرجل  الذي  على كتفه أربعة نجوم ينظر إلي .
وفي  أقل  من  عشر دقائق  لم  أعد  أرى  أنوار  المدينة , بجواري كان يجلس  جندي  يرتدي ما  يرتديه العساكر من  ملابس , وأمامي  يجلس ضابطان ,لم أكترث بشيء وحاولت  أن  أستمتع  بكون الحكومة  تهتم  بي  وكأني  إرهابي من طراز خاص , الآن  أنا  في  قبضة الجيش  ربما المحطة القادمة  هي  السي أي إيه  .
ربما  أنا  مخلوق  فضائي  ولا أدري بأني مخلوق فضائي وأن الرجال ذوي الملابس السوداء  سوف  يأخذوني مقابل  تكنولوجيا يقدمونها  للحكومة .
غفوت محاولاً التكيف مع القيود  الباردة . في  الصباح  هبطت المروحية بالقرب ما  يشبه حقل  من الصبار  , فكوا عني  القيود وأخبروني  أن أمشي إلى  حقل  الصبار قلت  لهم  : أنتم  لن  تطلقوا النار  على  ظهري  أليس  كذلك ؟
ثم أخذوا  يتحدثون  مع  بعضهم  , وهم  ينظرون إلي أمشي نحو الصبار  وكأنهم  ينتظرون  مني  أن  أصل  إلى  هناك  ثم  يلحقون  بي  ويقومون بتصفيتي .
عندما  لمست الصبار أراحتني برودته  ولم أكترث بملمسه الشوكي , رأيت عصافير صغيرة  تشرب  قطرات الماء العالقة في شوكه حتى أنني  رأيت عنبكوتاً يحفر الرمل  ليتخذ  له  بيتاً  .

ثم  سمعت أصواتهم وهم يلحقون  بي كانوا يحملون سلاحهم ووقفوا أمامي  غير  بعيد  عني  وقفة رجل  واحد  ثم أخذوا   يطلقون النارعلي !.

عن طلال الطيب

mm
قاص من السودان ، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان " قيامة الرمل " 2015 م .

أضف تعليقاً