ظل العروس

n4hr_13607796952

انجي علي:

للتواصل مع صفحة الكاتبة على الفيسبوك الرجاء إضغط  هنا

**

” زعموا أنّني خُلقتُ لكي لا أكون سوى ذلكَ الإناء

لاحتضان المني كأني مجرّدُ حقلٍ وَحَرْثٍ:

جسدي من غُثاءٍ وحَيض

وحياتي تَجري

مَرّة، صرخةً، مَرّة مَوْمأه.

ولماذا إذاً يكتُبُ الكونُ أسرارٓه

بيديْ عاشقٍ؟

ولماذا إذاً يولدُ الأنبياء

في فراشِ امرأة؟”

أدونيس

 خطوط البدايات تبدأ دائماً من لحظات الميلاد، من لحظة الغضب القابع في وجه الأب وسبه للدنيا ومن فيها، وأولهم الزوجة التي خرجت من غرفة الأشعة لتخبر زوجها بأن الطبيبة الغير عزيزة أخبرتها بأن نوع المولود أنثى..الزوج موظف في إحدى شركات قطاع الأعمال الحكومية،بمعنى أنه من هؤلاء المدعوين بمحدودي الدخل….

امتقع وجه الزوج، الذي كان واقفاً في الخارج في انتظار البشارة من زوجته ، وعند سماعه للخبر كاد الضيق الذي اعتراه أن يتحول إلى إعصار يهتاج ويثور فيهدم كل ما في طريقه ويبتلعه حطاماً داخل جوفه المغبر. لم يصدق الزوجة في بادئ الأمر وأصر على اقتحام غرفة الطبيبة الشريرة ،التي ألقت لعنة الأنثى عليه وعلى أيامه القادمة دون سابق استئذان، كي تصب بنفسها نفس الكأس المر الذي سكبته الزوجة بأذنيه منذ قليل مما جعله وقتها التمني لو أصابه الصمم. لم تفلح البرودة التي غلفت الغرفة كأنها قالب مربع من الثلج من تهدئة حرارة الزوج المشتعلة بأنفاسه.تلعثمت الطبيبة في بادئ الأمر من هول المفاجأة الساقطة عليها من حيث لا تدري ولكنها سرعان ما استقبلت وقع الصدمة البارز من بؤبؤ عينيه وعرفت من فورها أنه ممن قال الله تعالى فيهم “وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً فهو كظيم “، وحدثت نفسها إنني بالتأكيد لا أعيش في القرن العشرين، لا أعيش في عصر كافحت المرأة فيه وثابرت حتى صعدت الدرج الذي سبقها إليه الرجل من قبلها. شعرت بالشفقة على حال الزوجة التي ستعود معه إلى المنزل وفكرت ماذا سيفعل بها وبمولودتها التي تنتظرها التعاسة لاستقبالها على أكفها السوداء.فقررت أن تمنح الزوجة، شريكتها في المعاناة بعض الوقت وهو مدة الأربعة أشهر المتبقية على موعد ولادتها. كان السؤال الموجه لها من الزوج بكل برود وصفاقة:

 – هل أخبرتي بائستي التي بالخارج أن المولود الذي يحمله رحمها بنت؟؟!!

أجابت الطبيبة وقد بدا الضيق على وجهها:

– يا سيدي الفاضل إن الجنين الغائص برحم زوجتك يجلس في وضعية لم أتبين منها نوعه بصفة مؤكدة.. “ولأن العضو الذي تظن أنه مسقط رأس الرجولة ومنتهاها قد اختفى كل أثر له من على الشاشة” أكملت في سرها- ثم تابعت-ولكن عندما أصرت زوجتك على معرفة النوع أخبرتها بأن نوع الجنين قد يكون أنثى. لكن ذلك غير مؤكد بالمرة.

ها هي قد استخدمت الممحاة لتمسح ما كتبت على مسمع الزوجة في المرة الأولى والتي كانت على يقين مما رأته عيناها على الجهاز اللعين، كاشف المصير الموحش، بأن الحياة ستستقبل كائنة أخرى منبوذة وغير مرحب بوجودها على الأرض ثم أعادت صياغة الرواية كما أرادها الزوج ولكن ليس كما تمناها. ومن حينها قطعت الطبيبة على نفسها عهداً بأن تخفي الحزن الذي يسببه كشف هذا الجهاز الموقوت، والذي يكشف أيضاً من سوء الحظ عن عقول غاصت في التخلف ولم تفطن إلى طريق الطفو على السطح  بعد.. ومن ثم النجاة، وقررت أيضاً أنها ستمتنع عن إهدائهم الفرحة والتفاخر بما تحمله زوجاتهم من كائن يظنونه أسمى من نظيرته الأنثى، والتي لولاها لما رأت عيونهم نور الوجود، وأن بالأنثى والأنثى فقط تكتمل بهجة الحياة.وأنه لولا الجهل المقيم في بلادهم لكان تعلم بالمدرسة التاريخ القديم ولعرف ما للأنثى من قداسة.

استمع إلى جواب الطبيبة التي حاولت بإجابتها الحادة القاطعة أن تعطيه أمل كاذب لا محل له من الواقع، ولكن لا مفر له من أن يتمسك به قدر الإمكان.

في ذات الوقت الذي كان فيه الزوج بالداخل كانت الزوجة وحاملة لقب “الأم ” المستقبلي تنتظره بالخارج، رحلت بروحها إلى الزمن الماضي وندمت أولاً على سؤال الطبيبة عن نوع الجنين، وندمت مرة أخرى على إخبار زوجها الحقيقة وأدركت أن بعض الكذب ينفع أحياناً ولا يضر..من بعدها ذهبت بخيالها إلى الزمن البعيد وتخيلت أن المولود سيكون ذكر، ابنها وابن زوجها “البكري” وتخيلت الفرحة التي على وجه زوجها والرضا الذي سيصيبها جزء منه، لأنها ستنجب له الولد الذي حلم به، الولد الذي سيحمل إسمه ويفتخر به أمام أسرته التى تأتي من عمق الصعيد فورث عنها حب الولد وتميزه وتفرده واستئثاره بكل شيء- بدءاً بالحصانة الاجتماعية وانتهاءً بالسيادة على الكائن الأضعف، أو كما يظن- دوناً عن البنت.. إرث يحمل بطياته من الرجعية والعنصرية ما يكفي لتراجع مجتمعات بأسرها وسقوطها إلى قعر بئر التخلف والجهل. ثم تخطت بخيالها عتبة المستقبل ورأت نفسها على فراش المستشفى تحمل الذكر المنتظر بين يديها، وأم زوجها وأخواته البنات يحيطون بها، كرعايا بين يدي أميرتهم المتوجة. ورأت الابتسامة تملأ فمها رغم آلام ما بعد الوضع التي تأتيها من وقت إلى آخر، والتي لم تختبرها بعد ولكنها سمعت بها من صويحباتها اللاتي سبقنها إلى ذات الدورة التي لا تنقطع ما دمنا نحيا على وجه الأرض.رأت نفسها تحمل بين يديها جائزة القدر لها، الجائزة التي ستكفل لها راحة البال وزيادة قبول الزوج وعائلته لها طالما ظلت تدور في فلك الحياة الزوجية ولا يهم بعدها إن رزقها الله بإناث لا حصر لها من عدد. استفاقت من وهمها السعيد على صياح زوجها يناديها بأن تنهض ليذهبا إلى البيت..سبقها بخطوات وهو يتمنى بينه وبين نفسه أن تنشق الأرض وتبتلعه أو تبتلع السائرة خلفه بما تحمله في أحشائها..لا، لا لكنه يعرف الله كما يظهر لمن حوله، وادعى لنفسه أنه ليس من المعترضين باختيار رزق الله له وما لبث أن استعاذ بالله من شيطانه الرجيم وتراجع عن أمنيته القاسية وأخذ يدعو الله في ذات الوقت أن تكون الطبيبة صادقة في كلامها وأن يكرمه الله مكافأة له على الإذعان لأمره- والذي لا يملك غيره- بالولد. لا، لا يجوز التفكير بأمر كهذا لأنه رجل متعلم تعليم عالي ويحمل في يده شهادة جامعية، وكانت المرأة رفيقة له في مدرج الجامعة رأساً برأس. ولا زالت المرأة رفيقة له في العمل رأساً برأس، لكن ذلك لم يمنعه من التخلص من إرث اجتماعي متعصب يجري منه مجرى الدم من العروق، فيطل برقبته على الزمن الحاضر بين الحين والآخر.

