مخاوف

Children-and-Fears

وقاص الصادق:

**

أینام اللیل باللیل أم بالنهار؟!!

سؤال ترسب في ذهني بعد درس الشيخ في الجامع ليلة الأمس، كنت في الصف الأول أمام الشيخ، طفل صغير قد سرحت عيناه في أعين الشيخ، وأرهف سمعه لكلماته الداوية، حتى أنه بدأ بالإشادة بي: “يا سلام عليك يا ولدي، شفتو الطفل الذي يقوم على عبادة الله والمساجد”، وأنا ساكن العينين، أتأمل وجهه البشوش ولحیته الکثیفة  وابتسامته الدائمة، ثم صار في منتصف درسه یتأمل انتباهي باستغراب، استغراب وصل لحد القلق وتلعثم الکلام، وأنا فی ذلک الدرس کنت أکثر انتباهاً من کل الحاضرین، کنت أکثر انتباهاً من إمام المسجد نفسه إذ یمسک سبحته مهمهماً ، ولو کانت حصة لقال له الأستاذ: “فک السبحة وخلي بالک معاي!” وکنت أکثر انتباهاً من المؤذن وحاج أحمد عمدة الحلة وأستاذ یوسف مدیر المدرسة وعلي سید الدکان وکل الحاضرین  لم أنشغل حتی مع کبایة الشاي التی وضعت أمامي، ولم تشغلني قطع اللقیمات التی أعطیت إياها. کنت ألتهم کلمات الشیخ کلمة کلمة، أنتبه معها أکثر من انتباهي في حصص المدرسة، حتى تململ أستاذ أحمد فی مجلسه خلفي، إذ لم یتذکر أني انتبهت مرة فی حصته، إلا في حصص التسمیع ربما!،

ثم تململ مدیر المدرسة لما رآني بکل هذا الانتباه أمام الشیخ، وأنا الذي تسبب له بسیل من المشاکل في مکتبه کل مرة، ثم تخیلته یقول “أما نفاق شفع!!” و حتى سید الدکان علي الذي سأم ألاعیبي وحیلي به، لكثرة ما خدعته بقروش وعملات “ما سایرة” صار ینظر لي بتعجب!، وحتى ربما تراهن مع ود القاسم بأني لم أنتبه هکذا إلا لأحظى بکبایة شاي کاملة وثلاث قطع لقیمات، وهکذا کل الحضور انشغلوا بانتباهي مع الشیخ، وحتى الشیخ بدأ بالانشغال عن درسه مع عیوني السرحانة، لمست الشاي فوجدته لم یبرد بعد و لهذا واصلت الانتباه أکثر.

لم أکن أعرف عما یتحدث الشیخ، لکن بعض کلامه أتخذ عندي مقعداً ، مثلما قال: “الصبح یتنفس واللیل یتنفس والنهار یتنفس والجمادات أحیاء یتنفسن والنباتات تتنفس وکلهن أحیاء یسبحون الله بکرة وأصیلاً”. لقد قال أن کل الجمادات أحیاء! أصحیح هذا؟ هذا یعني أن الحائط الذي سقطت منه فی ذلک الیوم ثم قعدت أضرب فیه برجلي بحرقة آملاً أن یحس بضرباتي! هذا یعني أنه حي وأحس بالألم ،وکذلک غصن الشجرة الذی جلدته بالسوط بعد أن سقطت منه، وهذا یعني أن باب ناس موسی فی مأساة حقیقیة لضربي المتکرر له بالحجارة. ولکن بما أن الجمادات تحس فهذا یعني بأن شجرتنا الکبیرة تعرف جیداً حبي لها، وخزانتي أیضاً وسریري وحلة الملاح الکبیرة والثلاجة وبرطمانیة اللبن الرایب التي تتخفی کثیراً مني.

