الرئيسية / العدد السادس والثلاثون / تجليات أناشيد الرياح 4

تجليات أناشيد الرياح 4

5457b27b0c5a4807872577

عمرو جنيد :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

***

الانشودة الرابعة: الوادي الأحمر

{إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد}

تتبعت صوت الدرويش الشجي يتلو هذه الآية مراراً و تكراراً،بأكثر من مقام نغمي، كدت أجن، من مثابرته عليها منذ أن لفظنا باب الفتح كبطن حوت النبي المغاضب، الدرويش كان محافظاً على ثبات خطوته الحافية على الرمال الملتهبة كمن يسير على السحاب يتلو الآية كأنها الوحيدة التي ضمها الكتاب، أقدامي العارية يحترق منها الجلد و تنفذ حباتها شهوانية الحرارة إلى روحي فأصرخ كخروف يشوى حياً .

تنازعتني سبل من الأسئلة الشيطانية، دب في قلبي الشك ورأيت إتباع هذا المجذوب نوع من العبث الصبياني، ليتني أعود، نصف النهار مسير بلا توقف في البادية اللعينة، ما كان يجب أن أترك نعلي ورائي، يبدو أن نزوتي ستنتهي بأن أُصبح طعاماَ على مائدة الجوارح أكلة الجيف.

الصحراء، صحراؤنا الأم، ممتدة حد الأفق كأنها قبر الأمل،لم أخضها من قبل واتتني الفكرة الكابوسية، أتذكر تهويدة كانت تغنيها أمي لي في الطفولة الضبابية، أذكر أنها كانت تحكي عن عاقبة الأطفال المشاغبين التي تتمثل في ضياعهم خارج باب الفتح في الصحراء، ماذا كانت الكلمات…؟ تمنعني الشمس الملتهبة التي تصاحب خطواتي من التذكر، الماء هو الحل، أخرج قربتي أحاول ارتشاف قطرات، يبتل جوفي بمزيج مالح من عرق و شمس و رمال، الماء تبخر في القربة، ألم يخلق الله ظلاً هنا؟ أين مني دكاني البائس و معاركي مع القوارض فيه، أين؟، نظرت بنصف جفن إلى سراب الدرويش المبتعد عني، زاد وقع وجيب القلب كطبول الغزاة، آه تذكرت.(الشقي، له من الصحراء نصيب و مآل )، تهويدة أمي تهدهدني،( لا يرخي عليه ظل من آمال ) أمي كفى عني لست عاصي. …مدت يدها تدثرني، غابت السهوب المستعرة عن الوعي.

رأيت نفسي أسقط إلى غيابات الجب و الذئب يشيعني بضحكة ماجنة، السقوط استمر أزل، ، رأيت نوراً يخترق الظلام يصحبه انهمار لماء كاللؤلؤ المنضود، مدت يدي ألتقط حبات، لتتحول المياه إلى كف يسحبني، فتحول الهبوط إلى معراج.

إلتقمني الضوء الباهت للقمر و أفقت على حبات زلال من حليب النوق، كان الدرويش عاكف علي يبلل شفتي كل هنيهة، و خرقة بالية مشبعة بالماء تحيط رأسي المنصهر كالنحاس.

أول ما تلفظت به كلمة اشرب، مد الدرويش قربة بها حليب، عفت نفسي الشراب الأبيض، لهجت بكلمة ماء، ضحك الدرويش و قال

-لا يوجد إلا حليب يا فتى، الماء نفذ، استنفذت مخزونه في إفاقتك.

لم يسمح لي تملك الضعف بالهلع، ثم غبت عن الوعي في حلكة الليل مرة أخرى، آخر ما استقبلته حواسي، صوت الدرويش يتلو الآية الوحيدة.

ثلاثة أيام مرت بين صحو و غياب، أستفيق فقط عند إصراره على أن أشرب الحليب ذو المذاق المتخثر، صباح اليوم الرابع أيقظني شظى الشمس، جلست متؤها، تسرب الضوء إلى مقلتي المحدبة، لأعرف طعم أشواك الصبار، جفاف الحلق و طعم اللبن خليط تمنيت أن أفارقه حتى بمذاق ثمرة حنظل ملعونة، لاح  لناظري سراب من الظلال تقترب، تتلوى كرؤوس الشياطين.

ارتفع الأزيز الراعد مع دنو السحابة، لأجد الدرويش ينتصب كجذع نخلة، يلقي النظر فيرتد إليه، أتاني متمهلاً، خلع عباءته الصوفية ثم ألقاها إلي قائلاً :- استخدم هذه وجاء لوجهك، ستكفيك شر لسعات الجراد و حمق أجنحته.

لم يمهلني فرصة للسؤال، تركني متمشياً عشر أقدام ثم جلس القرفصاء و هو يترنم بكلماته الملغزة، تتبعت صوته محاولاً فك الرموز حتى اختفى تماماً داخل سرب الجراد الطنان، تكورت ململماً أطرافي تحت العباءة و قد أغشاني الطنين و اصطدام الكائنات الصحراوية بي، مر الزمن كأنه عمر، حتى توارت الأسراب بلا رجعة مخلفة في رأسي دوامات القشعريرة، زحفت ملقياً عني درعي الصوفي، كانت الصحراء أمامي كما كانت، تغيرت رقعات من الرمال إلى لون داكن جراء سقوط جرادات تعبة.

الدرويش كان في تسبيحه المطلسم كأن لا شيء قد حدث،بدت لي يده المعروقة كجذور سنديانة خرافية، من أين يأتي بكل هذه القوة؟ أعرف نبع الشباب الدائم يوماً؟  وقف ثم أخذ عباءته، أشار إلي أن اتبعه.

زاد المسير سبعة أيام، كان قوتنا تمرات عجفاء و خبز زاده العفن مرارة، نستلقي عند انكسار ضوء النهار ثم نستكمل الطريق عند اختلاط الخيط الأبيض بالأسود، عند منتصف نهار اليوم السابع زارتني الحُمى، تمالكت نفسي التي تغلي في أتون الرجفة و حاولت أن ألحق بالدرويش الذي فصلني عنه مسيرة أقدام، ذهب لا يلتفت.

بدا كل شيء سرمدي في عيني، الصحراء بلا نهاية، الرمل ازداد احمراراً مع الوقت و ضاق علينا الوادي بين جبلين لم يحملا الأمانة فحملها الأحمق الأعظم، أنا.

اختفى الدرويش عن ناظري المنهكين تحت وطأة الحرارة و انفجار منابع العرق، وقفت، أين أنت أمي؟ اشتقت إلى عتوك و كبريائك بدر التمام، لما قبلتي أن تصيري محظية يتذكرها السلطان المترهل مرة كل دورة قمر؟، هل هي تجارة رابحة، أنت وراء البساتين و أنا في وسط اللاشيء متجها إلى اللاشيء،من أين يأتي الندم الدامي يا إلهي؟ ندم يتحول إلى غضب بعد ضياع الأمل و الغاية.

ركلت الرمال الحمراء بغضب طفولي، تناثرت في مجرى الرياح لتلطمني حباتها الوقحة، ما هذا الضياع وسط اللاجدوى، رحلة غاصبة لا تقرب على الانتهاء ، حتى القرار تركني خلفه وسط العدم المستعر، لا فرق بين الاستمرار أو العودة على أعقابي، ليس لي الآن إلا الوقوف وسط خلاء العالم، كصبارة متقبلة دورة حياتها بلا معنى على أرض اللامعنى المتناهي، أين أنت يا درويشي المغرور، لا كلمات تنفع أو تغني، سأظل هنا بلا إرادة أو رغبة أرتشف السخف من بئر أسن مالح ملوحة الحزن لعلني ألقى الفناء بين طيات رمال الوادي الأحمر.

– يبدو يا فتى أن إغماءاتك المتكررة ستطاردنا، أنهيت الماء و الآن الحليب، أحمد الله أنه لا يوجد خمر.

كلماته و ضحكته أفاقني من غيبوبة الروح، الجلي أنه حملني حتى نهاية الوادي، كنا وسط مخيم، ممتلئ بالرعاة البدو و الغنم الطليق المسالم، عرفت منه أننا وجدنا الرعاة بعد انهياري و شملونا بعين الرعاية، بدر مني نظرة امتنان له، فوضع يده على جبهتي و أشار إلى السماء قائلاً:

– هو.. هو فوق الموجودات و المنة.. لا تخف إن كان هو دليلك في البراري.

مرت علينا أيام من دعة غير محمودة، أزالت أثر الصحراء من جسدي، الدرويش كان كما هو يجلس على صخرة متطلع لطرف الوادي الخفي وراء تعرج الجبل، القوم مشتغلون بالرعي و الشواء، أتذكر ذلك اليوم أني أكلت كأول مرة أتذوق لحم الشياه، و مرحت مع الجمع في ضحك و لهو غاب عنه كدر العالم، كنت استرق النظر بين الفينة و الأخرى إلى مجلس الدرويش الصخري، ترانيمه كانت ترتفع تارةً و تهدأ طوراً.

انفض السامر و نام القوم في أماكنهم، لفت انتباهي رضاهم عن عالمهم بين جدب و قحط و عناء و ندرة المرعي، يصلون بروحانية للنجوم كل ليلة، قنوعين بعطاياها إليهم، يقدسون مشهداً صخرياً لنبي مزعوم، يمنعهم من مغادرة الوادي المقدس طوال مائة عام و نيف.

أيقظني فزعاً صوت الدليل الشاب الذي وافق على مرافقتنا إلى ما وراء الوادي الأحمر يصرخ وسط هدير قوي أتى من طرف الوادي المتعرج، وقف الناس كأنهم على رأس الأشهاد، منهم كثيرون أسرعوا إلى حمل الأطفال و قيادة الأغنام عبر الصخور صاعدين إلى الجبل لعله يعصمهم من شيء لا أعلمه و قلة قليلة انتحت جانباً تصلي إلى النجم قابضين على تعويذات خشبية مصنوعة من الشجر المحترق، قال الدليل فزعاً أنه الطود العظيم، و أشار إلى انفجار السيل الغاضب القادم سكران من طرف الوادي ، رمقت درويشي الرابض على التلة كصخرة من جرانيت، كان يغمغم لا تفارقه ابتسامته الشهيرة، زحفت إليه وسط شهب المياه الغاضبة، حتى لمست ساقه، حل عقدة مسبحته المئوية و نثر خرزها في وجه الرياح التي تعوي كذئب جريح، و ما كان مني إلا صرخة المحتشد صبيحة ليلة الحشر.

عن عمرو جنيد

mm
كاتب من مصر

اترك تعليقاً