أزمة الأسرة

260311833

فوزي بسام :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

لماذا أصبحت الأسرة عقيمة ؟ لماذا لا ينطلق الإبداع من الأسرة بدل المدرسة ؟ لماذا انفصل جو الأسرة عن جو المجتمع ؟ لماذا جعلنا بيوتنا قبوراً ؟! لماذا لا يتطبع جو الأسرة بطابع رسالي دون أن يفقد جوه السكني ؟ لماذا أصلاً انفصل جو السكن الأسري عن الجو العام ؟

أسئلة من المهم طرحها ، في إطار معالجة قضية أزمة الأسرة في العصر الحديث ، حيث صار واضحاً اليوم ، بأنه في الوقت الذي ازدادت فيه إنتاجية الفرد الصناعية حول العالم ، لدرجة أن الموارد في كوكب الأرض ما عادت تكفي لتغذية هذا السعار الصناعي ، نجد أن الأسرة تعاني من أزمات خطيرة ، و مهما حاولت الحكومات (و بالأخص الغربية) أن توازن بين متطلبات وجودها و متطلبات صناعتها الحضارية ، فإنها تفشل …

و عليه فإن مشكلة الأسرة في العصر الحديث هو تجاذب متطلباتها مع متطلبات الحضارة بشروطها في العصر الحديث ، أعني وفق الشروط التي وضعتها الحضارة الغربية ، و كأن وجودها أصبح يعارض التقدم الحضاري في العالم ، و هذا يبدو واضحاً نظرياً ، بالرغم من حاجة الحضارة للأسرة ، لأنه المكون الأساسي للمجتمعات ، أو بمعنى أصح : عنصر الاستقرار في المجتمعات ، فلا حضارة بدون شبكة اجتماعية قوية ، لأنها هي التي توفر الإنتماء للحضارة ، و من ثمة توفر لها التوتر العملي العالي (و سنرى ذلك لاحقاً)

إن هذه المشكلة تتضح بشكل أكبر في المجتمعات الصناعية الكبرى ، حيث أننا نلاحظ فيه إهمال كبير للأسرة ، من الفرد قبل الحكومات ، من أجل تلبية متطلبات النجاح في هذه المجتمعات ،و بطبيعة الحال ، تختلف شدة هذا الأمر من مجتمع إلى آخر …

فالفرد اليوم صار لا يلقى القبول ، ما لم يكن له أثر في المجتمع ، ينتهي به في نهاية المطاف إلى إبقاء مستوى توتر الصناعة مرتفعاً، حتى تلك الصناعات الفنية ، صار لا يوضع لها اعتبار إلا لو كانت ستدخل ضمن الصناعة ، أو كانت ترفيهية استعراضية ، إلا في الحالات القليلة  التي تسعى فيها المجتمعات الحديثة لجذب الفنون من تحت رماد الصناعة ، لأنها بالأساس مرتبطة بالهوية … و على وجه العموم ، الجو الصناعي لم يقض على الفنون ، بل حرفها و أفسدها ، و لذلك كان حري بمن قال بأن الدين أفيون الشعوب كان عليه أن يقول أيضا بأن الفن أفيون الشعوب (خاصة في ظل انعكاس منطق العصر الحديث عليهما ، الذي أدى إلى تحولهما بعض الشيء)

إن كل من آدم سميث و كارل ماركس ، رغم اختلافهما في المنهج ، إلا أن اشتراكهما في المقصد ، الذي هو مزيد من الربح ، عن طريق مزيد من الصناعة ، بالتعاون مع مزيد من الاستهلاك (بحيث أن الصناعة توفر المواد للاستهلاك ، و الاستهلاك يوفر الطاقة للصناعة) ، وضعا الفنون بين فكي الأسد ، و الدليل هو تضمن الكيف في الكم ، في منطق العصر الحديث ، و من ثمة ضاعت إنسانية الفرد في العصر الحديث ، و بالأخص الفرد الغربي …

و على هذا الأساس وضعت هذه الثنائية الفرد (الغربي على وجه الخصوص) في مضمار التسابق ، المضمار الذي لا يعرف لا صاحبة و لا بنين ، لأن الصناعة في العصر الحديث لا تريد أي التزامات عائلية ، يمكنها أن تعيق اخلاص جهد الفرد لها ، و من الجهة المقابلة ، فإن الاستهلاك لا يقبل الاشتراك .

