الرئيسية / العدد السادس والثلاثون / العدو الذي لم يكن عدواً

العدو الذي لم يكن عدواً

images_6qb4

يس المك :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

التَّحالُف والتَّخطِيط للمعركة

– (يا إلهي, إنَّهم كاندفاعِ عَصِيرِ المَنقَةِ عَبْر الحُلُوق! .. أيُها القائِد: أصدِر أمركَ بِفتح أبوابَ القلعة)

– (أمرُكَ يا مولاي السُلطان)

تَحرَّك قائِدُ الجُند نحو الحَرَس، وأمَرَهُم بفتح جميع الأبواب، وفَتْح قلوبهم أيضاً؛ فالحُلفاء يستَحقِّون ذلك، يكفي أنَّ بينهم مصلحة مُشتركة وعدو واحد (هذا يجعلهم ضِمْنَ بَاقَة حَبَايِبْنَا) قال القائدُ للجند، وانصَرَفَ يُشْرِفُ على بَقيِّة التَّرتِيبات…

في هذه الأثناء كانَ السُلطان ما زالَ مُنهمِكاً بأمرِ الزَّي إذا ما كان يَبدو أنيقاً أو يحتاجُ إلى الاهتمام بالتَّفاصِيلِ أكثَر. فاسْتَدعَى زوجَتيهِ، فأَغْدَقَتَا عليهِ من الثَّناءِ والتَّقريظِ ما راقَ لَهُ. ثم صَرَفَهُنّ. وأفرَغَ كأسَ النَّبِيذ في جَوفهِ .. قَضَمَ تُفَّاحةً حمراءَ لامِعَة .. فَرَدَ أصابِع يَديهِ أمَامَه مُتَأمِّلاً ومُتفحِّصاً ومدقّقاً في أيِّ مُلاحظة، حَرَصَ أن تبدو أحجارَ الخَوَاتِمِ الكَرِيمةِ في المُنتَصف العُلوِي لاسْتِدارَة الإصبع. ثُمَّ هَمَّ بِالخُروجِ إلى الحُلَفَاء.

كانَ عَدَد الحُلفاءِ إثنَا عَشَرَ حَلِيفاً. وحين تَقدَّم قائِدُهُم نَحوَ السُلطان بقيَ في الصَّفِ أحَدَ عَشَرَ حَلِيفاً، متراصِّين في أدبٍ وحيَاء. يرتَدُون كُبَايات وفَنَايل كَط. ينمُ مَظهَرهُم عن بأسٍ شديدٍ وتمرُّس في القتالِ.

إستقبلهم السُلطان بما يليق بالمخلصين وفكَّاكِين الكُرَبِ .. أظهَر لهم حَفاوةً وسَعادةً كادَت تُكلِّفُه عمليةً جِراحيَّة لِرتقِ مُحيطَ فَمِه الذي كادَ ينشَطِرُ من فَرْطِ التَّبسُم، حتى أنه في المساء آوى إلى صُغرى زوجتيه لتدليكِ كُضُومه و شفتيهِ ..

قادَ الحلفاء إلى قاعة الاجتماعات مباشرةً للتَّشاورِ في أمر الخُطَطِ الحربيَّة.

وفي مائدةٍ مستطيلةٍ، تَنَاثَرَتْ عليها أطباقُ العصيدةِ بالتقليَّة (كاعتزاز بالأكلات الشعبية) وأرغفة فاخرة من تلك التي يأكلها المُلوك – في وسطها تماماً فَرَدَ قِطعةَ قماشٍ عليها خريطة للمكان الذي سَتقعُ فيه المَعرِكة:

– (هُنا ستَجري المعركة .. على المُحيط الغربيّ ثَمَّة شجرة تَبَلدِي ضخمة لها ظِلٌ يُغري بالنُعاسِ، وعلى بُعد خُطُواتٍ جَنوبَ تلك البُقعَةِ هُناكَ خُورْ لِمَن أرادَ قَضاءَ حاجَتهُ أثناءَ المعركةِ .. كما تَعلمون ستكون المعركةُ عَصراً كَما اتِّفاقنا مع الأعداء، وهذا لَهُو أمرٌ جيَّدٌ أن تُقامَ المَعاركُ بعدَ الغداء، فمَن يَدري؛ رُبَّما يموتُ أحَدُهم، فهل يموت جائعاً! .. موتٌ وجُوع؟ هذا كثيرٌ حقاً !)

