الرئيسية / العدد السادس والثلاثون / ألف لوحة ولوحة يجب أن تراها قبل أن تموت (9)

ألف لوحة ولوحة يجب أن تراها قبل أن تموت (9)

300px-Paul_Gauguin_030

ترجمة : أزهار أحمد

 لوحة “ لن نذهب إلى السوق اليوم” لبول جوجان

**

على غير العادة نقل بول جوجان في هذه اللوحة سلوكاً عصرياً دخيلاً على المجتمع التاهيتي الذي عشقه وكان يعتبره فردوسه المفقود الذي لم تشبه شائبة الحضارة والمدنية. ولكي يثبت الفنان اجتياح ما يسمى بالانحطاط الغربي لتاهيتي، رسم خمس غانيات مستريحات على مقعد طويل متباهيات بملابسهن وبطريقة جلوسهن المتمدنة وحتى حركة أيديهن وكأنهن يعبرن عن سلوك جديد ومختلف لسيدات محترمات، آخر ما يخطر ببالهن هو الإغراء.هؤلاء النساء يمكنهن أن يفعلن ما يردن وأن يبدين رغبتهن بكل وضوح في عدم بيع أنفسهن، لذلك سمى اللوحة “لن نذهب إلى السوق اليوم “.

بالرغم من أنه رسم بضعة صيادين بحجم صغير في خلفية اللوحة إلا أنها بدت مسطحة كما لو أنها إفريزاً مصرياً. وقد يكون سبب هذا تأثره بالحضارة الفرعونية،وخاصة أنه يملك صورة لمعبد مصري أخذها معه إلى تاهيتي. لعل أبرز ما يميز هذه اللوحة الواقعية الجميلة المليئة بالفرح والألوان حركات الأيدي التي تشبه الحركات المستخدمة في الرقصات الجاوية التي شاهدها جوجان وتأثر بها خلال المعرض العالمي في باريس عام 1889.فتعمد إظهار هذه الإيماءات لأن الرقص كان أحد الأنشطة التي منعها المستعمرون في تاهيتي.  في كثير من الأحيان،كان جوجان يصوّر دعمه واهتمامه بالثقافة الأصلية برسم رقصة أو أغنية من تراث السكان الأصليين، لذلك لم يكن سلوكه الانتقائي يواجه أية معارضات.

ولد الفنان الفرنسي بول جوجان عام 1848 وتوفي عام 1903. عاش حياة بائسة غريبة جرَّب خلالها الخدمة العسكرية والإبحار والكتابة والرسم. إلا أنه لم ينل حظاً خلال حياته، بل عانى من الفقر والمرض والتشرد.  آمن بول جوجان بحياة الفطرة وبأنه إنسان بدائي فبحث عن مكان يشبهه حتى وجد تاهيتي. 

حين سافر إلى تاهيتي التي أسماها “الفردوس” عام 1891 كان المستعمرون الفرنسيون والمبشرون المسيحيون قد دمروا معظم الإرث الثقافي هناك ولم يعثر على أثر لمعلوماته الأولى عنها، خاب ظنه قليلاً وكأن الحضارة لحقته إلى هناك وهو الهارب منها. لذلك حاول في بعض أعماله إعادة تشكيل تاهيتي عبر ابتداع الآلهة والأساطير.

” أريد أن أهرب من الأسئلة الباردة، وأرحم نفسي من الإجابات التي تحرق أحشائي.ولدت هارباً، ولا أعتقد أنني من أصل إنساني، لابد أن بين أجدادي عددا كبيراً من الطيور المهاجرة، فأنا لا أقوى على البقاء كثيراً في مكان واحد، لا أعرف ماذا يحدث، إن المكان نفسه يرفضني ..ينكرني”.

هذا صحيح، فمحاولات جوجان في الرسم والكتابة والتنقل تعبر عن شخصيته المبدعة القلقة الباحثة دوماً.

 

 

 

عن أزهار أحمد

mm
كاتبة ومترجمة من سلطنة عمان

أضف تعليقاً