جاءت الملاك البريء إلى دار الدنيا، وابتعد الحنق قليلاً عن وجه الأب وعن روحه حين حمل ابنته الجميلة بين ذراعيه ورق لها قلبه رحمة من ربها. وأعطى للأم فرصتها في اختيار الاسم، سرحت ونطق لسانها فجأة اسم “إعتماد”؛

– سأسميها إعتماد!!” ونظرت لها بعين تغسلها دموع الفرح:” ستكونين سندي في الدنيا، ويكون اعتمادي عليك بعد ربي يا “إعتمادي”

 والسؤال الذي يفرض نفسه الآن هل سيحسن القدر معاملة إعتماد، وهل سيكون لها حظ أفضل من حظ أمها؟!!

“إعتماد” على من آخر سيكون إعتماده على وجودك غير أمك؟؟!

رزق الله سبحانه وتعالى الزوج بزوج من البنين، وهو يملك في الله حسن الظن بأنها مكافأة له على رضاه بأمره، مكافأة على صبره وعدم الاعتراض والتذمر بخلف البنت البكرية التي تمنى من صميم فؤاده أن تكون” البكري”.. لكنها بالتأكيد لن تكون مكافأة لإعتماد، بل سيكون أحدهم ناباً من أنياب القدر التي ستغرز بلحمها وتنغص عليها بعضاً من حياتها فيما بعد، وسيعتمد دائما الصبر إعتماداً كبيراً على قوة احتمالها ومدى إصرارها على الصراع ومن ثم الانفلات من تحت براثنه المفترسة.

مرت سنوات طفولة إعتماد الأولى في سلاسة بحكم اقترانها الخاص بأمها في هذه السنين،وكانت ترى بعينيها البريئة قسوة أبيها المنفلتة حيناً والمتعمدة أحياناً على أمها سواء كانت بالقول أو بالفعل. الجبروت الذي لطالما تعجبت الأم أثناء بكاءها المستمر من أين جاءها وتسلط عليها، فيشاركها صغارها البكاء ظناً منهم بأنهم بذلك يخففون من معاناتها وبالأخص إعتماد التي رأت رغم طفولتها وعقلها الذي لم يشب بعد مصيرها المشابه لمصير أمها، ولطالما تساءلت الأم بينها وبين نفسها، من أعطى الرجل حق الولاية والسلطان على المرأة بهذه الصورة، من وهبه ذلك السلطان الأعمى ، هل هو الدين؟!.. ربما، فهي صورة طبق الأصل لحواء؛ حواء سيدة الخطيئة الأولى، حواء منبت الغواية وسبب حرمان أدم من جنة الخلد…ألم يعلي الدين من شأن المرأة بعد أن كانت مهدرة الحقوق؟! ألم يجعل الله تعالى سورة باسم النساء في كتابه الكريم تكريماً لها؟! ألم يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:” إنما النساء شقائق الرجال” الله العدل لم يفرق بين عباده ذكراً كان أو أنثى فلما يتعدى بني الإنسان على ما أقره الله تعالى .ألم يساوي ويعدل الله بين الرجل والمرأة في التكاليف والفروض الشرعية،؟! ألم يساوي بيننا في الجزاء؟! ألكم جنته ولنا ناره ؟! ألم يقول الله تعالى في محكم تنزيله:” إني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض” ألم يعطينا الله حقوقنا المالية كاملة غير منقوصة مثلكم؛ حق البيع، حق الشراء، حق الراهن، وحق المرتهن؟!..ما أكثر كلام الله العادل عن المساواة بين الرجل والمرأة، لكنها على أيديكم تظل مجرد تلاوات ترددها ألسنتكم في الصلوات والمساجد والخطب لكن تظل قلوبكم لها منكرة. لكن بعد أن تجفف بقايا دموعها المسكوبة على خدودها، تسارع بامتصاص حزنها المكبوت وإخفاءه خلف ضحكتها أمام إعتماد وأخويها؛ منتصر وعادل.

لم يسلم الصبية من اجتراع الشدة التي قرر الوالد تجريعهم إياها عن عمد أو غير عمد. ففي يوم من الأيام الصفراء الباهتة في حياة تلك الأسرة حين تخلف منتصر عن الذهاب إلي المدرسة الليلية وقرر اللعب مع رفقاء الشارع من أبناء الجيران. جاء الأب بسيارته التي طبع عليها طابعه القبيح فالتوى إكصدامها الأمامي والخلفي كأنهما واجهة يعبران عن وجه قائدها، فأثارا في دخولهم غبار الشارع. وما أن لبث ووقعت عيناه على منتصر، إبن التسعة أعوام، جأر صوته عليه منادياً:

– يا منتصر ماذا تفعل في الشارع الآن، ولماذا لم تذهب إلى المدرسة الليلية.

أصاب منتصر الهلع وكأنه كان في مغامرة شيقة إلى غابة كثيفة الأشجار يغور مستكشفاً منحنياتها، وفجأة ظهر له غول الغابة وصعقه بصوته الأجش فاستفاق من هول الصوت على حقيقة أن الغول هو أبيه.سحبه أبوه من فانيلته المليئة بالعرق من أثار اللعب ودفع به إلى أقرب غرفة عند مدخل البيت الضيق وأغلق بابها بعد أن أثار زوبعة تكومت غيمة سوداء تصاعدت إلى سقف المنزل لتمطر فوق رؤوس ساكنيه فزعاً وألماً لم يتذوقوا مثله من قبل. إستل الأب حزامه من وسطه وقرر أن يطبع على جسد طفله النحيل نفس نقش الحزام، بخطوطه المتعرجة والمتداخلة.ولم يمنعه صراخ الأم ونحيبها على ابنها وطرقها المستمر لباب الغرفة، ومحاولتها البائسة لاقتحامه من إذعان الأب عن هجومه الضاري على الصبي. صمتها الأول عن حقها، هي البداية التي قد يدفع أبنائها براءتهم وطفولتهم ثمناً لها، ورضوخها الغير مقبول لطغيان السلطان الذي تعيش تحت كنفه.فهي تتحمل جزءاً من المسؤولية عن حماية صغارها من أي مصدر خطر حتى لو كان أبوهم. أين يأخذك ضعفك أيتها المسكينة؟! حملت ابنها في استسلام إلى صدرها كفرخ طير جريح انقض عليه صقر السماء ثم أفلته ليسقط من بين مخالبه الحادة بعد أن نهش هيكله فنال منه ما نال،ولم يخل منه شيء للمقاومة إلا أنينه وعلامات السوط الحمراء، البارزة على ظهره، وفخذه، وكتفه.

  اليوم أول أيام عيد الفطر المبارك وها هي إعتماد قد بلغت من عمرها عامها العاشر. نحيلة البنيان لا تفرق في هيكلها بينها وبين أخواتها الصبيان، اللهم إلا من شعرها المنسدل على ظهرها جديلة ذهبية صفراء تلمع تحت الضوء المنعكس عليها. أحضرت لهم الأم حانية القلب أكثر من اللازم – وربما هي كذلك حتى تعتدل كفة الميزان بينها وبين الأب الغضوب – ملابس العيد الجديدة التي اشترتها لهم خلال زيارتها لمنزل أختها الأكبر. سألتها إعتماد:

– ماما أين الشورت الأصفر الجديد الذي سأرتديه اليوم مع التيشيرت الأبيض ذو الفراشات الثلاث، فأنا متشوقة لارتدائهم.

أجابتها الأم:

– هم على فراشك يا نور العين، هيا اذهبي وارتدي ملابس العيد الجديدة كي نذهب لزيارة جدتك، وأخبري أخواتك إن يستعدوا ليذهبوا معنا.