– (هَائِل!) قالَ قائِدُ الحُلَفاء، ثُم أردَف:

(إنَّها لَخُطةٌ بَارعةٌ يا مَولاي .. وهناكَ من المُفاجآتِ ما سَيَسُرُك.. أما الآن فأتِنا بالجَوارِي وليَرقُصْن لَنا، ولنَحتَسي بعضَ نَبيذِ مَولاي على شَرَفِ التَّحَالُف) ..

وهكذا عَزَمَ الطَّرفان على خوضَ المعركة الفاصِلَة.

المَعْرِكَة

بَعدَ تَناولِ الغداءَ؛ اختَرقَت صَافِرةٌ عالية سكون القَلعَة، جَعلَت السُلطَان وقائد الحُلفاء يتذمَّران من قَطَع قِيم (البلي استيشن) السَّاخِن، نهَضَا على مَضَضْ.

وقفَ السُلطان أمامَ الجُنود. ألقى عَليهِم خِطَاباً مُرتَجَلاً (واثباً)، مليء بالطلسمات والعِبارات التي لا يعرفُ لها معنى مُعيَّن. وعلى كلِ حالٍ فقد تَظاهَر الجُنود بالفَهْمِ وصاحوا بِزُومَةٍ واحِدة قَويَّة (هي لله .. هي لله) ثم تَقدَّم السُلطانُ وعلى يمينه قائِدَ الحُلفاء.

استكملا حديثاً بَدآه عِند لَعِب الكوتشينة بِهمس.

اقتَربُوا من بقعة المعركة.

زادَ حَمَاس الجنودِ .. عَلَت صَيحَاتهم .. في نِيَّتِهم بثُّ الرُّعبَ في عدوٍ لم يعرفوه قَط. وفجأةً، شَعَرَ السُلطانُ بِهَاتِفِهِ الـ (iPhone 6s plus) يهتَز مُعلِناً استقبال اتصال. وبعدَ فترةِ صمتٍ قليلة كان يستَمعُ فيها للمُتَّصل؛ أخبَرَ قائِدَ الحُلفاء بِضرورةِ عودَتِه إلى القلعة.

واستكملَ هذا الأخيرُ المَسِيرَ وحيداً دون أنيسٍ في أهمَّ معركة، وقد لا يكون من اللائِقِ تَجاذُب أطرافَ الحديثِ مع جنديٍ (مفعوص) كما ينادِيهم عادَة.

مكان المعركةِ خالٍ تماماً..

(العَدو يَكْمُن في مكانٍ ما، لابُد مِن ذلك، لا يُمكِنهم أن يُركِّبونا مَاسُورَة) هكذا تَحَذلقَ القائد، الذي أصبَحَ أعلى رُتْبَةً بعدَ تَخَلُّف السلطان، وقد بلغَ به الغَضَبُ مداه.

ولكن في أحداثٍ غامضةٍ وليسَت مَنطقيَّةً بالمَرّة؛ جَرَتْ معركة ما، في مكانٍ ما، في زمانٍ ما، مع عدوٍ ما، وحمى وطيسُها .. دُقَّت فيها الأعنَاقُ دقاً .. تَخَضَّبَتِ الرِّمَال باللونِ القَاني .. امتلأ ظِلُ التَبلدِيَّة بالجُنودِ الفَّارّين .. امتلأ الخور حتى ما عادَ يَسِعُ لِرملِه الأبيض البرَّاق .. وأوى قائدُ الحلفاءِ إلى كثيبٍ رملي وارَاهُ عنِ الأنظار ..

أخرج من جيبهِ لُبَانة شِكْلِتْ ..

ألقى بها في فيهِ وشَرَعَ يمضَغها.

