الرئيسية / العدد السادس والثلاثون / بريد القراء: شجرة أنساب العائلة

بريد القراء: شجرة أنساب العائلة

img_1375984758_752

عبده فضل الله:

**

منذ مدة والأب يحاول إيصال المفهوم المتجذر في مخيلته لما يقارب الخمسين عاماً لأبنائه,وهو أن الأسرة التي كونها حريق مزارع قصب السكر أسرةٌ لن تفنى ولن تنصهر في بقية الأسر ,وكانت معظم العائلات التي تقطن القرية المجاورة للنهر ,وتحدها مزارع القصب من ثلاثة اتجاهات ,قد تكونت بفعل حريق هائل قضى على كل مشاريع العام من محصول القصب ,وقضى كذلك على كل المنازل التي تحيط بالمشروع ، هي لم تكن في الحقيقة منازل كما هو متعارف عليه بالنسبة للشكل الهندسي ,بل كانت مجموعة من القطاطي والرواكيب كونت ما يسمى قرية أو قل “فريق” فبعد الحريق مباشرة بدأ جميع السكان في إعادة إعمارها,إلا أن الأب الأكبر لأسرة “تاج الدين المحامي ” كان أول من أنهى ترميم بيته ,ومد شريطاً أرضياً لما يقارب الميل من المساحة الخالية,واستحوذ عليه مستغلاً انشغال الناس بخيبة ما بعد الكارثة,ثم توهم أنه سلطان القرية .

الابن الأكبر يحاول جاهدا هو الآخر إيصال الفكرة التي وهب نصف عمره لها و من اجلها هاجر إلى مناطق شتى ,وفي سبيلها,خاصم ,حارب ,غضب ,وتوحد لفترة عامين,كانت فكرته التي آمن بها وهي أن كل الناس في هده القرية سواسية ,وان الأرض للجميع ,وان الإنسان من طين,,حتى سمي المحامي ,إلا أن والده تمادى في غروره ,ورفض بكل ما أوتي من سلطان أن يزوج ابنته لأحد أبناء القرية ,وبدأ يعدد آباء وأجداد وانساب لم يسمع بهم احد من قبل ,فقد ادعى أن جده الرابع كان أول من قطع البحر الأحمر على قارب صيد في طريقه إلى الحج,وأن جده الثالث كان السبب المباشر في دخول الثوار سرايا غردون مع الإمام المهدي حتى أن الإمام المهدي أعطاه لقب ,,فارس,,وان شجرة انساب عائلته خيار من خيار من خيار ,وان النور يسطع له كلما قام يصلي ليله, والسبحة التي يضعها في رقبته جاءته هدية من الولي الصالح الشيخ العبيد ودبدر,,,,,,

تاج الدين المحامي لا يكذب والده ولا يصدقه ,,فقط يبره بالطاعة ,وأخته المسكينة أحبت ابن القرية فهوت في نار والدها وتعنته ,فصبرت وقررت أن تصبر حتى تنقشع سحابة الوهم التي تمر على رأس والدها ,

عندما فاض النهر في فصل خريف ما ,وامتدت المياه إلى خارج ضفتيه ناحية القرية خاف الأهالي أن تجرفهم في سيلها وخشوا أن تفرقهم كما فرقهم الحريق ,وبدؤوا بوضع المتاريس في مجرى سيرها ,متحدين كلهم ,رجالاً ,نساءً,أطفالاً..

قال لهم تاج الدين ,أننا أمام امتحان قادم فاستعدوا..

قال آخر ..إذا لم نتحد جرفنا..

قال الجموع..ايدينا في أيد بعض,وسننجح..

قال ,,ابن القرية العشيق,,سأنقذ محبوبتي بإنقاذي للقرية ..

كان الأب يعد في قطعة جلد بالية خلفها من جلد أضحيته العام الماضي ونظفها بثمار القرض والملح ,وبدأ يخط عليها كتابة بممحاة قديمة وخط رديء أشبه بخط أطفال الخلاوي أول عهدهم بالكتابة ,كان يدون شجرة انساب وهمية ويقول في سره انه سيحتفظ بها وسيتوارثها أبناء أبنائه , وسيخلد بها إلى الأبد ,وما إن انتهى من تدوين آخر اسم في فرع شجرته حتى اندفع ماء النهر محيلا قطيته إلى مركب غارق ,وجارفاً معه كل أساس القطية ,حتى شجرة أنسابه لم تسلم من الجرف..

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً