جثة الضمير الجمعي

FB_IMG_1429530171981

يوسف بشير :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

بكل أسف، لا يمكنني نعي الضمير الجمعي، رغم تأكدي من مشاهدتي لجثته.

قالت لي صديقة ــ أتحفظ عن ذكر أسمها ــ لأن الأمر ربما يسوؤها. قالت لي ذات يوم: “لكم أرغب في رؤية مشيعي، لأعرف من أكثر حزنا عليّ”. ضحكت لسذاجتها. والآن عليّ أن أعتذر لها. وأقول لها: يمكنك أن تشاهدي تشيع الضمير الجمعي، الذي لم يوار الثرى بعد.

وأنا عند بداية حديثنا، نجده بكل أسف، لا يمكنني نعي الضمير الجمعي. أجل، لا يمكنني. لسبب بسيط جدا: أنني لا أرغب في تشيعه.

فجثته لن يطالها العفن، وإن ظلت قرون، فقط علينا تحنيطها، حتى لا تغيب عنا ملامحها، أو تتحول لهيكل عظمي. وبعد أن نفيق من غيبوبتنا سوف نمصلها بمضاد الأخلاق والمعرفة.

لننظر: لحجم الفظاظة التي نتعامل بها مع الآخرين، لمقدار الكآبة التي تشل تفكيرنا، ولبراعة الساسة في تمرير التهم الكيدية. شيء مثير للقيء.

وفوق ذلك يمكننا النظر لدمع طفل جائع متشرد في عاصمة المشروع الحضاري دون أن يطرف جفن إنسانيتا المشروخة، أو مشاهدة لصورة مسنة داخل مخيمات النازحين وهي تأكل خبز ناشف.

الجميع يعزي الحال الذي نحن فيه ــ وهو غير خافي على أحد ــ إلى الفقر، ولكنني أرجعه للركون الداخلي فينا، بمعنى، أننا كشعب لدينا استعداد فطري للتعايش مع الضغوط وكأنها شيء حتمي. وصدق من قال: (أننا قطيع، بلا قائد).

لكم أخشى على بني جلدتي من الخواء، التلبد، وعدم الإحساس بمن هم دوننا. والسؤال الذي يؤرقني كيف نكافح لنعيش حياة كريمة في ظل سودان بلا كرامة. لقد ماتت كرامتنا تحت أنقاض الظروف المهلكة.

لقد أقبل العيد، وما أدراك ما عيد الفداء.

من يضحي؟

ومن مضحى به؟

من يكسي أطفاله؟

ثلاثة أسئلة، إجابتها مخيبة للأمل. ذرف دموع التضامن لا تكفي، ولكن، لا نملك غيرها، وحرف يفضح ما وصلنا إليه حالة من مرحلة شظف العيش. رحماك يا ربي بالمساكين ــ وأنا منهم.

من يشكي لمن، أشعر أن البعض يشكو لـ”طوب الأرض”، من شح الراتب التي لا يكفي لوجبتين يوماً لثلاثين يوماً، فما بالك بخروف وقائمة من المطلوبات المنزلية، من بينها ملابس الأطفال.

خلال اليوم، وهو يصادف اليوم الثالث قبل العيد. عدد كبير من صور الكاريكاتير التي تتهكم من واقع الفقر الذي يتمشى بيننا مزهوا. تلك الصور وإن كانت مضحكة، فهي مسبة لتاريخنا الحديث، وبالطبع للساسة الذي كل همهم البحث عن توافق وطني تحت مظلة حوار “الوثبة” المعطوب. ناسين غول الغلاء الذي أجتاح كل البلاد إلا من تملق.

وعلى ذكر التملق، لا أعرف كيف يستطيع المتملق العيش في رغد، وجيرانه جوعى.

جزء الله حكومتنا الإسلامية خيرا، وهي تهب الخراف للسوريين واليمنيين متناسين المثل الشعبي: “كان الزاد ما كفى ناس البيت، حُرم على الجيران”. نعم هؤلاء ضحايا للحرب، ونحن أيضا ضحايا حرب، ونفوقهم معاناة. فكيف نعطيهم ونحن معدمين.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

اترك تعليقاً