الخطيئة المقدسة

sin Maha Berqdar ElKhal

يوسف بشير :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

جدي، العجوز الخبيث، لم يسمح لي أن أقتحم خلوته رغم إلحاحي المتكرر، استعصى عليّ الدخول لمحرابه بشتى سبل الحيلة، اختلقت الأعذار لأدلف فلم أجد، فقررت أن أختلس النظر عبر ثقب صغير في الباب.

هكذا هي خلوته، يغمض عينيه، يقطب جبينه، يلعق اللعاب السائل من بين شفتيه، يحرك يديه، تجيء وتروح. لا أدري ماذا يفعل، لكنه يبدو متلذذاً جداً، يجذب الملاءة بعنف ويمسح العرق الذي غرق فيه. كنت استمتع بتلك النظرات لشيء في نفسي، لا أدري ما ماهيته، إلى أن جاء يوم أغبر، فبعد أن هممت بالمغادرة، ضبطتني جدتي الشمطاء متلبساً، جذبتني من ياقة قميصي الرث، وقادتي إليه، كان عارياً، سريعاً غطى عورته بالملاءة، لم أر شيء، ولا شيء، فقد كنت أتلوى في محاولة بائسة للهرب.

أثخن جدي ظهري النحيل بالسياط التي لا زلت أحس بوجعها كلما مررت يدايّ على المكان الذي جلدت فيه، فمن يومها، هويت العزلة، وبالأحرى هي من هامت بي، فصرت أقتني الكتب، كنت لا أعرف معاني الكلمات، تبدو غامضة جداً، فأهرول لعمي ليفسرها لي، لكنه كان فظ القلب، يبسط يدايّ على الثرى، وبكل برود يضع أقدام الكرسي الحديدي فوقهما، ثم يجلس عليه كأنه جنكيز خان غير مكترث لصراخي، ثم يبدأ في تحفيظي سورة البقرة، وعندما تظهر تأوهات على وجهي، يهوي بمسبحته العتيقة على رأسي، لتتدخل زوجته، المرأة الطيبة، والتي رقتها لا تتناسب وفظاظة زوجها، ولكنها القسمة أوقعتها فيه، كما قالت لي ذات يوم. تتدخل لتخليصي، فيعجزها ذلك، وأحيانا يدفعها برجله اليمنى، كرجل يرمي بقطة نافقة في الهاوية، فتهرول لأمي، التي تأتي مسرعة، تلتقط أنفاسها اللاهثة، تحدق فيّ كسائحة قروية تنظر في برج أيفل، بعد برهة طال فيها أمد عذابي، قالت لعمي:

ــ “ليك اللحم؛ ولينا العضم”.

أصبحت إحدى عادات عمي تحفيظي القرآن بتلك الطريقة، فكرهته، مهلاً، أستغفر الله العظيم، لم أبغض الكتاب الكريم، وإنما عمي، الذي نفر قلبي من المصحف، فأنا الآن: أحفظ ثلاث سور فقط: الفاتحة، الناس، والكافرون. لأصلي بهم في رمضان، وفي الحقيقة، أنا لا أصوم، فقط أتظاهر بالصوم، لكي لا يوصمني جدي بالكفر.

زوجة عمي، كنت أسميها (حنين)، رغم أن أسمها الحقيقي (أم كلثوم)، سماها والدها تيمنا بالفنانة المصرية التي لمع برقها وقتها، أسبغت عليها الإنسانية أسمى ما فيها، إغاثة الملهوف، من خلال خبثها الأنثوي، فما أن يحين موعد تحفيظي، أو قل عذابي، حتى ترتدي قميص نوم شفاف، فحين يراها هكذا يطردني كأني شوكة حوت التصقت بحلقه.

وكلما ارتكبت جناية، كنت أركض صوبها هارباً من عقاب أمي، تضمني، وتطبق عليّ بصدرها، تطل أمي بقامتها الممشوقة، وهي تنعتني بأقذع السباب، (حنين) تربت عليّ، تدعوني لعدم الخوف طالما أني معها، ثم ينظر الاثنان إلى بعضهما في غلٍ كأنهن يتشاركان في زوج واحد، وما أن تخطو أمي راجعة وهي خائبة، حتى تطوقني (حنين) بذراعيها، ثم تلثم خدايّ بحنو.

