العجوز

tumblr_m0dxtgARhv1ro3qlbo1_500 (1)

إبراهيم جعفر :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

ذهبتُ لكي أزور المرأة العجوز آخر الحي، وأنا لا أفعل ذلك لغرض إنساني؛ إنما لكي أقبض منها ثمن الإيجار. عندما طرقتُ بابها لم تفتح مباشرة، فخلتها ماتتْ وحزنت قليلاً.. لكن بعد لحظة سمعتها تسعل وتئن، هذه الشيطانة لابد وأنها بمليون روح… دفعت باب الخشب الثقيل ثم دلفت إلى الداخل، وأول ما صادفني كانت الرائحة المزعجة التي تخبرك بأن أحدهم مريض ومتقيح، وغير قادر على الاعتناء بنفسه، ذلك الغرف الذي يصيب بالغثيان.. فاضطررت لوضع يديّ على أنفي، وأبعدت بعض الفضلات التي يحوم حولها الذباب.

كانت العجوز مُمدّدة فوق عنقريب من الحبال، وكانت أنفاسها تعلو و تخفو بلا انتظام، وحينما أحسّت بحركتي رفعتْ يديها كأنها تحتضن أحداً ما، وبكتْ قائلة: “جِيت آ النور.. راجاك آ النور” النور هو ابنها البكر الذي رحل منذ سنوات ولا أحد يعرف إلى أين، لذلك فإن العجوزَ على ما يبدو قد خرِفتْ، مما أجبرني لأوضح لها بأنني لست سوى صاحب الدار، وأن عليها أن تدفع المتأخرات وفاتورة الكهرباء، كما يجب الاهتمام بالبيت ونظافته، لكنها همست غير مبالية: “آ النور ، ناولني بُقة موية” لم أشك في أن العجوز تختلق المرض لتتهرب، فحين ناولتها كوب الماء ظهرت قوية وبعينبن ثابتتين ذكيتين، بعيدتين كل البعد عن الموت.. كانت عارية بجسدها المترهل، وثدييها المطويين الجافين، ففكرت في أنه يمكن لها حتى أن تمارس الجنس… عندما تنازعني الملل أخرجت سيجارة برنجي وبدأت أدخن، وجلستُ ساكناً إلى أن هدأت هلاويسها..

قالت: -بتدور شنو يا الكلب؟

– الإيجار!

– ما في، ما عندي، أبيع لك لحمي!

– ما عندك أمرقي..

– بتطردني من بيتي يا الكلب،

-قلت لك البيت دا باعه لي النور وسافر،

-إتَ النور، آ جناي جيت متين..

-النور شنو أنتِ ما نصيحة، أنا سيد البيت!

-تعال لي أمك جاي، تعال آ النور، تعال… ثم همدتْ العجوز فجأة كأنها ميتة، إلا أن قطيطاً انطلق منها فملأ الغرفة… أنا لم أحس تجاهها بالشفقة أو التحامل، وحتى عندما اقترب منها جرذ وبدأ يقضم من جرح ساقها اليسرى لم أكن أملك أي شعور محدد. تأملت فقط العناكب التي في كل مكان، الحشرات المتحركة بسرعة على الأرضية، الرغيف القديم المليء بالفطريات، رائحة الكركار المزكمة المختلطة مع البول، وفي الوسط، فوق العنقريب، السيدة المسنة النائمة كطفل، وبقربها جرذ سمين لا يشبع

-يا حاجة حق إيجار الأوضة.. نهرتها فانتفضت مرعوبة، كالذي استيقظ من كابوس يذبح فيه الأولاد، أعجبني أنها ترتجف وتبحث عن نجاتهم، نهضتْ تماماً وحينما رأتني قالت:

-بتضحك في شِنو، سِبْ فوقك يالمسخوت!

وفوراً أشارت إلى صندوق حديدي طرف الغرفة، مُخبأ بملابس قديمة، حملته إليّها رغم ثقله، وانتظرتها -بطيب خاطر- حتى فتحت قفله بمفتاح تدسه بجوارها، مُخرجةً حزمة جنيهات رمتها نحوي. -شوية القريشات البتجيك من البلد نافعاتنك، أنتِ المقنبك هنا شنو!

-بتدورني أفوت وما أرجى النور،

-إسْ، النور طاير..

-تطير البلد وتَمُرها، أنا ما عندي في الدنيا إلا ولدي، أمشي هناك أكوس شنو.. ثم نبشتْ من داخل الصندوق ذكرياتها التعيسة، كل ما تعيش الآن لأجله؛ بعض الصور والملابس، حذاء النور المهترئ وخاتمه الفضة.

أنا لم أهتم مطلقاً أن عينيها بدأتْ تدمع، كنتُ أحسبُ الجنيهات وأحتجّ على أنها ناقصة، أما هي فقد انتابتها العبرة وشهقت بكاءً صامتاً. ربما العجوز زهرة شمس تحتضر، تستلقي على عجيزتها وتنادي ولدها النور، تناديه أن يقترب ويحتضنها بدفئه، لكن هنا لا أحد سواي، أغلقتُ باب الغرفة ورحلت.!

عن إبراهيم مكرم

mm
قاص من السودان ، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان " ملاحم " 2015 م .

اترك تعليقاً