وما أن خرجت إعتماد فرحة بملابسها الجديدة  ترتسم على وجهها أجمل ابتسامة، كزهرة تفتحت أوراقها توها لاستقبال ضوء النهار، بهتت عند رؤية وجه أبيها الملتوي، فما لبث أن صاح فيها وخطف من على ملامحها أي أثر للفرح :

– يا بنت ما هذا الذي ترتديه؟ إذهبي وارتدي بنطالك، ألا ترين جسمك في المرآة، أنت لم تعودي طفلة فقد أصبحتِ فتاة وغير مسموح لكِ ارتداء أي ملابس كاشفة بعد الآن.

يقول في سره” المرأة خلقت من ضلع أعوج، وعلى القيم أن يشد من ضلعها ليجعله مستقيماً بقوة الشكيمة والحسم”

ولم تفلت الأم من التوبيخ على انفلات ابنة العشرة أعوام رغم أنها لم تبلغ بعد. وقرر الحاكم بأمره من فوره

– على إعتماد الاستعداد لارتداء الحجاب لأنها كبرت وفار جسمها. على حد قوله.

” صحيح، ناقصات عقلٍ ودين” ويستطرد القول ويعلى من صوته حتى يكون مسموعاً درساً تأديبياً وموعظة ليست بحسنة لساكني البيت.؛ اكسر للبنت ضلع ينبت لها بدلاً منه أربعة وعشرين.”

ثم تصير من بعدها رجلاً مستقيم البنيان .

أي عصر من العصور نعيش، هو مع الأسف عصر و زمن خلا من العلم الكثير وعاش الجهل فيه حالاً لا بأس بها، زمن العلم فيه يصارع الجهل على معركة البقاء، فلمن تكون الغلبة؟!

انتهى عصر الوأد الجسدي وبدأت عصور الوأد الروحي والنفسي، وهو أشد وأضل سبيلاً.

في أحد الأيام وأثناء عودة إعتماد إلى المنزل بعد إنتهاء يوم دراسي جديد من صفها الثالث الإعدادي ،ترافقها في الطريق صديقتها المقربة كاميليا. كامليا زهرة أخرى من أزهار الوجود ولكنها تفتحت في بيت حاكمه أكثر حكمة من ذاك الذي تترعرع فيه إعتماد، بيت أدرك سيده أن ابنته الوحيدة هي ميراثه الدنيوي الحقيقي. وفي طريقهما معاً تقترح كامليا على صديقتها المرور على والدها في ورشته الصغيرة لميكانيكا السيارات. كامليا متوسطة الجمال، ذات شعر طويل لكنه خفيف الكثافة، أسود كاحل تعقده ” ذيل القطة” على عكس صديقتها مستورة الشعر. الزيارة كانت أشبه بالصدمة لإعتماد، فقد سكن في مخيلتها المحدودة أن كل الآباء غلاظ، قساة القلوب، يتبعون منهج واحد في تربية أبنائهم، تم صبهم جميعاً في قالب الأبوة محدد الشكل.ولكن عندما قابلت والد كاميليا تبدلت نظرتها قليلاً فهو دائم المداعبة والمزاح مع ابنته كأنها رفيقة عمل.

– متى ستنهي دراستك يا باشمهندسة حتى أستريح وتمسكين أنت زمام العمل في الورشة؟!

– حاضر يا أبي أنت تريد استغلالي، إذن.. أترين يا إعتماد، يتولى تعليمي حتى أعمل بدلاً منه ويستريح هو، لا يفعل أحد شيئاً لوجه الله في هذه الأيام !!

تعلو ضحكات الأب والزهرتين اليافعتين حتى يظن المارة أنهم يشاهدون عرض مسرحي فكاهي. هنا عرفت إعتماد لماذا لا يفارق الضحك محيا كاميليا، وتمنت لو كان ذلك الرجل هو أبوها.لكن هيهات فالأقدار لا تتغير من مجرد أمنيات تستهوينا. أحضر أبو كاميليا لابنته وضيفتها مشروب عصير القصب من المحل المجاور له. وفي لحظة- ودون أن تدري- إنفلت الكوب من يد إعتماد ليقع على الأرض وينكسر كروحها إلي قطع متناثرة، ليهب الأب واقفاً من جلسته حتى يطمئن عليها ويهدئ من روعها . لماذا يا إعتماد إرتعبتِ عندما سقطت عيناك على أخيك منتصر والذي يصغرك بعام وهو سائر على الرصيف الآخر من نفس الشارع؟!

عند عودتها استقبلها سي منتصر غامزاً ولامزاً عينيه، كمن يتوعد أسير سقط في يد فارس لا مروءة له؛   

– صديقتك كامليا هذه لا أطيقها وعليك قطع علاقتك بها فوراً. يقول منتصر،

وإذا لم تفعلي سأخبر بابا أين كنت اليوم بعد انتهاء المدرسة وأنت تعلمين ماذا سيفعل بكِ !!

– لماذا؟ هي لم تفعل شيء حتى أقطع صداقتي بها! تجيب إعتماد في انكسار.

هو فرمان صادر من الأخ الصغير سناً والكبير مقاماً، فهو (خليفة السلطان) وعليك تلبية الأمر دون اعتراض أيتها الجارية الصغيرة.

في الصباح الباكر من اليوم التالي حملت إعتماد على ظهرها حقيبتها المدرسية المثقلة بالكتب والكراريس المدرسية التي حوت فيها بعض توافه التاريخ ، وهوامش الجغرافيا،وبوائد الرياضيات والعلوم، وقشريات الدين، وحملت على رأسها ما هو أثقل من حقيبتها؛ همومها الصغيرة. كيف ستتهرب من كاميليا وتنفصل عنها.كانت الشمس تلقي بإشعاعاتها الوليدة على الشارع الذي لم ترى إعتماد فيه علامات خطواتها المغروسة على أرضه من ثقل الأمر الذي كان يشغل بالها.

المدرسة تشبه من الخارج القصور القديمة التي هجرها سكانها وتركوها لتسكنها أرواحهم، هكذا أشيع الخبر بين التلميذات، تعلو البوابات لوحة زرقاء مستطيلة الشكل كتب عليها بالخط العربي بالتشكيل ( مدرسة هدى شعراوي الإعدادية للبنات)،وربما لا يعلم واضع اللوحة من هي هدى شعراوي!!!. قد يظن شباب الحي ممن بلغوا الحلم وممن لم يبلغوه بعد، بالإضافة إلى مرتادي مدرسة البنين القريبة، أن اللوحة هي إعلان عن وجود رابية لريم البراري الجاهزة للاقتناص وهنيئاً لمن أصاب بسهامه القد والجمال. المدرسة لها بابان حديديان يشبهان في شكلهما وتخلل القضبان الملتوية لهم أبواب القلاع العتيقة، على جهة الشمال من المدخل، درج وضع على حواف  كلا جوانبه إثنان من الأجاصي الفخارية الحمراء الكبيرة، صبها صانعها على شكل زهرة تيوليب، تزينها باقة من الزهور البيضاء. يقف على البوابة الحارس “وسيم” – وهو ليس وسيماً بالمرة-الذي يمنع دخول أحد، فالمدخل مخصص فقط لجناب الناظر وللمدرسين دوناً عن التلميذات. أما المدخل الآخر والذي يقع في الشارع الخلفي بواباته أكبر من سابقاتها حتى تسع الهجوم الوافد من التلميذات من جميع الجهات.تطل البوابة على حوش كبير افترشته سجادة كبيرة من الرمال الصفراء وكأن شاطئ إحدى المدن الساحلية هاجر من موطنه بجانب البحر ليستقر على عتبة مدرسة البنات. تقرع أجراس الطابور الصباحي عند تمام السابعة، فيسارع الحارس بجذب البوابات الأثقل من يديه لتنغلق في وجه أخريات أبقاهم الخوض في سيرة هذه وتلك من الخوالف. يبدأ في السابعة والربع تماماً العرض المصغر لجوقة المدرسة بتحية العلم تصاحبه أعتق الأدوات الموسيقية التي عفا عليها الزمن مع  أداء صاخب من نزيلات المدرسة للنشيد الوطني الذي تلوكه أفواههم كل يوم دون إدراك لمعاني كلماته، والتي كلما اقتربت سماعة أذن أحد المعلمين منها وجد مخارج الحروف تبلبلت فيما بينها وأصاغت كلمات لا محل لها من معجم اللغة البتة.ثم يعقب النشيد تلاوة صغيرة من بعض آيات القرآن الكريم بصوت واحدة من المختارات بعناية، ثم بعض عجائب المقولات والحكم المطبوعة بقصاصات الجرائد. العبء الذي كانت تحمله إعتماد على ظهرها وعلى نفسها أبطأ من خطواتها السريعة عادة، مما جعلها من المتأخرين الذين يدخلون من بوابة المدرسين حتى يأخذوا نصيبهم من العقاب المستحق من صراخ إحدى المدرسات أصحاب الحناجر المزدوجة لتثير رعب كفاية في نفوس الأسيرات. إتباع القواعد والقوانين واجب على كل فرد من تلاميذ المدرسة ولا استثناءات في ذلك حتى لأبناء المدرسين والمدرسات إلا من العقاب الواقع على المخالفين. كان التأخير أول خطوة على طريق إعتماد لتجنب مواجهة إلزامية مع صديقتها المحببة إلى قلبها وكان العقاب الذي تلقته أخف وطأة على نفسها من ملاقاة كاميليا.فقطع العلاقة من بدايتها سيجنب إعتماد اختلاق أعذار واهية لعدم التلاقي صباحاً في الطابور وظهراً لاختصار طريق الرجوع في رفقتها المؤنسة والتي حرمها منها أخوها الملعون.