ذات يوم، وفي أحدى ثورات أمي التي تشنها عليّ، سألتني (حنين):

ــ أن كبرت سوف تتشابه عليك الأسماء مع قسوتها، أمك، عمك، جدك، وجدتك. في آن واحد.

أجبتها باقتضاب:

ــ فقط، سيظل أسم حنين بعيداً عنهم.

كان الوقت الذي أقضيه في المدرسة، أجمل لحظاتي، رغم انطوائي، فكل الأوقات عدا تلك التي أنفقها في المدرسة متشابهات، أعيشها بين رعب وركض، إلى أن جاء ذلك اليوم الذي مات فيه عمي، وتعالى نواح النسوة، إلا (حنين) فهي لم تبك قط. مضت أيام العزاء ثقيلة على نفسها، أنفض بعد أسبوعين المعزين كل إلى وجهته، حثني جدي على النوم معها، إذ كنت صغيراً وفق اعتقاده، رغم أن عمري حينها كان خمسة عشر عاماً، فبدأ صوتي يجش، وتظهر علامة رجولة مبكرة. كنا نتجاذب أطراف الحديث تحت ظل الشجرة المعمرة المتوسطة لفضاء غرفتها، لا تستحي من إرضاع صغيرتها أمامي، مر شهران ونحن لا نقترب من بعض، فالمسافة التي تفصلنا قرابة المترين، وعلى وجه الدقة متر ونصف، كنت أرغب في التقرب إليها، ولكني، أنصاع لتوجيهات جدي، الذي أقسم أن تقربت سوف يذبحني.

فلقد كان شيخ سبعيني ورع. وكما تقول جدتي، يرى كل ما اقترفه. فقالت لي ذات يوم وأنا يافع:

ــ جدك يملك جن يخبرونه بكل شيء يحدث في منزله.

ومن لحظتها رسمت فيّ هالة من الخوف لم تنقشع مني إلى الآن. حل الشتاء كان يجب علينا أن ننام داخل الغرفة، وكان بغرفتها سريرين، خزانة للملابس، مرآه كبيرة مثبتة على الحائط بأحكام، تلفاز معطل، وشماعة ملابس عُلقت عليها ثيابها المتعددة الألوان، صغيرتها وهي نائمة تبدو كملاك هائم في ملكوت الله، خرجت وعادت بعد قليل، أبدلت ملابسها، ثم انحنت لتضع الجمر فوق المبخر الفخاري، نثرت على الجمر بخور ذو رائحة شذية، ثم أتت وجلست قربي، فُردت شعرها على كتفها، ودعتني للبحث عن شعرة بيضاء في فروة رأسها، وحتما لم أجد سوى ليل وعبير ذكي الرائحة، تذكرت يوم أن مات عمي، فسألتها بغباء مراهق:

ــ لم لم تبك يوم وفاة زوجها

فردت بغنج:

ــ من يرى مخالب غيره تغيب عنه محاسن نفسه.

أرعدت السماء وأبرقت، سالت أودية من الظلام تلفني بقسوة, كنت كثيراً ما أخذت ألوم نفسي في انقيادها الأعمى نحو هوة لا قرار لها، باتت طقوس سحرية ممتدة في كل ليلة ولأعوام طوال حتى بات إدماني لها يقلق نفسي الباحثة عن بقعة من الضوء تنير ديجور النفس الأمارة بالسوء، وفي ذات يوم خطبها أبن عم أبي من جدي، فزوجها له، بعد مشاورة أبيها، وكانت حجته:

ــ سوف يشب حفيده مع أبن أخيه، كأحسن ما يكون. بعدها عشت في خواء موجع ووحدة طاغية فلقد ولجت إلى تجاويف أحلامي الفارغة من الأمل.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

اترك تعليقاً