الخادمة

100-Hand-Painted-Kitchen-Maid-Dorm-Decorations-Wall-Decoration-Paintings-For-Villas-Katy-Perry-Chardin-Painting

أيمن هاشم :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط  هنا 

**

استيقظت فأرة المنازل من غفوتها عند المساء , فوجدت نفسها قد تحولت إلى بشرية ,كانت مستلقية على ظهرها في المطبخ و عندما رفعت رأسها تمكنت من رؤية باقي جسمها , بشرتها سمراء اللون , و جسدها ممتلئ , رفعت عينيها فرأت ملابس الطبخ مُعلقة على باب غرفة المعيشة المغلق من الداخل , تساءلت دون أن تنبث ببنت شفة عما جرى – فلم تجد إجابة .

بدا المطبخ عادياً ,بأرضية من السيراميك,و دولاب رمادي اللون , بجواره موقد الغاز ,وبالقرب منه يوجد لحاف من الإسفنج كانت – خادمة المنزل – تنام عليه ,وعلى الدولاب علقت صورة الملك بابتسامته الساذجة ,رأت مريلة الطبخ البيضاء ففكرت بارتدائها بسرعة لأنها أحست بالبرد .

لم تستطع العودة إلى النوم مجدداً, صوت أنفاسها صار عالياً, و أصبح بوسعها تحريك يديها القصيرتين كما اختفى ذلك الشعر الكثيف الذي كان يغزو جسمها, كان بوسعها أن تدير رقبتها , وتتحسس ساقيها عند الوقوف الذي بدا أجمل من الانحناء .

فكرت بما ستفعله .. فقد أصبحت آدمية , لكنها لم تختر مهنتها هذه التي تعلم أنها متعبة جداً ,و مذلة أحياناً كثيرة. تأملت نفسها من جديد .. هاهو شعرها الأسود المنسدل على رقبتها ,وأنفها الصغير الجميل الذي اختفت عنه الشوارب , كما أن رقبتها صارت طويلة بشكل جميل ,و عادت أذناها للخلف ، و عندما لمست صدرها أحست بحكة في الأسفل و سرت رعشة في أوصالها .

كانت تكتكة عقارب الساعة و صوت الثلاجة مزعجين جداً ,و قد اقترب موعد استيقاظ أهل المنزل ,وإن لم تنم فستنهض مرهقة و هكذا مضت تُفكر في الذي سُتعده لهم من طعام, متى ستغسل الملابس , و تكنس المساحات الواسعة من الأتربة ,و كيف ستتفادى تعنيفهم – فهم قساة جداً– لدرجة أن جحرها بدا أكثر أمناً .

ظلت تفكر كثيراً , لم تنم بسرعة حينها قررت فتح الثلاجة و تناول آخر الطعام المتبقي, سمعت دقات على الباب كانت المرأة تُوقظها لتعد الشاي و حين ردت عليها جاء صوتها جميلاً و به بحة مميزة – أرادت أن تخبرها بأنها مستيقظة و ستبدأ بإعداد الشاي, تمنت للحظة أن تعود لما كانت عليه سابقا، عليها قبل فتح الباب ارتداء ملابسها ثم غسل أسنانها , فقط كان عليها التأكد من أشياء بسيطة , فهي في لهفة للضوء لكي تظهر على حقيقتها , وجدت أن اسمها هو ما نادته به السيدة التي بدا في نبرة صوتها شيء من الحِدة , كان جسمها متسق و ممتلئ , و لم يكن بوسعها الاهتمام به فهي خادمة بمنزل ،غسلت وجهها وأسنانها, لم تحتج لتقليم أظافرها, تأملت حاجباها المقوسين في المرآة, عيناها الضيقتين السوداوين بلمعة , ولاحظت وجود بثور في مناطق محددة في وجهها ,و بعض الشعيرات توضح مدى عدم اعتنائها بجمالها .

قبل أن يستيقظ الأطفال بدأت بغلي الشاي , أرادت معرفة عدد أفراد العائلة لكن فوران الشاي ترك الخيار الوحيد لها هو حساب عدد الأكواب المُغسولة من يوم أمس .

عند استيقاظهم كانوا يزعقون رافضين المُضي للمدرسة , كُسالى كقطط صغيرة , حملت كوب الشاي للسيدة التي كانت قد جلست أمام الكمبيوتر اللوحي ، تذوقته بطرف لسانها ثم ابتسمت لتتجاهل وجودها قائلة :

– إذهبي .

كان بإمكانها حمل نفسها على الهرب , بعد أن جهزت لهم الإفطار ,و راحت تستجمع قواها ,عندما دق جرس الباب الخارجي , فقد استعد الصغار المزعجين للخروج ,وسيارة الترحيل تنتظرهم .