قاطَعهُ أحد القادةِ الصِغار. جاوَرَهُ في الجُلُوس .. تناول منه لُبانَة هوَ الآخر .. شَرَعَ يمضغها. وسُرعانَ ما اشتمَّ مَن بَقيَ حيَّاً من الجُنودِ رائحةََ النَّعناعِ الذي يفوحُ من أفواهِ القادة، فتَجمَّعوا حولَ القائد، ومضَغوا العَلكَةَ مضغاً، حتى ما بقي في الكَرتَونَةِ شيئاً، فألقى بها بَعيداً، حَيثُ لَمَحَها شخصٌ ما، فتَسلّل من خَلفِ الكثيبِ الرملي، وحَصَد مَن حَصَدَ مِنهُم، وحَالَفَ الحَظُ البعضَ وفرّوا إلى مكانٍ ما، حيثُ كان السُلطان يقضي وقتاً مُمتعاً مع زوجتهِ الصُغرى في تدليك شفتَيهِ.

وهكذا، عادَ ثمانية من أصلِ اثنان وعشرونَ من الجيشينِ الحليفينِ إلى القَلعةِ مُغبَّري الشُعُورَ والِّلحى الطّويلةِ، مُهترئي الثّياب، وفي طريقِ عودِتِهم لَم يتَهَاونوا في بَقْرِ بُطُونَ الكِلابِ والقِطَطِ وبعض الشياهِ المُشَرَّدة .. لا أحد يعرف ما إذا قتلوا بعض مواطنيهم..  كانت سُيوفَهم تَمضي على الرِّقابِ كالبَرق، فتُلقي بِالرؤوسِ فَصيلةً عن أجسادِها على الرملِ النَظيف. يَهتِفونَ بما استَطاعوا أن يستَجمِعوه من أصواتِهمُ المُتَحشرِجة من جرَّاءِ العَويلِ والصراخ، بَل في الحَقيقةِ كَانوا يُنْشِدون: (المُتحالفين أسُود الحُوووووبَة .. جُنود صَحَرا ونَحرِسَ الحَبّووووووبة) فاستقبَلهُم الشَّعبُ استقبالَ المنتصرِ الظافر.

ما بَعد المعرِكة

الدِجاجُ المَشوي .. العَصَائِرُ الطَّازجةِ .. أطباقُ الفواكِهِ .. كُلُ ذلكَ كانَ في انتظارِ الجُنود بعدَ المعركةِ. يُقدِّمنَه حَسناواتِ الجَوارِي، كما جَهَّزنَ لهُم حمَّاماتِ البَانيو معَ الماء الدَّافئ.

ثُمّ اختَلفوا إلى صالةِ الجلوسِ وبدؤوا يستَرجعونَ أحداثَ المعركةِ .. قَصَّ كلٌ مِنهم مَواقفَ بطوليَّة مع العدوِ. أما الغريبُ حقاً فإنَّ أحداً منهم لم يجرؤ على ذِكرِ شيء من صِفاتِ ذلك العَدو.

دخل عليهم السلطانُ, فوقفوا تحيةً له وتَبجيلاً. أمَرَهَم بِنسيانِ أمرَ المعركةِ والتفكيرِ في المعركةِ القادِمة، وإلى ذلك الحينُ فهُناكَ الكثيرُ من الحَفلاتِ المُقَامَة على شرفَهم وعليهِم حُضورها. ثم طَلَبَ من قائدِ الحُلفاءِ، قَبلَ أن يُغادرَ إلى قَومِه مع جنودهِ السِتَة المتَبقين من جيشِهِ – طَلَبَ استكمالَ مُباراةِ (البلي استيشن) المَوقُوفَة بِزِر Pause أمَّا الشَّعبُ فكان فَخوراً أشدَّ الفَخر، ومشغولاً بالاحتفالاتِ، فلم يَسألوا عن بقيةَ الجُنودِ وأين آل بِهم الحال، بل لم يسألوا حتى لِمَ كانت تلكَ المَعركةُ من الأساس.

وهكذا فَرَغَ السُلطانُ للإهتمامِ بأظافِرِه وزوجَتَيهِ، وعادَ الحُلفاءُ ظافرينَ بشيء لم ينتبه له السُلطانُ ولا قومَه إلى ديارِهم محقّقينَ هدَفَهُم الذي كانَ واضِحاً أمامَ أعيُنِهِم.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً