السيد لا أحد

1953069786

أمير جويلي :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

عندما طال حبسه في أوراق مطوية داخل جيب حقيبة جلدية ، أدرك أنه ليس حقيقياً وأنه محض خيال في رواية بائسة،فثار وغضب وكره الكاتب الذي اخترعه . لم يعجبه انه لن يستنشق غير رائحة الحبر الذي لن يجف لأن لا أحد سيقلب ويقرأ صفحاته ، وأنه سيحيا هُنا عبداً لا دخل له فيما سيحدث له، كما أنه  لن يكون لديه أصدقاء وصديقات من أبطال القصص و الروايات المرصوصة على الرصيف وفوق أرفف المكتبات ..

لم يكن يعلم السيد “لا أحد” بطل الرواية ، أن كاتبه اسقط عليه شكله البائس ، ولهذا لا يريد أن يقرأ غيره ما كتبه ، كما انه بلا اسم و ليس لديه لا عائلة ولا مأوىَ  ،و لا يمتلك في الحياة إلا خاطر مُعذب وقلم انتشله من صندوق للنفايات .

 جلس الكاتب حزيناً وبائساً تحت عمود كهرباء على الرصيف ، جائع وتعب ينفض عن قدمه الماء المتسخ الذي تسلل من الشقوق القطعية في جسد حذائه البالي وهو يجوب الشوارع عارضاً عمله على دور النشر التي لم تستقبله لانعدام حسن مظهره وكونه من الجائلين المتسولين الذين لا صفة لهم في الحياة ولا حق .

أعمته السآمة وسأل ربه ناقماً حياته:

 –  لماذا هذا العالم ليس رحيماً وعادلاً ، لما حين خرجت من بطن أمي التي لا أعرفها لم أجد بيتاً ومالاً مثل ما وجد كُل هؤلاء الناس .

وإذا بصوت يناديه :

– يا هذا ، لماذا تبكي ؟

اعتدل بهدوء ومسح دمعه الذي لم يشعر به وهو يتسلل و يبلل لحيته المُغلة ، وقال للرجل الوقور الواقف أمامه :

– لأني لا أحد .

فقال له الرجل الوقور بعد أن جلس بجواره غير مبال برائحته القذرة الفواحة وملابسه الرثة المتسخة :

– ما هو الشيء العزيز الذي تبقي عليه في هذه الحقيبة التي تتأبطها بحرص شديد ؟

فأجابه بنبرة مكسورة:

–  قلم أوشك أن يجف حبره ، ورواية بائسة لن يقرأها أحد .

فقال له الرجل الوقور مستأذناً في تكلف لا داعي له :

-هل تسمح لي بان اقرأ روايتك أيها السيد لا احد.

أعطاه النص وفرح جداً لأنه للمرة الأولى يُعامل كإنسان وليس كمخلوق آخر متوحش لا يرغب في الاقتراب منه أحد .

وعندما سمع السيد لا احد بطل الرواية الذي طالت حبسته في الورقات المطوية حشرجة سلسلة الحقيبة الصدئة كانت له أكثر تناغماً من سنفونية البعث العظيمة .

عين جديدة وطيبة تتأمله وتحملق فيه وأنامل نظيفة ومقلمة الأظافر تُمسكه بطريقة مُهذبة ، حدق بعين الرجل الوقور الذي يقرأه فوجده مستمتعاً وموغلاً في الشرود فعلم أن الكاتب قد ابدع ، نظر اليه فوجده مغموراً بالسعادة والنشوى

فأحب كاتبه وأحب قارئه وأحب النظرة المتشوقة في العين التي تتطلع عليه وتمنى أن تنهشه من بعدها عيون كثيرة و ألا يعود للحقيبة مرة ثانيةً أبداً .

**

الصفحة الأولى . .

أنا الذي لم يفتأ خرج من شرنقته القذرة مشبعًا بالوضر . لم تكن لي عائلة أصلاً حتى تكن مبجلة فأفخر بأجدادي ، لم اعمد في الكنيسة ولم أتوضأ في مسجد ولا صليت في معبد يهودي . ليكن لي ديانة و معتقد ، لم اذهب للجامعة لأحصل على صديقة اجري خلفها مرحاً فوق العشب الأخضر فأمسكها ونسقط ويلتصق كلي بكلها ، كُل الحقوق لم تكن متاحة لي إلا الجوع الأجش بقي ينهش أمعائي وبرد قارص يشرخ عظامي . أي أديب هذا أو فيلسوف كان كما تسمونه الذي سيخرج من هذا الوحل نظيفاً ولامعاً . إني اكتب الحكايات الحقيقية التي لا يرد أن يتسلى بها أحد صباحاً وهو ذاهب إلى عمله يرتدي معطفاً ثميناً ومتعطراً بروائح فرنسية باهظة الكلفة فيتقزز ويفسد عليه صباحه أو يبتهل ويشكر الإله انه ليس واحدًا منا ، كلا الأمرين شيء واحد لا فرق عندي بين حماقتهما ، تلك هي حياتنا بين تلك الصفحات إن أردتم بحق أن تطلعون عليها وليست هي الحكايات التي تخيلتموها أنتم الأدباء ذوي الأسماء المهيبة والشهرة الطافحة ، في خيالكم المثقف المستنير عن حياتنا الذليلة التعيسة متخذين من آلامنا مادة قصصية دسمة وشيقة تحصد لكم الجوائز وتجعل الناس يشفقون علينا وأنتم في الحقيقة بعيدًا تسكنون في بروج عالية لا تدرون عن تعفن أجسادنا الحية في القاع شيئًا .

إن كانت تلك آراؤكم فحفظوها داخلكم ولا تشوهونا أكثر مما نحن مشوهين .

وإلا فأخبروني يا أساتذة الكليات والجامعات المشهورة ذوي الخبرات العريقة ، الأدباء والفلاسفة ومؤرخو الحضارات  فلتخبروني إن كان هناك من الأمور ما أعجز عن فهمه ؟

ما قيمة أن يحيا الإنسان متفرجاً على من حوله مكتفيا ًبما يسقط من فتات سعادتهم الصاخبة . التي لا تهدأ ولا تنتهي ، إنسان لا يمكن أن يحظى بالحب والاختيار ، إن جاز أن نطلق عليه إنسان لديه قلب يتمنى ويحلم ، أحلاماً حقيقية غير تلك الأحلام الرديئة التي لا تفارق عقولنا التي أمرضها الفقر ، المحصورة في ثلاثة لا رابع لها . .

طعام طازج غير مقضوم وحذاء جديد غير مقطوع  ونومة هانئة ترى فيها أعيننا سقفا غير سقف السماء البعيدة .

**

انتهى الرجل الوقور ذو الخلق من الصفحات وقال للسيد “لا احد” المنتظر التعليق على جمر من نار .

– هذا هو أجري الشهري الذي احصل عليه من عملي ، خذه وانشر روايتك ، إن بلادنا في حاجه لإنسان مثلك يوقظ مشاعرنا المتحجرة .

فقال له السيد “لا احد .”:

ولماذا تمضي دون أن تعلم كيف ستعيش الشهر القادم . يمكنك أن تبقي على جزء يكفيك للعيش وأنا سأنتظر حتى أدخر من صدقات البقية .

فقال له الرجل الوقور .

– أنت عشت حياتك الماضية بأكملها ولم تعلم ليوم واحد كيف ستعيش بقية حياتك القادمة ، فكيف لا اقدر على العيش لمدة شهر واحد فقط  دون مال .لعل في هذا الشهر يصنع مني الفقر إنساناً عظيماً مثلك يليق أن يطلق عليه لقب الإنسان .

أعطى الرجل الوقور كل ماله الذي يبقي عليه في محفظته للسيد “لا احد” . وقبل ان يذهب سأله هذا الأخير قائلا:
– سيدي هلا أخبرتني بماذا ادعوك عندما نلتقي في المرة القادمة؟

فأجابه الرجل وهو في حالة اختلطت فيها مشاعر الحزن بالسعادة:

– يمكن أن تدعوني بالسيد لا احد . إن كنت تسمح لي بأن أنال شرف هذا اللقب .

………..

وبعد سبعة عشر عام من مرور هذا اليوم الذي قابل فيه الرجل الوقور ، في العام ١٩٢٨ روى الكاتب التشيكي “ماتيلد خوسيه” هذه القصة وهو يتسلم جائزة نوبل للأدب عن روايته الشهيرة ” شحاذون ولكن بشر ” التي بيع منها ما يفوق عشرة مليون نسخة حول العالم وتمت ترجمتها لأكثر من خمسة عشر لغة مختلفة . وكانت سبباً كبيراً في القضاء على التسول في أماكن كثيرة حول العالم في هذه الفترة

أهدى”ماتيلد خوسيه ” الجائزة بعد أن تسلمها لذاك الرجل الوقور الذي قال عنه انه لم يره في حياته ثانيةً أبداً بعد ذلك اليوم الذي غير فيه حياته .

وقال حرفياً وهو يعتلي منصة قاعة التكريم:

” من السيد لا احد إلى السيد لا احد أهدي هذه الجائزة التي لا استحقها “

واختتم حديثه وسط تصفيق حاد من الحضور المنتصبين على أطراف الأصابع ليروا هذا الرجل الغريب الذي لا تبدو ملامحه بسبب كثافة شعره الطويل ولحيته الموغلة .

” يا سادة أحسنوا إلى الفقراء ، فهم كنزنا الأثمن في هذه الأرض “

هذا هو العظيم ” ماتيلد خوسيه ” الكاتب النبيل القلم . الذي لم ينل التقدير والعرفان طوال حياته البائسة إلا قبل رحيله بإحدى عشر شهراً لما حاز على الجائزة وكان ظهوره للمرة الأولى للعلن ، رحل ” ماتيلد خوسيه ” وترك وراءه أعمالاً عظيمة لن تخلد لكونها ناقصة النهايات وغير مفهومة البنيان .

من حين لأخر كانت تنشر منها حفيدته بالتبني” سونمي خوسيه ” الصحفية اللامعة ، صفحات غير متسلسلة تحكي أحداثاً ليست كاملة من قصص حقيقة لم تنشر في محياه ولا بعد مماته لرداءتها كما وصفها مثقفو ذلك العصر الكلاسيكي .

 

 

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

6 تعليقات

  1. Hi! Do you know if they make any plugins to help with Search Engine Optimization? I’m trying to get my blog to rank for some targeted keywords but I’m not seeing very good success. If you know of any please share. Kudos!

  2. Hiya, I am really glad I have found this information. Nowadays bloggers publish just about gossips and net and this is actually annoying. A good web site with exciting content, that’s what I need. Thanks for keeping this web-site, I’ll be visiting it. Do you do newsletters? Can not find it.

  3. livraison agile, brazilian body wav https://www.youtube.com/watch?v=T6hp4Ndf7vU à l’état frais ..Indulgence de votre serieux à recommander.

  4. Dès son apparition au début des années 2000, la cocotte minute induction s’est rapidement imposée comme un ustensile incontournable dans toutes les cuisines.

  5. Les babycook, que ce soit le babycook solo ou le duo sont
    vraiment plus adapté à la préparation de plats pour les enfants et nouveaux nés avec des fonctionnalités
    comme le chauffe biberon que l’on ne retrouve pas sur d’autres robots de
    delicacies.

اترك تعليقاً