قال الزوج الذي خرج من الحمام واضعاً منشفة على رأسه :

– أعدي لي الإفطار, و لم يجرؤ على تكرار طلبه , و حين فتح باب الغرفة بدا لها أنها أبصرت ابتسامة ثعلب صبور , و قالت السيدة :

– ماذا تنتظرين أيتها الغبية , إنه يريد اللحاق بالعمل .

فتحت باب غرفة المعيشة , وعندما انتهت من إعداد الشاي وضعت طبق البيض و المربى على المائدة , أخفض الجريدة للأسفل و تطلع إليها لتنصرف .

و حين بدآ الجدال , انصرفت بتباطؤ كيلا تفوت سماع حديثهما، قالت السيدة :

– أظنني بحاجة لتفسير عن سبب تأخرك , إن كنت تظن أنني كنت نائمة فكل ذلك الشخير مصطنع , ليس علىَ دائما تجاهل تصرفاتك .

تساءل الزوج :

ما الجديد في الأمر , قال و هو يضع كوب الشاي , لحسن حظنا أن الأمور تترتب بشكل جيد و إلا سادت الفوضى , أنتِ تتجاهلين وضعي كزوج تماماً .

كان عليها مواجهة شكوكها , و الإتيان بمبررات واهية . ثم رفع صوته قليلاً :

– لا أدري لماذا تعاملينني ببرود , أنت تجلسين لساعات أمام الكمبيوتر اللوحي و تضيعين وقتك , كما لست بحاجة للدفاع عن نفسي , إنني أبذل مجهوداً لتعيشي مرتاحة , ألم تسألي نفسك – ماذا تبذلين لتمنحيني الشعور بالراحة .

قالت في ارتباك بعد أن أطبقت شاشة الكمبيوتر اللوحي :

– و بما أننا فتحنا هذا النقاش , فيجب أن تعرف أنني كنت أنتظرك , لم أقصر في حق الأطفال إنني أقضي معظم يومي معهم ،مجبرة على محو ذلك الهراء الذي يدرسونه من أقرانهم , بوسعك أن تلاحظ أنهم طيعون كخراف صغيرة , و متفوقين في دراستهم – متى كانت أخر مرة ذهبت إلى اجتماعات مجلس الآباء ؟

شعر بالحنق , و ضع الجريدة على المائدة , كعادته لم يكمل إفطاره ,عدل ربطة العنق ثم حمل حقيبته , تتبعه نظراتها . ثم فتح باب الشقة و لم يغلقه جيداً .

نادت السيدة على الخادمة :

– أغلقي الباب .

أسرعت خلفه لتغلق الباب , فأبصرته و هو ينزل على الدرج , تذكرت بعض الأشياء , ثم أغلقته و استندت على ظهرها لم تجد فسحة من الوقت لتتخيل ما حصل .

ثم عادت إلى الداخل , كانت بعض الأتربة قد غطت حجرة الجلوس , كانت ثمة صورة فوتوغرافية للزوجين ذات إطار ذهبي لكن بعض التراب غطى حوافها .

عندما دلفت إلى الداخل لملمت باقي الأكل من على المائدة , كانت الجريدة مفتوحة و عليها عنوان ” خريجات جامعات يعملن كخادمات ” , هي الوحيدة التي أدركت مدى الورطة و قد أحست بالعجز فالأمور غدت أكثر سوءاً , لأنها تعيل والدتها و شقيقتها , كانت لديها مشاكل كثيرة، و لكنها نجت منها , الناس هنا لا يتمتعون بالعطف , إنهم صلف , يعتقدون أنها بعملها ذلك أنها توافق على إذلالها , و يرمونها بشرورهم الخاصة و نزواتهم. قالت بصوت منخفض :

– هل تسمحين لي بالخروج لتنشق بعض الهواء . كانت تنسل ناحية الصالة إلى غرفة المعيشة حيث حقيبتها , باغتها الرد بصوت عالي كأنها لُدغت خلف أذنها .

– كرري ما قلتيه أيتها الحقيرة مجدداً . لقد شرعت في الصراخ هذه المرة , و بدت كشيطان .

ظلت الخادمة واقفة كتمثال , عليه فضلات الطيور . ثم خفضت بصرها , و بصمت مضت إلى غرفتها , تهاوت على الأرض هناك , و استندت على الحائط , فكرت فيما لو صارت جرذاً , حركت أصابع قدمها و تمنت لو لم تكن شيء.كان بإمكانها الاختباء في فتحات الدولاب بالأسفل , أو السير بمحاذاة الحائط إن احتاجت لشيء تأكله , أدركت بأنه يمكنها تدبر خطة أخرى .

مررت يدها أسفل الدولاب ثم حشرت أصابعها , كانت ضخمة و كانت فكرة الاختباء مجرد نكتة .