ثم أفقت علی کلام الشیخ عندما قال: “فاللیل ینام ويصحى من سباته والصباح ینام و يصحى أیضا” کلام عادي، اللیل ینام والنهار ینام، ولکن، وبعد یوم، منتصف اللیل وأنا راقد فی سریري، خطر علی بالي هذا السؤال، “أینام اللیل باللیل أم بالنهار؟” لا أعرف، ولکن في هذه اللیلة بالذات ومن سکونها وهدأتها، لا شک أن اللیل کان فی سبات عمیق، لما هدأت کل الخلائق فی القریة حتى الضفدعة التی دائماً ما تدق مسمعي، لم یکن لها من أثر، لیلة بلا قمر، وقد عوضته النجوم علی استحیاء إثر سحب متفرقة أشعلت من ظلام اللیل وفصلتها جزئیاً عن مصابیح الفضاء ومجراته الواسعة وبرکاته الکثیرة، لم تکن اللیلة صالحة للحب أو للشعر، فقد غلبت حرارتها، ولم تکن کذلک صالحة للعبة شلیل، فقد غاب قمرها واشتدت ظلمتها. لأي شيء یصلح هذا اللیل إذا؟، کنت راقداً علی ظهري متغطیاً بالبطانیة إلا وجهي وعیوني التی لم یخمد لهما جفن أو یطالهما النعاس حتى، مفتوحة علی العالم والسماء تراقب عن قرب حکایة اللیل الوحید، أو ربما النائم. هل اللیل ینام مع الناس ویصحا معهم أم لکل لیله الخاص الذی یرافقه؟ هل اللیل مجرد ظل تصنعه الشمس یرتاح فیه الناس کما تظلهم ظلال النهار؟ أم الظلال هی لیل خاص تحت قرص الشمس؟ هل اللیل والنهار أسماء مجازیة لأشیاء نحن لا نری حقیقتها؟ یبدو أني أخیراً سوف أجد جواباً لسؤالي الأکبر، لماذا لیس للراکوبة ظل فی اللیل؟ والجواب: أنها قسوه اللیل وحسب!. ورسوم من الأشجار ساکنة إلا من تدحرج رأسي یمیناً ویساراً عن نظریة ربیتها فی الأیام الأخیرة، أنها لیست غصون الأشجار بل نحن من نتحرک فنراها تتحرک، وبینما أنا أفکر فی کلام الشیخ بخیال طفل لا تحده حدود، و _کحجر قذف علی برکة ساکنة بها بضعة بجع إنتفض اللیل مذعوراً علی وقع صرخة أنثویة قویة من بیوت أحد الجیران تقول حرااااامي!

الحرامي، ذاک الکائن الأسطوري في جلسات الأطفال وحکاياتهم، مخلوق تضاربت حوله الروایات واختلفت السیر والخرافات، قیل بأن لدیه أربعة أرجل، وأربعة أیادي حتى یستطیع أن یسرق ما یرید. وقیل بأنه کائن ضخم البنیة داکن البشرة، مخیف وقوي، ویتسابق الأطفال إلى المفاخرة بقولهم : “والله أنا شفت الحرامي” ، و “جا حرامي فی بیتنا وقبضناهو”، وأحدهم حزین منزو قال بحرقة: “جا سرق هدوم العید حقتي!”. وآخرین حالمین بأن یأتي حرامي إلى بیوتهم، حتی یروا هذا ثم یفاخرون برؤیته. وأتذکر أن ابن خالي لما کان عمره سبع سنوات سألني وأنا أکبره بأربع سنوات قائلاً : “أنت الحرامي دا کیفنو!…زول زینا کدا ولا لا؟!” فقلت: “کیف یکون زول زینا ویکون مخوف البلد دي کلها”. وقعدت أحصي له ما تیسر فی ذهني تلک اللحظة من صفات غریبة وخرافیة.