الدرج المؤدي إلى الفصول أفعواني دائري، ضيق كعنق زجاجة لا يسمح بصعود تلميذتان بمحاذاة بعضهم البعض، ومن الإشاعات الرائجة عن هذا الدرج أنه السلم الذي كان يستخدمه خدام القصر، حينما كان قصراً.صعدت إعتماد إلى فصلها وجلست بجانب أمنية – الضلع الثالث لمثلث المرح- كما كان يلقبهم أستاذ كمال مدرس الرياضيات؛ إعتماد، وكاميليا، وأمنية.

بعد قرع جرس الحصة الثانية لاحظت أمنية الشحوب يجتاح ويحتل وجه إعتماد.

– “مادا”؛ماذا بكِ؟ هل أنتِ مريضة أوبك شيء؟ هكذا كانت تناديها أمنية لإختصار الاسم وفك عقده كما كانت تقول.

– منتصر يريدني أن أقطع الصداقة بيني وبين كاميليا، وأنتِ تعلمين مدى تعلقنا ببعضنا ، وأنا لا أعرف ماذا أفعل؟ فإن صادف ورآني معها أو سمع عن التقائنا بأي شكل من الأشكال سيخبر أبي بذلك.

– أنتِ حقاً ساذجة. وهل أخوكِ منتصر معنا هنا في المدرسة؟! ويا ستي سيتباحث مثلث المرح في إيجاد حل لمسألة المرافقة خارج أسوار المدرسة.

ضحكت أمنية ضحكة ساخرة من خوف ” مادا” المبالغ فيه وانصياعها لرغبة أخيها دون استخدام الحيل المعتادة من بنات جيلها للمساعدة على الهروب من لائحة الأوامر المعقولة واللامعقولة والتي تنصب عليهم كالشلال من ولاة الأمور والخلفاء الراشدين منهم والغير راشدين. خفف كلام أمنية من تدفق الدماء برأس مادا، كوعاء ضغط بخاري تم تنفيث الهواء الساخن منه. وتشاركت الصديقتان جرعة من الضحك المخفف، فوجدتا في ضحكاتهم ملاذاً يؤمنه بكل أريحية اختراق اللوائح الصادرة عن السلطات المنزلية العليا.

خلا طريق عودة إعتماد إلى البيت من أي رفقة اللهم إلا الملل . ووصلت إلى شارع” حصن البيوت”. تباطأت خطواتها عند الوصول إلى أول الشارع لتتنهد سلامة الوصول ثم تابعت المسير.تسكن إعتماد في شارع صغير يتفرع من شارع أكبر، والذي بدوره يتفرع من شارع أكبر منه أو ما يسمى’ الشارع العمومي’. يقع الشارع داخل أحد الأحياء المسماة بالشعبية، أما سبب نعتها بهذه الصفة دون أخرى من الأحياء فهو لا يزال لغزاً قائماً يغلفه عبث ما، فمن المعلوم أن الشعب لم يدع فضاءً خالياً من الأرض إلا واستوطنه. وعلى ذلك فأن مسمى أحياء عشوائية يعبر أكثر عن حقيقة بنائها وقيامها. تلتحم البيوت في تراص على كلا الجانبين، كأن ماردان قفزا من حكاية خرافية لإحدى الجدات تحكيها لأحفادها قبل النوم إلى العالم الفعلي، وقد وقفا في مواجهة أحدهم للآخر تأهباً لمبارزة حامية الوصيد. التحام البنايات في بعضها البعض يعطي انطباعاً مع اقتراب البيوت بأن كلا من أحد الجارين المتجاورين يقيم في مسكن الآخر، الأمر الذي جعل السلام مصافحة باليد بينهم متاحاً بيسر وقد يغني ذلك عن الزيارات الاجتماعية المباغتة، يرافق السلام بين الجيران بعض الأواني والأغراض المنزلية القابلة للتسليف. صعدت درجات البيت شبه المتهالكة والتي لا زالت صامدة تحت أرجل الصاعدين والنازلين.

قرعت جرس الباب ذو نغمة العصافير المغردة قرعاً يدخل في نفسها بهجة خاصة، استقبلتها الأم الحنون، ودخلت إلى غرفتها وألقت بجسدها المنهك على فراشها ورأسها مثبت على سقف الغرفة ترسم بعينيها خطوط تحدد بها ملامح لمستقبلها الذي تأمل بأن تخالف فيه سراب أمها، خطوط ليست من دخان تتبعثر في فضاء خاوي، بل خطوط معدنية راسخة في ذاكرة المستقبل. أمنية أعطتها أول خيوط التمرد على صك امتلاك لم تهبه لأحد وعليها فقط أن تتشبث به وتحيكه على الطريقة التي تناسبها. في أثناء غيابها الجزئي إلى بلاد ما خلف الحاضر، غردت عصافير باب البيت من جديد إعلاناً عن قدوم زائر، فقامت من فورها لتضع أذنيها على الباب علها تستطلع من ذا الذي باغتهم بالزيارة.

– سلوى؛ كيف حالك؟ أهلاً بكِ، تفضلي.

لا تستطيع تمييز صوت الضيفة من الحزن الذي يغلفه، لكنها بالتأكيد ستعرف بعد انتهاء الزيارة، وهي تساعد أمها لتحضير طعام الغذاء.

– ماما ماذا بها الخالة سلوى، ليست من عادتها أن تأتي لزيارتنا عصراً؟

سرحت الأم قليلاً وقررت وضع خيبتها على خيبة سلوى وأن لا سبيل أمامهما إلا انتظار فرجاً لن يكون قريباً بأي حال من الأحوال.

– زوج الخالة سلوى طردها من المنزل وأشترط عليها عدم العودة إلا بعد أن تأتي بميراثها من أبيها والذي بحوزة أختها الوحيدة.

الميراث الذي طرد الزوج من أجله زوجته بعد صحبة زوجية دامت لسنين ليست بالهينة، هو محل للخردوات لا تتعدى مساحته قبراً اتسع فقط ببركة أعمال صاحبه، محل ضيق المحيط يسمح بصعوبة حركة البائعة دون المشتري، وبالكاد تقف تجارته على أقدام أختها. وهي الآن بين شقي رحى، هل تخسر أختها أم تخسر زوجها؟ استنكرت أم إعتماد موقف الزوج وتعجبت منه :

– أهو ذلك الرجل المصلي الذي يعظ وينصح ويرشد الغير، لكنه يعجز من أن يروي روحه من كأس مواعظه وحكمته الواهية ويكتفي بارتشاف مزيداً من جرعات ” الأنا الحاكمة” ويوشك أن يهدم جدران منزله عليه وعلى من فيه، ومن أجل ماذا؟!

ذكريه يا سلوى بقول الله:” يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً.

سلوى امرأة عاملة بإحدى مصانع الملابس الجاهزة، مشرفة إنتاج سنجر وأوفر. سيدة عاملة لم تدخر من سنوات عملها سوى هموم أبنائها الثلاث،والمتزايدة بعد أن تراخى زوجها في أداء الدور المنوط به في تحقيق متطلبات أبنائه الطبيعية والواجبة عليه، بل  ويزيد من أعباء السيدة الكادحة أخرى منها إشباع ‘الكيف’ من سجائر ودفع فاتورة جلسات السمر الليلية مع أصدقائه على المقهى، والالتزام بأداء المجاملات العائلية، بالإضافة إلى الجيران، من زفاف وولادة ونجاح على وجه السرعة ودون أدنى تأخير حتى لا يؤكل وجهه من فك الناس على التقصير. ولكنها أم ككل الأمهات، تروي بذورها التي نبتت من أعماق ذاتها بتضحياتها المتوالية، ومنتهى سعادتها تكمن في رؤية أزهارها تنمو وتنضج. أن تهب وجودك عن رضا نفس وطيب خاطر دون انتظار المقابل، هي بعينها الأمومة التي تتجلى بكل معانيها.

سلوى ودكان أبيها، مصدر رزق لأختها ومصدر دخل وحيد يعينها على أعباء الحياة، ومحل رزق لها بعد أن طلقها زوجها وجردها من حقها في نفقة وما إليها من سائر الحقوق الغير مستوفاة، لتحصل فقط على حريتها.وهكذا كانت صفعة القدر على وجه الأختين من أزواجهن الموقرين، فقد يكون الزوج رفيقاً مؤقت في طريق الحياة لكننا نكتشف مع مرور الوقت أن هناك جوانب لطالما بقيت محجوبة وغير مرئية لنا في رفيق ظنناه لنا توأم ملاصق.

الرجال في بيوتهم لكل منهم شرعة ومنهاجاً، لكل رجل مذهبه الذي يسير عليه أهل الدار طواعية قبل أن يكونوا مرغمين على إتباعه. سنة الحياة!!

عادل، آخر العنقود، والذي يصغر إعتماد بثلاث أعوام قرر لاإرادياً أن يكون من أحد شواذ القاعدة السائدة، فرؤيته لقسوة الوالد على أمه وأخته نفرته من القالب المعد لاستنساخه كنموذج آخر طبق الأصل من أبيه ومن الأخ الأكبر، منتصر. وكان ذلك عامل جذب واقتراب بينه وبين أخته الوحيدة.فإذا فارت فورة الأب عليها وسقطت الطريدة في شباك الفروض والأحكام المتعنتة في أغلبها، كان درع فولاذي مانع ، خاصة بعدما قررت إعتماد المبادرة ببعض الجدال الذي لا يخلو من اعتراض على قدر الثورات التي تعتري الأب، وعلى قدر اعتدال مزاجه العام.

بلغت إعتماد عامها السادس عشر وآن للفتاة البالغة أن تصير مستقلة وأول شهادات الاستقلال في هذا العمر هو استصدار بطاقة إثبات الهوية. الفرحة التي صاحبتها وهي في طريقها برفقة عادل، الحارس الشخصي لأخته إلى مكتب السجل المدني، كانت غامرة، تنظر في عيون المارة والبهجة التي حاصرتها تقول لهم: “اليوم تنتفي عني صفة الفتاة القاصر، اليوم أملك زمام أمري بيدي، اليوم آخر يوم لي في عهد الطفولة”ثم تبتسم وتتنبه لواقع الحال” يا لسذاجتي…”

– يا عادل هل تدري أنك لازلت طفل وأن الحكومة لا تعترف بك رجلاً إلى الآن. تشاغب أخيها في ضحك

وصلوا المكتب الذي يعج بالمواطنين من الرجال والنساء وبمن هم مثلها أطفال ممن بلغوا نصاب الطفولة وجاءوا لنفس الغرض. دخلت المكتب يحوطها ذراع أخيها، والذي ينوب عنها بجسده في حمايتها من أي التصاق مباغت مع أحد المواطنين المترنحين عمداً بحجة الزحام. وقفت في الصف وكان أمامها أحد الرجال في عقده الخامس من العمر حين وصل إلى الشباك الذي يسلم فيه استماراته المحبرة ببياناته سأله الموظف، يعيد عليه ما خط:

– أنت متزوج، صحيح؟

– نعم

– كم زوجة لديك؟

– واحدة، ووجودها مثل عدمه.

– ماذا تعمل؟

– رئيس إذاعة الغد

بهتت إعتماد عندما طرق سمعها الحوار الذي دار بين الموظف والمواطن. إذا كان رئيس منبر إعلامي يعبر عن هكذا معتقد فماذا عن الأمي؟! وتذكرت الواعظ زوج الخالة سلوى، هو من نفس العجين ولكن عجنت من قالب آخر. يرتدون ثوب التناقض بين الظاهر والباطن، يتوارون خلف ستار العلم، والثقافة، والتقدم، والاعتراف الكامل بما للمرأة من حقوق عينية وبينية. ولكن ما خفي كان أعظم، وما يكمن تحت الرداء إلا طبقة غليظة سوداء من موروث اجتماعي عفن يستشري كعدوى تنخر في جوف المجتمع كالسوس. ربما هو كلام على سبيل المزاح بين الرجال أن يلعن أحدهم زوجته، أو يتمنى أن يريحه الله من بركات وجودها في الدنيا، وربما يتبارون في ذكر مساوئ الزواج وزوجاتهم  ، ويستبيح معرض حديثهم الزوجات المتذمرات الناقمات، والمبذرات المبددات، والعاصيات الظالمات.

” أنا الآن فتاة يافعة، وغداً أصير زوجة، وزوجي لن يشبه سائر الأزواج، لن يشبه أبي أو أخي منتصر أو ذاك الذي بذلت معه زوجته عمرها ثم جاء يتنطع بسوء الحديث عنها أمام الناس. زوجي حنون، محب، فكاهي الروح، يعرف جيداً قدري كامرأة، يحترم رغباتي، يقدس كينونتي كأنثى”…. ” يا لسذاجتي..”

جاء دورها وسلمت أوراقها لتتابع مع عادل طريق العودة. سار أمامها رجل يتحدث مع أحدهم في الجوال وكان يرتد صوته على من حوله كصدى الأواني المستطرقة من شدة غضبه، فطرق أذنهم الحديث رغماً عنهم.

– أين أنتِ الآن؟  يتخلل الكلام الصمت المستقطع من الرجل للاستماع للمتحدث في الطرف الثاني على الهاتف.

 – ماذا؟ يقول لك ابقي في منزل أهلك. حسناً إذاً لا تردي على رسائله ولا تتحدثي معه مطلقاً، وسيأتي ” كالحذاء” ليأخذك بنفسه….. أنا لا أريد أن أراه ولن أتكلم معه في شيء، ابقي حيث أنت في بيت أبيكِ…. أنا لا أريد شيء، أنا أفعل ما هو في صالحك..” يغلق لاعناً ومسباً لليوم الذي تزوجت أخته فيه من زوجها. ها هي حائرة وتائهة أخرى وضعها القدر لقمة سائغة يلتقمها زوجها حيناً وأخوها حيناً آخر. يجذبها هذا من ذراع وذاك من الأخرى وهي مشدودة بينهم لتتقطع أوصالاً.

” أنا الآن فتاة يافعة، وغداً أصير زوجة، وزوجي لن يشبه سائر الأزواج، لن يشبه أبي أو أخي منتصر، أو ذاك صاحب الخمسين سنة أو يزيد، أو ذاك الزوج تارك زوجته، أو أخوها. زوجي سيكون حنون، محب، فكاهي الروح، يعرف قدر المرأة جيداً ومن ثم قدري، يحترمني ويحترم رغباتي.”…..” يا لسذاجتي…”.

