الرئيسية / العدد الخامس والثلاثون / بريد القراء: الدكان

بريد القراء: الدكان

5654707185_969ae82840

عبد العال عبد الرحمن عبد العال

**

 كان هناك دكان ..اسمه “منير” على إسم صاحبه …يطل على السور الخلفي لجامعة ما، بجواره مطعم ولا شيء آخر يستحق الذكر، منازل كأنها خاوية لا شجر لا ضوء لا أثر لحياة لا شيء .الرجل الذي يبدأ يوم دكانه قبل الغروب بقليل.. تغرب الشمس فينير هو متجره ..رجل لا تمل منه ، كروي قديم ذو لسان ساخر،حلت عليه لعنة تشجيع الأرسنال لا ندري لماذا لكنها تقريباً لعنة هنري بالأصح، لذلك تراه في ضيق دائم من ناديه، الكؤوس شحيحة والدوريات كالثلج أسفل خط الاستواء .

دخل صديقنا الشاب حاملاً سلامه بلسانه رد منير الذي رآه من المدخل..الدكان صغير له مدخل بين ثلاجتين في الخارج، يتسع لشخص واحد يحجب الرؤية عن البقية من الداخل أو الخارج ،من الداخل أرفف مستوية تحمل البضائع بعضها فوق بعض،من أبسط الاحتياجات اليومية إلى رفاهيات البرجوازية …

دخل صديقنا لم ير سوى منير في البدء ثم ما لبث أن رأى رجلاً بمسبحة سوداء طويلة يتصل خرزها ببعضه حتى تتصل بالأرض،تتكئ على الأرض قليلاً ثم تعود إلى يده الأخرى ، طولها ثلاث حركات للرقبة وخمس دقائق من التسبيح…حياه أدار رأسه إلى التلفاز المعلق عالياً فوق المدخل، رأى شخصاً طاعناً في السن، التفت إلى منير: الزول دا لسه بيطلع في التلفزيون

منير: تقول شنو بس، ما داير يريحنا اصلو…

الشاب: السودان دا فيه خمسة ما بنتفك منهم، وعدّد منهم … لك مطلق الحرية في أن تقترح بقية الأسماء…ما يهم في الأمر…

ما إن ذكر اسما معيناً حتى سمع صوتاً يشبه ذلك الصوت الفخيم الذي يطل عليك من آخر وعي لديك قائلاً: لا تفعل ذلك …

لوهلة ظن صديقي الشاب أنه أصيب بانفصام في الشخصية سمع صوته الفخيم واضحاً جلياً كأنه تكون في شخص آخر…كأن أصبح إنساً مسمى لاسمه إثنان من الشياه، إلتقمها عدد من الناس وباركوا عليه…إلتفت صديقي إلي علّه يرى مصدراً لذلك الصوت،وجده.. كان ذلك الرجل، لا توحي تعابير وجهه بأنه تحدث أو نطق حرفاً كان متزناً مغمضاً عينيه كمن يستجمع قواه،

يحاول التركيز أو يحاول الحفاظ على تعابير وجه خالية المشاعر ،قل ما تريد كان متزناً كمن يدرك حقيقة الحياة كمن يدرك مكمن الروح،كان السكون لكن مسبحته لا زالت تتحرك ،إبهامان وسبابتان فقط لا نفس يدخل لا نفس يخرج لا شيء آخر يتحرك ..

كان الرجل عبارة عن سكون مطلق …أكمل بعين مغلقة :ما تقول الكلام دا عيب عليك …

أدار الشاب رأسه محتاراً أتعلم ماهية ذاك الخوف الذي يتخللك لجزء من الثانية، ذلك الذي يجمع أشلاء حياتك جميعاً لتكون واحداً، تلك اللحظة التي تسمع فيها أن نتيجة ما ظهرت : نتيجة امتحانات، تحاليل طبية،لحظة ما قبل الاصطدام بينك وبين المركبة الأخرى، ذلك الذي لا يحدث،تخسر كل الكون لوهلة ثم يعود الكون كله بين يديك…

ذلك كان صديقنا، إلتفت فخرجت منه بضع كلمات لا يدري مصدرها ربما تكون نخوة، غباءً مطلقاً، قل طيشاً حباً للجدال :

كلنا حنموت ما هو براه …

أغلق عينيه مرة أخرى هنا أدرك صديقنا مغزاه من إغلاق عينيه، كانت كظماً لغيظٍ، إنفعال مكبوت،مناورة يستعملها البعض ممن خبروا الحياة ، إحداث شلل مؤقت للجسم اختيارياً  …

إلتفت لمنير بينما بدأ الرجل يتحدث أومأ له منير أن اصمت ودع الجدال ..هنا تذكر هذا الرجل كان يراه كل يوم في الدكان لا يتحدث سوى وقت الحساب ..يسحب كرسياً في الخارج في بعض الأحيان ويداعب مسبحته التي تتصل بالأرض دائماً ، دلالة صوفية رمزية في قلب مولانا الصامت ربما ..