ثم خرجت فی تلک اللیلة التي انقلبت رأساً علی عقب، لأجد  الکثیر من الرجال والشباب وقد حملوا ما تیسر لهم من العصي واقفین فی شارعنا، إذ اقتحم الحرامي دکاناً فی آخر الشارع، وقفت أنا تجذبني تلقائیة الموقف، وحکوة حرامي سوف أزلزل بها فصلنا الدراسي، فی صباح الغد ذهبت للدکان وقد اقتلعت نافذته عن بکرة أبیها “یا إلهی! أي قوة یمتلکها هذا الحرامي” ثم نظرت بداخل الدکان، وقد بعثرت الأشیاء واضطربت البضائع، ثم وقفت جوار الرجال الذی یتکلمون عن الحرامي علني أظفر ببعض من صفاته المتعددة الغریبة، أو بعض التوابل لحکوتي غداً في المدرسة ،والمدرسة التي تصحی فجراً مبکراً ، ربما قبل العصافیر ولا نعرف متى تنام أو تنام أصلاً!، بجدراتها العاتیة وأطلالها العتیقة الجبارة کما أساتذتها الغلاظ الشداد، وجوها الخانق سوی من فسحة الفطور، ثغرة الهواء الطلق الوحيدة، أی جبروت هذا؟ أي قوة تلک التی تتمدد فی جسد المدرسة وأشجارها وسورها رغم هشاشته، استغربت لما رأیت طیوراً تعشعش في أوکار نسجتها فی سقف الفصل، فقد کنت أعتقد – ولا أزال- بأن هذه المدرسة بیئة غیر صالحة للعیش! لن یقنعني أحد بأن صقراً أقوی من هذا العصفور لما یحتمله العصفور فی حیاته داخل المدرسة . ثم الأساتذة متأبطي السیاط والشر، ینتشرون حولنا وکأنا أسری فی مملکتهم العظیم، أی جبروت هذا الذي تحمله المدرسة بین جناحیها، لذلک لم یکن أحداً أکثر مني دهشة في ذلک الصباح، عندما أتیت مبکراً إلى المدرسة وجدت بضعة طلاب یقفون بذهول خارج مکتب المدیر المشرع النوافذ، بینما حارس المدرسة طویل القامة بعکازه الأبنوسي المرعب یتردد جیئة وذهاباً داخل وخارج المکتب، ولما سألت قیل لي بأن حرامي قد اقتحم المدرسة : “ما هذا؟ مدرستنا ذات الأطلال المرعبة یقتحمها حرامي، أي جرأة یمتلکها هذا الحرامي وأی قلب قوي؟” ثم تساءلت ماذا سیسرق؟ کراسات، أقلام، کتب، طباشیر..هههه، ثم تخیلت إمکانیة أن یکون هذا الحرامي – فاعل خیر- إذا سرق مثلاً کل کراساتنا المجموعة، وأنا الذي لم أجمع کراسي أصلاً  تصیر کل کراساتي تلقائیاً مجموعة – إذا جاز التعبیر- عند الحرامي جزاه الله خیراً وأیضا ماذا لو سرق سیطان المدرسة! أه کم سأشکر هذا الحرامي، وأیضاً دفاتر الحضور وجرس المدرسة،، وبینما کان الطلبة یمارسون الذهول، إتخذت أنا رکناً قصیاً أمارس فیه هذه التوقعات والآمال الشریرة ولکن إنتبهت لهم وهم یتأملون شیئاً علی الأرض، ثم سمعت من یقول : “هیا لنری آثار أقدام الحرامي”…”أقدام الحرامي! أیترک الحرامي أثاراً ” ثم ركضت الیهم ركضاً ، أخیراً سأری أثراً لأقدام الحرامي، تری کیف هي فکانت خیبة الأمل کبیرة، إذ کانت أثارا عادیة کأي آثار، لم أصدقهم بعد ذلك، هذه لیست آثار الحرامي، ربما حور رجله بطريقة ما لتبدو عادیة! وهذه هي الروایة التی بدت منطقیة وسرت فی المدرسة إلى آخر الیوم ویومین إضافیین.