  بلغت إعتماد من الأنوثة مبلغاً جعل منها ثمرة فاكهة قد أينعت واقترب وقت قطافها، ثمرة تشتهيها أعين الشباب والرجال ممن تقع عليها، فتسافر رحلة الشهوة على طريق جسدها ذهاباً و إياباً. فكان سلاحها الوحيد أعينها التي سلحتها بسهام الازدراء لكل متطلع أو مختلس للجمال دون وجه حق. كانت تظن أن حجابها يكفي لتسير مطمئنة في الشوارع، لكن هباءً ذهب تصورها وسط انتهاك الأعين الصريح والسافر لها، ومع ذلك لم تكفر بالجمال الذي وهبها الله إياه.إعتماد عمدها الجمال في أنهار مفاتنه وهي في رحم أمها؛ بيضاء، غضة، ليست مثالية الوزن لكن امتداد الطول حجب زيادة وزنها البسيطة. عيناها رقيقة، جذابة مع انبساط مظلة الأهداب عليها، لونها كلون أوراق أشجار الزان النحاسية في فصل الخريف، لامعة حين يسقط عليها الضوء، تفيض منها البراءة والحب والطيبة. أنفها من النوع اليوناني، متسق مع امتلاء وجنتيها. وهبها الله الجمال الطبيعي لتستغني به عن مساحيق التجميل التي لو قبرت لن يسمح لها الوالد بوضعها، فأغناها ربها عن ذلك. 

تعلقت إعتماد بأمها الحنون، وكانت تقدر تضحيتها وكانت ترى في أمها إنسانة معلقة بين السماء والأرض، وقد شطر القدر روحها إلى شطرين، مذبذبة بين هذه وتلك، يمنعها قدرها من أن تطأ قدمها الأرض بثبات-تجأر فقط بينها وبين أبنائها بالشكوى وفي بعض الأوقات تنساب دموعها المكبوتة عنداً فيها، وفي ذات الوقت يعيقها ضعفها وعجزها عن الاختيار من أن تحلق بروحها إلى آفاق أكثر رحابة من المحبس الذي ارتأته مناسب لنفسها وتكيفت وتأقلمت عليه …. ولكنها لم تجد فيها مبتغى قدوتها، وكانت تستهجن صمت أمها واستساغتها لمرارة الصبار في حلقها والصبر عليه. كان أمام بصرها نساء مثل ماري كوري البولندية، أول امرأة نابغة تحصل على جائزة نوبل في الكيمياء عام ١٩١١. عالمة ولم يتعارض زواجها مع نبوغها، ولم يؤخرها إنجابها عن وضع نظرية النشاط الإشعاعي وابتكار تقنيات لفصل النظائر المشعة واكتشاف مادتين كيميائيتين هما البولونيوم والراديوم. لم يمنعها زوجها من إنشاء أول مركز إشعاعي عسكري أو بناء وتأسيس معاهد للعلاج في وارسو وباريس. لم يفعل رجل ما فعلته ماري كوري للإنسانية. نساؤنا تقاتل للخروج من بوتقة النساء العاملات وربات البيوت إلى فضاء الإبداع. بيرتا بينز أول إنسان يقود سيارة لمسافة طويلة وأبهرت العالم بتحديها وتغلبها على العقبات التي واجهتها في رحلتها بالاختراع الجديد. نساء من حديد. وإذا تحدثنا عنهم مع رجالنا سيقولون لنا “لكم دينكم ولي دين”، الغربية من طين والشرقية من طين آخر. إليكم السيدة الفاضلة هدى شعراوي مصرية بامتياز وشاركت الرجال في العمل السياسي وقادت أول مظاهرة نسائية في ثورة ١٩١٩. واستماتت في نزع حقوق المرأة من فم الأسد من خلال الاتحادات النسائية. أسست مجلة باللغة الفرنسية وأوصلت أصداء صوتها تتردد في كل أنحاء البلاد. نساء من حديد ولسن من قش. يعرفن ما لهن وما عليهن. ليتنا نعلمهم فنمتلك شجاعتهن أو حتى نصفها. المرأة التي قادت الثورات تنزل الآن من بيتها تحفها الرهبة مما قد تتعرض له. خطواتنا تتراجع للخلف وليس للأمام. أمثال هؤلاء هن القدوة الحسنة.

إعتماد في عامها الثالث الثانوي وقد إقتربت قدماها كثيراً من حدود المستقبل، من تحقيق حلمها بأن تصير صحفية، سلاحاها الكلمة والقلم. في المدرسة وبرفقة أصدقاء الطفولة، كاميليا وأمنية لا يتطرقون بالحديث في موضوعات كباقي البنات عن الأستاذ الفلاني، مدرس التاريخ الذي يهتم بالطالبة الفلانية أكثر من باقي بنات الفصل، هي تعجبه، أو يحبها، وربما يخطبها بعد انتهاء الثانوية. أو عن مدرس اللغة الإنجليزية الجديد الجذاب، محطم قلوب العذارى، تستهوي طلاقته في التحدث باللغة الأجنبية فلانة، فلا تنتبه لما يقول وتكون محط سخرية من زميلاتها إذا انتبه لغفلتها وبادر بمراجعتها فيما كان يقول. الثلاثي كانوا من شواذ العقل السائد، كانوا ينتهزون غياب أي من المدرسين عن حضور حصته ويشطحون بعقولهم إلى واحات المعرفة باختلافاتها، في ظل التخلف وتراجع مسار الثقافة المتواجد بجميع المدارس، كان الاهتمام بالمقصف لا يضاهيه وجود مكتبة متواضعة على أقل تقدير، تحوي بعض الكتب خفيفة الحجم، عظيمة المحتوى، وما أكثرها، كتابات مصطفى محمود، جبران خليل جبران، توفيق الحكيم، مي زيادة، غادة السمان، مصطفى صادق الرافعي، وغيرها الكثير. مما جعلهم يتباحثن فيما بينهن على عرض فكرة التبرع بالكتب لمكتبة المدرسة الخاوية والمهجورة إلا من ‘شواشي’ الورق والمجلات التي لا تصلح حتى غلافاً “لساندويتشات” الفول والفلافل على عربة بائع متجول. عرضت كامليا الفكرة على الأستاذ محمد، مدرس اللغة العربية، والذي وعدها بدوره أن يعرض الفكرة على وكيل المدرسة.

انعقد اجتماع مجلس الثلاثي الثقافي بقيادة الآنسة إعتماد

– هذا العام هو عامنا الأخير في المدرسة وقريباً ستتفرق بنا السبل، ماذا تخططين يا كامليا وأنت يا أمنية؟

تفتتح الباسمة الضاحكة معرض الجواب:

– أعرف طريقي إلى كلية الهندسة، قسم ميكانيكا، فأبي ينتظرني. هو يعتمد علي في استمرار الورشة بعد أن تقدم أخي إلى كلية الشرطة.

– وأنت يا أمنية، ماذا تنوين؟! كيف ترين طريقك بعد المدرسة؟

راود أمنية التبسم وألقت على أسماعهم خبر وليد:

– تقدم لخطبتي ابن عمي أمس، وقرأ مع أبي الفاتحة. سيكون الزواج بعد انتهاء الجامعة إن شاء الله.

– وأنت وافقتِ؟؟!!

– أبي أعطى عمي الكلمة، لكني أصر على استكمال دراستي الجامعية. أعشق الفلسفة كما تعلمون، ومكاني معروف. فيلسوفة المستقبل قادمة.

علت أصواتهم بالضحك، ولكن الصمت باغتهم وأقتنص الضحك من على شفاههم النضرة. وتطلعت إعتماد بعين أمنية تحدثها حديث العيون، وكأنها تستشرف مستقبلها في قعر محجريها كقارئة فنجان محنكة، ورأت أمامها عقل وقاد أوشك على الانطفاء. أمنية “الوزير الحكيم” كما تناديها بقية أضلاع المثلث. ناصحة، فصيحة، إذا وقعت إحداهن في أي ورطة، سارع عقلها بالتدبر والتفكر وسريعاً ما يلفظ حلول وتفسيرات لأي مأزق أو إشكال.ثلاث فتيات يسبقن أعمارهن ويسبقن أترابهن، فقد تجاوزت قطارات عقولهم عدة محطات دون الوقوف أو الانتظار، ولكن مغناطيس التخلف والاستعباد يحاول بكل طاقته جذب القطارات إلى الخلف….

طرق خاطر إعتماد كلمات دنقل:

” أصبح العقلُ مغترباً يتسول.. يقذفه صبْيَةُ

بالحجارة..يوقفه الجندُ عند الحدود وتسحبُ

منه الحكوماتُ جنسيَّةَ الوطني..وتُدْرجُهُ في

قوائم من يكرهون الوطنْ

قلتُ: فليكن العقلُ في الأرض لكنه لم يكنْ

سقط العقلُ في دورة النفي والسجن.. حتى يُجَنْ

تسأل إعتماد سؤال دون تفكر:

– هل تحبين ابن عمك؟ ستتزوجين دون حب!!