هنا تذكر تحذيرات غضب الحليم،احذر الصامتين، أولئك الذين لا يتحدثون كثيراً هم الأكثر قدرة على فعل أكثر الأشياء بعداً عن الواقع،الخيال الخصب يأتي من المراقبة الكثيرة يأتي إبداعاً بشتى الطرق حتى في المحظور..سمعه لا زال يردد شيئاً ، تهديداً لم يدرك سماعه ربما ، الصوت أخذ حدة غاضبة قليلاً : مولانا دا في مقام أبونا، من آل البيت، سيدي فلان ما بنجيب سيرته إلا في خير، ربنا يجعله خير..

دارت في خلد صديقنا آلاف الردود أسرعها على لسانه ؛ سيدك براك ..لكنها لم تخرج، آثر العقل الصمت..

أتعلم أين أنت الآن ، أنت الآن في منتصف صراع الأجيال إلى جانب الشاب آلاف لا يحضرون في اللحظة وإلى جانب الرجل الآخر أيضاً آلاف..قليلون في المنتصف، لا يقفون حياداً بل يقفون عدم اهتمام ، بين الفئتين من يمكن أن يحمل سلاحاً ليعتدي على الآخر ،من كلا الطرفين ،من في المنتصف ربما سيضحكون فقط لا أكثر، وفي النهاية كل منهم سينعت الآخر بالجاهل

تلك الأطراف الثلاثة ترسم ثلاث نقاط على خط واحد يمر بمركز دائرة.كل جماعة على نقطة ، على أبعد نقطة ممكنة من الفئة الأخرى والواقفون في المنتصف هم في مركز الدائرة لا يمكن أن يجتمعوا ، أن يكونوا نقطتين أو نقطة واحدة، هم دائماً وسيبقون أبدا ثلاثة، ككل الصراعات التاريخية ..لا حوار لا نقاش فقط اختلاف…

حاول استعادة صوته :

سيدك براك ..

… لكنها لم تخرج أيضاً هنا وجده ، أتاه صوته الفخيم ،الباطن ،المنطق : يا إبني ما تخلي الليلة دي تعدي على خير، يعني عشان إنت ما مؤمن بحاجة زي دي عايز تغير الزول دا معاك، عشان انت شايف الكلام دا غلط ما أكتر، طيب هو غلط تموت عشانه يعني …

إلتفت بها لمنير: أديني علبة برنجي ..أعطاه منير علبة السجائر محلي الصنع، وعلى وجهه ابتسامة تشي بكل ما يريد قوله…

ابتسامة: قلت كدا أحسن ما وقته ولا بينفع ، هاك ولع دي ويا دار ما دخلك شر …

آثر الصمت بكبرياء مكسور وبعلم يراه مفنداً لكل طاعات سيدنا الواجبة سوى الاحترام للسن .قال وهو خارج :سلام يا حاج ..

رد ذو المسبحة :

سلام يا إبني، انت لسه صغير ما ليك في الحاجات دي بكرة تعرف..كان صديقنا في المخرج الضيق ..ذلك المخرج الضيق يوجد دائما في حياتنا وان كان هنا حقيقة ،لكنه يوجد دائماً ..هو مشاكلنا المتروكة دون حل ، قراراتنا المؤجلة إلى وقت لاحق ،المسؤوليات المعلقة إلى حين ما ،كلها نتخذ منها مخرجاً ضيقاً حتى يحين الموعد الانفجار، معظمنا يتخذ هذا الطريق، معظمنا يؤجل كل شيء حتى تحين لحظة اللا عودة ..

في ذلك الوقت حيث رجل المسبحة لا يرى وجهه..ارتسمت على وجهه ابتسامة تبعتها هزة رأس خفيفة ..تعابير تقول لماذا هذا الحوار موجود حتى الآن ..

في الداخل ارتسمت على وجه الرجل راحة خفيفة ، خرج من مأزق ، دافع عن سيدنا دون اضطرار للزيادة عن بضع كلمات

هذا الجيل لا يعقل شيئاً، البشر ليسوا سواسية هناك من اصطفاهم الله ويجب أن نكون بجانبهم ما استطعنا ..صراع أجيال بعيدة ، مئة ثقافة وثقافة وكلها تختزل في بضع كلمات لا يرضى أحدهم أن يستمع للآخر حقاً، أن يدرك أن هناك شيئاً غير ما تعلمه ، أن يدرك أن الإنسان خلق ليتعلم ، ممن هو أصغر منه ممن هو أكبر منه من بقية الكائنات على وجه هذه الأرض.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

اترك تعليقاً