قدسیة المدرسة، والقدسیة هنا هو الخوف بأجل معانیه، وظلال المدرسة المسحورة ووجهها العاتي وابتسامتها الجبارة المخیفة، أشیاء آمنا بها بل وصارت أشیاء عادیة في حیاتنا، ومجرد أن تتذکر إسم المدرسة فورا ترتجف یداک ویغشاک تعب دون أن تبذل جهدا! “تری لماذا کنا نخاف من المدرسة والمدرسین؟!” سألت نفسي هذا السؤال بعد أن کبرت أو افترضت أنی کبرت، ذهبنا للمدارس وتعلمنا الکتابة والقراءة والعلوم وأیضا تعلمنا أن نخاف؛ نخاف السوط إذا لم نحفظ، نخاف الجلد إذا لم نفعل ما نؤمر، نخاف مطلع الأستاذ في أي مکان “ولو جاءنا ضیف فی المنزل” نخاف المدرسة والفصول والمکاتب فأصبحت عقدة في أنفسنا، و کانت تلک أول دروس کبح جماحنا عن أشیاء کثیرة، دون أن نشعر تعلمنا أن هناک شيء لابد ألا یفعل ولو کان جیداً ، وأن نقبل بالأشیاء ولو کانت علی خطأ، وهذه لامشکلة بها، فأیضاً أصبحت عادیة بالنسبة لنا، المشکلة دوماً بالنسبة لي کانت أذرع المدرسة الطویلة، أو القدرة العجیبة للمدرسة لتکبیر نفسها بطریقة مذهلة، فمتی تحس نفسك أنک في المدرسة وعلیک أن تمارس الخوف؟! عندما تلاقي أستاذاً فی الشارع! ربما تراه فی تلک اللحظة الجاسوس الأعظم والخطر الأکبر علیک وتحس بأنک جالس علی کرسیك في الفصل وعلیک أن ترتجف خوفاً ، لذلک فی أحد الأيام ونحن نلعب کرة القدم ومعنا أستاذنا.. آلیت أن أنتقم لکل ما سبق،  وأن أزعجه وأمنع عنه الکرة، بل عمدت لضربه! ثم ابتسمت وأخذني الحماس للقیام بهذه المهمة الإنسانية، وأذکر لما أنتهت المباراة قد أدخل فینا الأستاذ هدفین وأنا من کنت الثغرة فیهما.

والآن کبرت یا سادة، أو أحسست بأني کذلک لما أخذت رشفتين من شاي حار دون أن أبرده، ولما لم أسلم نفسي لأغراءات حوض الشجرة الطیني فی وجه النهار، ولما لم آخذ باقة وأذهب مع الأطفال لطبلها مقلدین لـ”النوبة”، ولما لم أبکي طیلة یومین سابقین فی وجه أمي بلا سبب، فهل یکبر الأطفال عندما یدرکون أن البعاتي شئ لا وجود له؟ وأنه نظریة اخترعتها الأمهات لدحر عناد أطفالهن؟! أنا أدرکت ذلک! فالبعاتي لا وجود له، وربما ذلک هو السبب الرئیسي الذی جعلني أفرح من کل قلبي بأني کبرت، حیث أني کنت أهتم بالبعاتي أکثر من اهتمامي بغش سید الدکان أو إعداد نبلتتي، أو التطفل علی شجرة الجوافة!. أنشغلت به حتی صرت أحبه، ذاک الکائن الهلامي الظلامي المخیف، کان الفضول یقتلني الی أن أعرف عنه شیئا، حتی صرت أتعمد العناد عند النوم کی تهددني أمي بمجئ البعاتي، علها تحکی لي عنه بعض الأشیاء، أو یفلت لسانها بمعلومة صغیرة، فقد لاحظت أن الکل یخاف الکلام عنه، فکلمة “البعاتي” لا یحدث بعدها إلا النوم أو السکوت فما هو اذا؟ لم أحاول أن استرسل فی بحثي عنه، فالبعاتي – علی حد علمي – یأتي للذی یسأل عنه، وأنا أرید وأخاف. کنت أتساءل أحیاناً هل البعاتي خیر أم شریر؟ وأي إجاده تلک التی یمارسها البعاتي فی شخصیة إختلط فیها الخير والشر معاً ، وقد سمعت أمي فی کلامها البسیط جداً عن البعاتي تقول: “أن علینا أن ننام لئلا یأتي البعاتي، وأن النوم مفید للجسم، والبعاتي کائن مخیف، بطل وشریر”، ولکن لم تعجبني هذه الروایة کیف یکون بطل وشریر فی نفس الوقت. لذا في تلک اللیلة قررت أن أنتظره وبقیت مستیقظاً خائفاً مرتعباً کأني علی باب مغارة مهجورة، إلی أن سمعت صوتا یقول “حراااامي”.

إستيقظت من النوم بوجه مكرمش وأعين تغالب الضوء، أخرج من السرير كوليديخرج عن الرحم، أعاين ما حولي وكأني أراه لأول مرة ، القمرية على غصن البانة، ولون الصباح الفضي، والشاي على الطربيزة بجواره الرغيف، فأردد “ما أجمل هذا العالم”، أقفز عن السرير ثم أتسوك تحت إرغام أمي ومراقبتها! أصعد على السرير لأرى منظري المفضل، الشمس وهي تبزغ شيئا فشيئا، تبدو كوليد صغير أحمر الخدين، تضفي على الحياة ضوءا کما الولید یضفي أملاً وفرحة لأسرته، ثم أعاین باعتبار ما سیکون، سترتفع شیئا وشیئا وتکبر ویشع ضوءها وتتسع هالتها، سیفرح عمي أحمد الذي یحب الجلوس تحتها فی الصباح، ستراها جدتي وستصلي صلاة الضحی، ستطرق أبواب النائمین وتوقظهم، لکنها لن توقظ مزمل الذی تعود النوم تحتها!..”الشمس کالإبرة، تغزل قماش یومنا وتطرزه تطریزا دقیقا، هکذا أقتضتها ظروف الحیاة تراقبنا عن کثب وتحتفظ بحکمتها وتذهب ثم تأتي مبکراً کجدي تماماً…لا یتأخر أو یتقدم دقیقة حین یخرج الصباح ویتنقل بین الزریبة والتحتانیة، أیضا جدي یغزل قماش حیاتنا ویطرزه تطریزاً دقیقاً ، أما عن الحکمة فجدي – ولیس في الأمر نقاش- یعرف کل شئ عن أی شئ “هو شمس أیضا فکیف لا یکون کذلک، وأنا أنشغل عن الشمس اذا رأيته فأطفق جاريا اليه جرياً .

في موعده تماماً أتى جدي هذا الصباح، شاهدته من أمام باب بيتنا حتی أوقف حماره وأنزل سرجه وربطه ثم دخل الزريبة،أخذت أجري عكس اتجاه الزريبة متوجها إلى الحلة “وهي منطقة في وسط قريتنا يأتيها الأطفال للعب، جريت ثم رميت أمامي خرطوشاً مدور في شكل لستك “عجلة”، ثم دفعته لمواصلة الدوران بعصاية صغيرة عليها سلك، وکانت هذه لعبتنا الأشهر فی هذه الأیام، وهي لعبة بسیطة، نأخذ قطعة صغیرة من خرطوم الماء ثم نرکبه کحلقة دائریة، نأتي بقطعة حصير وسلک فی آخرها ونثبتهما بقطعة خرطوم صغیرة ندفع بها الأستک ونجری به دون أن نفتر، نحن أیضا نطرز القریة تطریزاً دقیقاً لما نجری ونعبث بأزقتها عبثا، نمر بشوارعها ولا نلقي التحیة، نمسک الشارع الطویل الی أخره ثم نأخذ دورتین حول البیارة، ندخل عبر معبر الی أزقة الحواب وننعطف یمیناً أو شمالاً حسب أهواءنا، لا تطیق الشمس مراقبتنا لما تجلبه مراقبتنا من کلل، نوشک ونحن نجري أن نرقص وتوشک أجسادنا للحظة أن تترک خواصها وتطیر کما العصافیر فی الأجواء، لا نکتم ضحکاتنا لیکون العالم جدیراً بالعیش، یسقط أحدنا فیبکي دون أن یحس بذلک، ویضحک بعدها ویقوم مواصلاً الجري، کنا بسیطین إذا أخافنا شئ نبکي، وإذا اسعدنا نضحک. أی قوة هذه، هکذا هم الأطفال ثائرون فی فرحهم ثائرون فی حزنهم ثائرون فی صمتهم ثائرون فی کلامهم، لا یخافون من شئ، ینظرون إلی الدنیا بلا اعتبارات، نظرة بریئة واسعة منادیة بالحب لکل شئ. ولکنها الطفولة؛ کلما صعدت عنها أغرتک الدنیا ثم وضعت علیک لمستها وأعطتک ألبسة وأقنعة وأسباباً ، فمتی یتقهقر الطفل اذا وینزوي، خائفا صامتا مترددا؛ عندما تبدأ القمریة بالدعاء علیه وقد أصاب جنینها بنبلته!!