و إن كانت القيامة من مفهومنا الديني هي المعراج نحو الحياة الأبدية البعيدة (إما في الجنة أو في النار) ، فإنه يبدو أن الثورة الصناعية الغربية هي قيامة الفرد الغربي ، كما الحال مع الفرد المصاب بوباء العولمة ، و ما بعدها أصبحت حياة الخلود ، دون أن تكون كذلك واقعياً !… و سنترك هذا التناقض ليشرحه لنا أتباع ديكنز ، و سنمضي نحن في موضوعنا

فالفرق إذا بين القيامتين الأخروية و الدنيوية ، أو الدينية و العلمانية ، أن الدينية يمكن أن يجتمع بعدها أبناء العائلة الواحدة ، و ذلك على حسب أعمال الأفراد ، إلا أن أعمال الأفراد في الحياة الأبدية العلمانية (المزيفة) لا تنتهي ، و حساب أعماله بكل تأكيد لا تحده القيامة العلمانية ، بل كانت بدايته ! و لذلك فإن اجتماع أبناء العائلة الواحدة فيها لا يحدث إلا صدفة ! أو بفرمان حكومي تشجيعي ، لأجل إنقاذ المجتمع من خطر الشيخوخة و من ثمة الفناء  و الذي يبدو أنه لاقى سخرية كبرى ، و الدليل لجوؤهم للإستنجاد باللاجئين من كل دول العالم (و هنا جاز لنا أن نتساءل : هل هو استنجاد أم صفقة تبادلية ؟!) …

و ليحمدوا الله أنهم لم يتمكنوا قبلاً من أن ينوروهم التنوير الذي أدى بهم أنفسهم إلى تضييع الأسرة و من ثمة العائلة … و لكن من سينقذ العصبية المطلوبة في تماسك المجتمعات ، وفق شبكة الروابط الاجتماعية ، التي حاربتها المدنية الحديثة ، و أبدلتها بمركزية الدولة ، التي تعلي بدورها مجد الصناعة و الاقتصاد … ؟

مهما يكن من أمر ، يبدو أن مركزية الدولة ، قد شردت الناس ، و جعلتهم أفراداً متفردين ، بحيث أنه قد تقلص دور الأسرة إلى مجرد مفرخة للبشر! على أن يبقى واجب تربية النشء ، أو بكلمة أصح : برمجة النشء (من حيث ملاءمته للروية الوجودية الحديثة للإنسان في الكون ، و التي هي مادية داروينية) ملقى على عاتق المدرسة و الحضانة وووو …….. و مؤسسات إعادة التأهيل !

فلا عجب أن نرى إنساناً مشوهاً ، هو بالضبط إنسان داروين (أو ما يقارب ذلك) ، الذي يعاني من انحطاط ذوقه الفني ، و تشوه الحس الإنساني ، و شبه انعدام للنزوع الديني !

ذلك لأنه افتقد للأم الحنون ، و التي هي أساس استقرار الأسرة ، و التي ثارت بمشاركتها في ثورة البيكيني ، التي نحتفل بها كل عام في الـ 8 من مارس …بعدما اقتنعت بأن دور الأم لا يليق بها ، لأنه –على حسبها- لا يشارك في صناعة القرار من موقعها ذلك ! و لأجل هذا ، من جهة أوكلت مهامها لمؤسسات الدولة (و انظر مركزية الدولة أين ظهرت ؟ !) ، و من جهة أخرى ، لما اقتنعت بأن كيانها محض مادة ، و أنها من المادة و إلى المادة ، و لا تعيش إلا في واقع مادي ، لا اعتبار فيه إلا للمادة ، خرجت لتجعل حياتها كلها مسخرة للمادة ، بحجة إثبات الذات أو ما أسميناه سلفاً : المشاركة في صنع القرار !