– هو شاب محترم وذو عقل راشد ويعرف الله ويخافه، والحب يأتي مع العشرة الطيبة وبعد الزواج.

ربما أمنية محقة فأنا لم أصادف الحب وقد يكون الحب هدية المتزوجون.

في أثناء وجودها في البيت وخلال اختلاسها القراءة بعد انتهاءها من فروضها المدرسية ومساعدة أمها في الواجبات المنزلية من ترتيب وتنظيف. يبهتها أبوها بسؤاله:

– ماذا تفعلين يا إعتماد؟

– أقرأ كتاباً يا أبي.

– ستفسد القراءة عقلك، ما مصيرك إلا بيت زوجك بالنهاية، ولن تستفيدي من الوقت الذي تستنفذيه في القراءة شيئاً.

” إرادتي الحرة ستكون أعتى مطرقة في يدي أحطم بها صخور المستحيل كلما تعثرت بها قدماي” تنظر لأبيها وكلامها ينبعث من عينيها رسائل مشفرة تلتقطها عيناه منها، تصله رسالة التحدي فترد عيناه بنظرات الجمود والاستخفاف.

جرى فيضان العمر جارفاً أياماً وليالي من سنوات إعتماد الجامعية بكلية الأعلام قسم الصحافة.لم تخلو تلك السنوات من التقريظ المستمر من الوالد على سعي خائب نهايته محتمة، ما لكِ إلا الزواج. اقترب حلم إعتماد من التحقق وبات قريباً من مرمى عينيها. لا تخلو الحياة من جبرية المرور فوق خطوطها المتعرجة فتحاول أن تحيد بنا عن السبيل المرصود.

وقت اجتماع العائلة على مائدة الغذاء، منتصر الآن في عامه الثالث الجامعي بكلية الحقوق، لكنه ليس مدافعاً عن الحقوق بكاملها لأنه سيكون سالباً ومنتهكاً إحداها. أما عادل لا يزال في عامه الأول من دراسته في كلية التجارة.

تدور الأم في دائرة محيط قطرها لا يتجاوز المتر ونصف المتر، في مطبخ يكاد يسع فقط لفردين الطباخ والمساعد. المطبخ يعتبر ركن هام في هذا المنزل. فبحكم تواجد الأم الدائم فيه بين إعداد الطعام وتحضيره وجلي الأطباق، كان هناك محل التقائها مع أبنائها كل على حدة حسب الحاجة إلي تفريغ محتوى الخواطر مع أمهم، وكثيراً ما تقتضي الحاجة منها بأن تلعب دور الوسيط بينهم وبين الأب، رسولاً لتوصيل رغباتهم وطلباتهم الأقل من المتواضعة والاعتيادية، ومن ثم الوقوف أمام فوهة المدفع بكامل روحها. ورغبة من إعتماد في تجنب مواجهة مع أبيها على جدال قد يؤدي بحلمها إلى السقوط في بئر الواقع المظلم، طلبت من أمها أن تخبره عن رغبتها في النزول إلى العمل في ميدان الصحافة. لم يتورع الأب عن قتل حلم جنين بدم بارد يتوق إلى ميلاد قريب ينزوي بين جنبات حاملته، إعتماد. ثارت ثورة الأب على المائدة مهدداً وملوحاً بأن ابنته لن تنزل من المنزل لعمل أو غيره ونزولها الوحيد سيكون إلى بيت زوجها. كان خليفة السلطان مؤازراً وعوناً لأبيه في سكب البنزين على النار ليكتمل الاحتراق. قامت إعتماد من على المائدة غاضبة، ولكن متحفظة في إظهار غضبها خوفاً على نفسها ألا تتعرض إلى أي إيذاء بدني، وخوفاً على حلمها لذي يلهج لرؤية النور، وباتت في غرفتها تقاوم قهر الدموع من الفيضان وتفكر في مخرج لأزمتها. فظهر أمام عينها عمها مصطفى، فهو أخوه الأكبر، متفتح أكثر من أخيه، يقف في منطقة وسطى ما بين المتسلط والمتفهم لحال المرأة ومتطلباتها، وسيكون بالتأكيد خير عون لها. وبالفعل نجحت الوساطة من العم ولكنها جاءت مشروطة، مواعيد محددة للدخول والخروج. لكنها بالنهاية ستصل ما دامت بوصلتها في عقلها تعمل.

الرباط المقدس (الزواج- التزاوج) عقد لضمان بقاء النوع والحفاظ عليه من الانقراض. عقد شراكة بين طرفين يلتزم كلاهما بما عليه من واجبات ولكنه ليس كأي عقد من السهل فسخه إذا أخل أحد الطرفين ببنوده المتعارف والمتفق عليها من سائر أعضاء المجتمع. أما الحب فلازال لغزاً لا يعرف سره حتى المحبين. الحب كان الترياق لإعتماد من السم الذي ذاقت مرارته على يد أبيها وأخيها ورأت غصته من رجال ممن حولها لكنها ظلت متشبثة بآمال الحب، لم تبحث عنه بل فقط تترقب.الأمل والألم؛ كلمتان توأمتان في أبجديتهم فإذا اتبعت “الميم” و” اللام” الترتيب الصحيح كما قُدِّر لهما، وكانتا طائعتين للقواعد والقوانين، حملت الكلمة التي يشكلان حروفهما بالتتالي -الميم أولاً ثم اللام- على يديها إشارات البشائر وكانت كنثار النور، بيضاء تتلألأ على صفحة روح أعتم انعكاس ضوئها رداء المساء الأسود.أما إذا تمردت اللام على الميم وطالبت بأحقيتها في الإتباع، حملت الكلمة التي يشكلان حروفها بالتتالي -اللام أولاً ثم الميم- كأس حنظل في فم روح قدرها أن تتجرعه ولا تكاد تسيغه، حتى يطبق كلا الحرفين”اللام”و”الميم” بفكيهما على قلبها فيعتصرا ما بها من رمق للحياة..

علي منصور، مصور بذات الجريدة من خمس سنوات، شاب من أسرة متوسطة جداً، مكافح لكنه يبحث دائماً عن الصعود السريع بأي وسيلة تسهل له ذلك. نشأته في أسرة تسد احتياجاتها بالكاد جعله يتطلع بنهم إلى حياة أفضل ولا يهم من يجتاح في طريقه. انجذب إلى إعتماد وداعب الحب مهجتهما في تلاقي العيون، لم تفصح حين بادرها باهتمامه وشغفه الدائم في رؤيتها والحديث إليها، ظناً منها أن البوح بالحب من المحرمات وأنها إذا أفشت عن مكنون قلبها فقدت عذريتها والتي هي من حق الزوج فقط. عيناها لم تطعها وعصت حين أوصلت الجسور التي أعاقها اللسان، كانت تصدح بسرها للقلم وعلى الورق، ها هو طيفه يداعب مخيلتها وصوته الدافئ يرن أجراساً عذبة على مسمعها، فتهمس للورق، وتستحضره لتعيش معه الحب في أحلامها؛

 في لحظات الحب الهادئ،

وفي سهو من سكون شغف الاقتراب،

يضمني إليه،

فيغرسني إلى صدره

 حتى أصير بين أضلاعه

زهر ريحان يفوح صبابة.

فكلما ضمني إليه،

احترقت وجداً لأذوب كشمعة تتوق للاحتراق

فلم أدر أأنا هو أم هو أنا

يسبقني ارتعاش الحنين

حين يمرر يده على ستائر شعري المنسدل

يقترب فأتنفس شذى الأبدية من أنفاسه

فأحيا من جديد…

يقترب أكثر،

ويقرأ على روحي تراتيل العشق والهيام

يقبلني على جبيني وأتوسد كتفيه

يهيء لي مخدعي في قلبه،

ويتمنى لي أحلاماً في الحب هو فارسه

وأنا أميرته المتوجة على عرش فؤاده.