نامت السيدة طيلة الفترة الصباحية , و عندما استيقظت كان مزاجها قد تغير , و حين نادت على الخادمة , قالت إن ظهرها يؤلمها و أنها تحتاج مساج أسفل ظهرها , رقدت كاشفةً عن جسد أبيض اللون , ممتلئ عند الخصر , بدأت اللمسات السريعة بالأصابع المُعطنة بالزيت , ثم دلكت أسفل رقبتها مروراً بأسفل اليدين عند منبت ثدييها حتى منطقة الفقرات السفلي , و أصدرت المرأة تأوهات جنسية , و استسلمت لتلك الأصابع اللينة .

جلست طيلة الظهيرة , تنتظر قدوم الأطفال لتعد لهم الغداء , بعد أن انتهت من تنظيف الصالة ,وبينما انشغلت السيدة بهاتفها – كانت تضحك بشكل ماجن , كانت تتكلم مع الغرباء ,و أغلب مكالماتها الصوتية كانت تنتشر في البيت الذي يخيم عليه السكون .

قالت الخادمة لنفسها :

يا له من بؤس هذي الحياة التي أعيشها و يعيشها هؤلاء الكاذبين , إنهم يستمرون في إنجاب الأبناء , لكي يتفادوا مشاكلهم , ما ذنب أولئك الصغار , كل ما يحصلون عليه هو الطعام الجيد , إنهم بالكاد يستطيعون الإمساك بالملعقة , لكن ماذا لو كان كل ذلك التظاهر بالحياة الجيدة و الرضا يمكن أن يؤول إلى نتائج جيدة ” و كان تساؤلها غبياً جداً ” .ليس الأمر بهذا السوء , فجحور الفئران تخبئ ما لا يُرى , من التفاهة تفقُد تلك الجحور لتقييمها .

ما حدث لها في فترة المساء , في الليل المتأخر , عندما انتصفت الساعة و رقدت على لحافها المفروش على الأرض , تمنت لو أنها تعود لما كانت عليه , انفتح الباب للحظة قصيرة , وبدا أن أحدهم ينظر إليها , كانت قد عدلت من رقدتها , فغطت ساقيها الشهيتين بطرف الملاءة , توقعت أنه أحد الأطفال يريد الحليب , ثم انتظرت دون أن تنبث بكلمة , كان الظل المنعكس من الصالة ظل ضخم , كانت الإضاءة البسيطة تشف عن ساقيها اللامعتين , من عساه يكون – تمتمت تدعو المسيح , ظهر طرف الجلابية البيضاء , تأكدت أنه هو , حتى السماوات حجبها السقف , كان الرب وحده يعلم مدى خوفها , و كان يسترق السمع لأنينها .

بقيت طوال الليل , تتحسس الألم الذي ينتابها , و تجرجر طرف ثوبها لتخبئ عارها , و حين نامت راودتها الكوابيس , كانت تحترق بدون ألم , فقط النار تحيط بها من كل اتجاه , النار تريدها – النار تطهرها .

في الصباح الباكر بينما كان الظلام ما يزال سائداً تماما , سنحت لها الفرصة للهروب , حزمت حقيبتها , كان مفتاح الشقة هو العائق الوحيد , مضت حتى عند الباب , فزعت لم تتمكن من السيطرة على أعصابها , رجعت مجدداً , تمنت لو لم تشرق الشمس مجدداً , كفأر خائف أسندت ظهرها للحائط و راحت تتطلع إلى النافذة , أرجعت شعرها للخلف , أبصرت ولاعة السجائر الخاصة بالسيد , دهشت , كانت الأموال التي تدسها في الحقيبة ترقد ملتفة على نفسها في حزن , تملكتها رغبة وحشية في الخلاص .

مازالوا مستغرقين في النوم , كانوا يعتقدون أنهم سيصحون في الصباح لتخدمهم , لتمسح أوساخهم , و قذارتهم , و هي ما تزال تحمل عبء ينأى عنه جبل , كانت همومهم الصغيرة تتمثل في كوب حليب , في الصراخ في أحدهم .

ركعت الخادمة و أطبقت يديها لترفعهما , اغرورقت عيناها بالدموع , تنهدت شهقت حتى كادت تنشق ثم أحست بطعم دموعها المالح و الساخن , و اتجهت بالدعاء ليسوع و لمحمد و للشجرة المقدسة في قريتها , دعت الله بأن يحولها لفأر منزلي , لم تجد إجابة . لا أحد في الكون ينتبه لخادمة منزل .

على لحافها المصنوع من القطع جلست الخادمة , بعثرت النقود الورقية على الأرضية , كان الغاز من الأنبوبة قد بدأ بالتسرب , و عندما أشعلت الولاعة , خرجت جميع الفئران , أحست بأنها حصلت على إجابة في نهاية الأمر .

 

عن أيمن هاشم

mm
قاص وتشكيلي من السودان

أضف تعليقاً