فلا عجب أن نجدها اليوم تعاني من جفاف في المشاعر نوعاً ما ، و من ثمة اختفى حنانها من على مستوى البيت . و لأن فاقد الشعور فاقد للضمير ، و فاقد الشعور و الضمير لا يمكن أن يكون مبدعاً -و لكنه يمكن أن يكون مبتدعاً مفسداً ، فإن افتقاد الأم أو المرأة عموماً ، التي هي خزان الجمال و العواطف و الأخلاق ، و كانت الأسرة هي الحاضن الوحيد الصالح لها في الهيكلة الاجتماعية (و هذا لا يعني عزلها عن بقية كيانات المجتمع ، و إنما الأولوية للأسرة) ، و من ثمة أدى ذلك إلى فقد الشعور و فقد الضمير ، و بالتالي فقد الإنسان

و أكثر من ذلك ، فسدت الأسرة و انحلت بدورها العائلة (المهمة للحضارة كما قلنا سابقا) ، لأننا لا يمكننا أن نتخيل قيام أسرة سوية “بأخلاقها” ، على أنقاض أسرة كانت أصل نصفها ! فإذا افتقد الأصل فقد الفرع ، و إذا افتقد الفرع لم تقم الأسرة الجديدة إلا وهماً  ! فبعلاقات النسب و المصاهرة تتشكل شبكة روابط اجتماعية متشابكة ، بالإضافة إلى طبيعة العائلة العصبية ، تصبح العنصر القوي الوحيد القادر على المحافظة على استقرار المجتمع …

و عليه ، تبين أكثر من زاوية ، بأنه إذا فقدت الأسرة ، و أبعدت عن الصناعة الحضارية ، صارت الأخيرة كلها ابتداع فساد ، ثم فسدت بدورها …

و النتيجة النهائية التي نتحصل عليها ، أن العلمانية لما حاربت الأسرة ، بتمجيد الصناعة و الاقتصاد ، و تقديم أي شيء قرباناً لهما ، إلى أن وصلت إلى ثورة البيكيني ، أدى ذلك إلى جعل صناعة الأفراد كلها ابتداع فاسد ، لا تكاد تشتم فيه ريح الإنسانية ، و دليل ذلك هو طغيان الكم على الكيف ، أو طغيان التقنية على الفن ، و انظر كيف أن فيزياء الكم تحاول أن تحتوي الطبيعة ، و التي هي ابداع الخالق !

فإذا ، لما فقد الفكر الإنساني طابعه الرسالي ، فقدت الأسرة هذا الطابع ، و من ثمة تجمدت إلى أن تفتتت ، و انتشر جزيئاتها ساعية وراء الاستهلاك ، و صناعة المستهكلات ، في دورية جيولوجية صماء ، فأي منهج يحاول إبعاد الأسرة من الصناعة الحضارية ، هو منهج فاسد سيؤدي إلى تفكيكها و تفكيك العائلة قبلاً ، و من ثمة تضييع الإنسان في التيه … و لن تعود الرسالية ، و من ثمة إنسانية الفرد ، إلا بإدراك أننا لم نخلق عبثاً أو لكي نعبث استهلاكاً، و إنما خلقنا لأجل غاية عبادة الله ، و أن سنة الأسرة و العائلة جعلت لأجل هذه الغاية (و ليس لأن تكون هي نفسها غاية نفسها !)

لأنه قد ثبت بأنه لا وجود للإنسان من دون الأسرة …

و الله أعلم

عن فوزي بسام

mm
كاتب جزائري ، مهتم بالفكر و الفلسفة ... و التفكر بهما في خلق الله ، يبحث عن الحق و الحقيقة ، ﻷنه لا يستقيم حال إلا بالحق ، و ﻷن عز اﻷمة لا يستعاد إلا بالحق .

اترك تعليقاً