أجمل ما یمکن أن تکون، قمریة، وأسوأ ما یمکن أن تکون قمریة أیضاً ، ذاک الکائن الصغیر المجنح ذا اللون الغامض؛ فهو مسألة مختلف فیها فی مجالسنا النقاشیة، لون دقیق بین البني والأحمر، ریشها یبدو کحریر متقن النسج، هادئة جیدة الإصغاء لما حولها، ذکیة لماحة، تبدو من سکونها وهدأتها کلوحة علی الغصن أحب التأمل فیها، لیس کأصدقائي الذین یحبون اللوحة متحرکة صارخة، وأما حین تغمس جسدها وتأمن للغصن فتبدو کأمرأة عجوز تنسج سعفها سجاداً تشع من عینیها الحکمة ومن وجهها الوقار، فأخجل من نفسي أمامها وأحسدها علی علمها الکثیر، لأني کنت أعرف سابقا أن العلم هو الهدوء، ودرجتک فی الهدوء هی درجتک فی العلم هکذا تعلمت من جدي وجدتی، وأما الذی يبعزق الکلام فهو لا یعرف شیئا، وأما هذه القمریة فقد حزقت العلم حزقا، وقد عرفت، هذا لیس من هدوءها وإنما من حذرها المبالغ منا بني الانسان، إن لمحت شخصا یقترب طارت، ان أحست بخیال شخص فرت، لا تحتاج لأحد ولا تثق فی أحد، “أه لو أبلغ ما بلغتیه من العلم” قلت هذا وأنا أتأملها من بعید وهي تستکین علی الغصن، ثم ترسل أصواتها الشجیة في کل اتجاه، أیقنت عندها أني منافق کبیر، کیف أری القمریة بکل هذه العظمة والقدر ثم أضعها تحت مرمی نبلتي ورحمة حجري؟ کیف أقدرها ثم أرمیها بيدي؟ وفیما بعد فهمت شیئا؛ أنها الحیاة تلک التی تفرض علینا هذه الخیارات القاسیة، وبعد ذلک بمدة أیقنت أنی کنت غبیا عندما اعتقدت أنها الحیاة التي تفرض علینا خیارات، دائما هناک خیارات نختارها بأنفسنا، کیف ترمي بی القمریة الی هذا الصراع الفكري والأسئلة التائهة عن أجوبتها لعقود من الزمان؟ کیف لهذا الکائن الصغیر أن یخلق فی عقلي ضجة میتا کان أو حیا؟ وبما یوازی هذا القلق من الخوف كان یدور فی بال صائد القمریة ما أن یسمع صوت قمریة أخری یرجح أنها أمها، یسمعها تصدح بصوتها وکأنها تفرک بیدها حبال سمعه، وکأنها تدعو علیه فتجده یصم أذنیه ویهرب بعیدا عن صوتها، وهکذا أصبحت هذه العادة أسطورة متداولة، وهی أن مادام قد اصطدت القمریة فعلیک اصطیاد أمها لکي لا تدعو علیک الله، وأما أنا فلم أتقبل فکرة أن صوتها هذا هو دعاء، في البدایة فقط طبعا ولکنها فکرة لم تکن محتاجة لتقبل لکی تحاصرني؛ فقد صرت أخاف صوت القمریة وأتخیل نفسي وقد أصبت ولدها، لذلک ومنذ أن عرفت، تستطیع أن تقول بأني قد اعتزلت صید القماری، ربما إلا من وراء حجاب.

وهذه کانت مخاوفنا عندما کنا صغارا، وأخری صغیرة، مثلما خوفي من أن یتکسر فیلا شکلته من الطین قبل أن أمل منه، أو أن تکسر أقدام أخي – دون قصد – بیت صنعته من الطین تحت شجرتنا، أو أن تلوي الأستاذة خدي بقرصتها الی أن یحمر، أو ألا أجد علب صلصة کي أتم بها صناعة عربتي لأنافس بها الأصحاب الی آخر الیوم، أوظلمة بلا قمر علی أعقاب حکایة قدیمة سمعتها من جدتي، أو صریر حشرات فی أوج اللیل. هي هکذا کانت مخاوفنا، مخاوف نحسد علیها أنفسنا الآن أنفسنا عندما کانت صغیرة، أشتقت الیها حتی وکأني قد رجعت لها وصرت أخاف منها مرة أخری.

عن وقاص الصادق

mm
قاص من السودان صدرت له مجموعة قصصية سنة 2015 بعنوان " حضور بلون الماء" .

تعليق واحد

  1. جميلة ^^

اترك تعليقاً