استسلمت للأمل ولوعد الحب دون الوعيد، وفتحت أبواب قلبها لعلي ليدخل ويستوطن فيه. ولكن ظلت قلة ذات اليد عقبة تمنع اقترابهم المنشود. وفي ظل بحثه المضني للوصول توسط له مدير التحرير للسفر في مهمة يطول أمدها لسنة إلى إحدى دول الخليج العربي، لم يرفض الفرصة التي طالما تمناها، السفر والنهل من مناهل الذهب الخليجي. خفف وطأ البعاد عن الحبيب أنه فراق مؤقت يتبعه التقاء دائم.مرت السنة وتبعتها أخرى دون تحقق الوعد. في  أحد الأيام استيقظت إعتماد على صوت الموسيقى الهادئ القادم من منبه تليفونها المحمول يوقظها كعازف أوتار يأتيها كل صباح، تتهادى موسيقاه على جفون عيونها الناعسة فتنفض عنها غبار نوم ليل غارق في بحور الإجهاد والإرهاق من طول نهار شاق في عملها اليومي. قامت من سريرها الدافئ من رقدتها عليه وفتحت شباك غرفتها الصغير لتسمح لضوء الشمس من الدخول على استحياء فيرسل ضوءاً خفيفاً يزيل عتمة المكان. هيأت نفسها وارتدت ملابسها لتبدأ يومها كالمعتاد وقد بهت حماسها منذ فراق علي، فصارت أيامها كلوحة باهتة الألوان بعد أن غادرتها البهجة في حقيبة سفر إلى بلاد الذهب الأسود. سيعود علي كما وعد بالالتقاء وهو على أمل أن يغترف من المال اغترافاً، فيعود به ليبدآ في بناء حياتهم المشتركة معاً. خرجت من غرفتها وذهبت إلى أمها وقبلت يدها بعد أن مسحت على رأسها بتميمة الدعاء اليومي بأن يحفظها الله من الكائنات النهارية السارحة والتي تسعى طلباً لأي رزق حرام . ذهبت إلى مكتبها وجلست أمام شاشة الكمبيوتر، حاولت مراراً استدعاء الكلمات لكنها أبت واستعصت عليها. جاءتها مروة جارة المكتب ورفيقة العمل الصحفي:

– عندي لكٍ خبر بمليون جنيه يا إعتماد.

– من أين العين بصيرة واليد قصيرة، أعدك حين أصير كاتبة مشهورة سأجعلك مديرة أعمالي.

– علي قادم اليوم على رحلة الشركة الوطنية للطيران

– ماذا؟ صحيح هو لم يرسل لي من فترة، لكنه لم يخبرني

نظرت إعتماد إلى ساعة يدها، وسرعان ما انتبهت أنه ليس أمامها من الوقت الكثير ، تغلبت على حيرتها وأطلقت لنفسها العنان بالابتهاج من الخبر وقررت الذهاب لانتظاره واستقباله علها تهدئ الشغف والشوق الساكنين بقلبها. وصلت صالة المطار الواسعة، والتي تزاحمت وتلاحمت فيها أجساد المسافرين بالمودعين، والعائدين بالمستقبلين، تتساقط من الأولين دموع حزن للفراق ومن الآخرين دموع الفرح باللقاء. جلست تلملم لهفتها واشتياقها لرؤية علي العائد بعد غياب وعيناها تتأمل من تحط بهم أقدامهم أرض الوطن، ومن ترفعهم أقدامهم بثقل للرحيل. استفاقت من تأملاتها على صوت متحدث عبر الراديو الخاص بالمطار بالإعلان عن وصول الرحلة المرتقبة والموعودة. تسارعت دقات قلب إعتماد صدرها كأنما تحاول الخروج منه كطفل حان موعد خروجه للحياة من رحم أمه. حملتها أقدامها تسبقها إلى ممر القادمين، وقفت وعيناها تجول على الوجوه تتفحصها آملة أن تجد حبيبها. كل العائدين يسارعون في خطاهم كحبيس فتحت له أبواب الحرية على مصراعيها لأن الوطن حرية من نوع ما، والانتماء له حق لا يسقط بالاغتراب عنه، وقعت عيناها على علي من بعيد، لم تميزه في البداية فقد بان عليه تغيير في ملامحه وزاد وزنه بشكل يكاد يكون ملحوظ. لم تهتم وتهللت أساريرها برؤيته حين بدأ بالاقتراب من باب الخروج، لكنه لم يعد وحيداً كما غادر، تصحبه أخرى تحتضن يده يداها. تجمدت الفرحة في قلبها كلوح ثلج، وفارت دموعها على وجنتيها يحرقها سيلانها الجاري. أخذت بجسدها تدفعه للاختباء خلف المنتظرين حتى لا يراها علي، وغادرت مكانها ولم تستقبل إلا خيبة الأمل والرجاء وعادت بهم ومعهم.

استجمعت شتات روحها التي تبعثرت من طعن الغدر، وقررت أن تكون مبارزة في فنون الكتابة. لم يبق لإعتماد أمل في الحب، خلعت سواره وألقت به في غياهب الجب في غمرة حزنها من الألم الذي ظل يعتصر قلبها لفترة من الزمن. وظلت ذكراه المحطمة تؤرقها أحياناً كثيرة.

أمنية قديمة العهد بالزواج وأم الأبناء الخمس، ترهلت من كافة أجزاء بدنها. وذاب البروز الفتان وسط الدهون، ومحي اهتمامها بخدمة الزوج والأولاد ذاكرتها الفلسفية. أصبحت تدور في فلك المنزل والزوج بعد أن حفظت عن ظهر قلب وصية أمها لها بأن ليس لها في الدنيا إلا حائط زوجها الذي هو السند والظهر وأنه مهما فعل بها عليها أن تتحمل حتى لا تخرج من تحت مظلته الوارفة فتهوى في مصائب الدنيا. فصارت الفيلسوفة جارية دون أن تدري. ليتها كانت تعي أن الزواج وأداء دور الأم لا يتعارض مع كونها فيلسوفة، لماذا توقفت وسط الطريق وأناخت ناقة العقل على أرض الخدمة المنزلية؟! لماذا لم تكمل البحث عن ذاتها؟!

في حديث تليفوني يجمع إعتماد مع الرفيقة أمنية تسألها إعتماد كيف ترى الزواج بعد مرور أثني عشر عاماً؛

– كيف ترين الزواج بعد أن أتممتِ عشر سنوات في عش الزوج؟

– لا أخفيكِ خبراً يا أعتماد، دوام الحال من المحال. بعد سبع أعوام من الزواج أصبحت أرى زوجي سائراً بنصفه الأسفل فيما يبدأ بالمعدة وينتهي في الفراش. وأظن حاله لا يختلف كثيرا عن حال معظم الأزواج. خط سير ثابت لا يحيدون عنه، عمل-طعام- فراش. إذا حاولت إقحامه في مشاكل البيت والأبناء يتململ ويدعي التعب، فتقوم الصديقة بتأدية جميع المهام الأنثوية والذكورية.

تزوج منتصر وصار حاكماً لما في يمينه، المسكينة لا تجد من بد غير الشكوى والبكاء لإعتماد، عل وعسى تبلغ من الوساطة مبلغ يخفف من الضغط السلطوي الذي يمارسه الأخ في براعة منقطعة النظير.

– هل يرضيكِ يا إعتماد أن أخيكِ يرفض أن أعمل بعد أن جاءتني وظيفة إدارية جيدة في إحدى جامعات المحافظة. لماذا يرفض وأنا أعهد له بأني سأعدل بين كفتي العمل والمنزل، وسأبذل قصارى جهدي في عدم التقصير تجاهه أو تجاه أبنائنا.

عادل هو القاعدة الشاذة التي تخلخل الفكر السائد في استعباد المرأة واعتبارها قطعة من أثاث المنزل وجودها أساسي لتأدية غرض ما هو الزواج والتكاثر وتربية الأبناء. عادل يحب زوجته ويحترم رغباتها حتى وإن تعارضت قليلا مع إرادته، ويشاركها في كل ما يتعلق بالحياة ابتدءاً بالفكرة وحتى مرحلة التنفيذ. زوجته طبيبة واعدة وناجحة. وربما وراء كل امرأة ناجحة رجل عادل.

  بعد أن ألقت بسوار الحب في طيات الفقد والنسيان قررت أنها لن ترتدي سوار العبودية إلا لشاذ القاعدة علها تجده.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً