حد الردة

11960234_472667852913935_8279433275331686529_n

السيد الشندويلي:

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

” ديننا بين التجديد والتفريط والتشديد “

في هذا المقال وفي سلسلة المقالات القادمة سنتطرق إلى عدة مواضيع دينية مُعملين عقولنا ومُتخذين من آيات الله نبراساً لنا حين قال في القرآن الكريم ( أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ) سورة (محمد) (24)، (كذلك نفصّل الآيات لقوم يتفكرون ) يونس (24)

ومن الملاحظ في وقتنا الحاضر أن ديننا يعيش ربما أسوء أيامه التي لا تُضاهيها في شدتها إلا أيام الفتنة واقتتال الصحابة فيما بينهم وربما تكون تلك الأيام أشد سوءاً لافتقار هذه الأيام لعدول تلك الفترة ومن هذا المنطلق فإن واجبنا أن نتخذ من سيره النبي وحياة الصحابة والتابعين طريقا يلي طريق القرآن الكريم.

غير أن المصادر تشعبت واختلفت الأحكام الشرعية وكثرت الإسرائيليات وما بات لنا إلا أن نستخدم عقولنا قاصدين الطريق نحو الحق لنصل إلى وفاق وأن لم نصل إليه فليكن اختلافنا بلا خلاف يُشتتنا.

وأول القضايا التي سنتطرق لها اليوم ونفرد لها هذا المقال هي:  ” حد الردة

1- معنى الردة في القاموس:

لقد جاءت الردة في القاموس بأكثر من معنى على اختلاف تشكيل الكلمة فجاءت بمعنى : الرِّدَّةُ تقاعسٌ في الذَّقَن وأيضاً الرَّدَّةُ اِلعيبُ ، أَو القبحُ مع شيءٍ من الجمالِ،و أيضا الرِّدَّةُ الرجوعُ إِلى الكفر بعد الإِسلام وتلك هي التي تعنينا .

2- حرية الاعتقاد والفكر في الكتاب والسنة:

تضمن القرآن العشرات من الآيات التي تتحدث صراحة عن حرية الاعتقاد والفكر فجاء في كتاب الله:

﴿ لَا إِكْرَ‌اهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّ‌شْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ‌ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّـهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْ‌وَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّـهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ “سورة البقرة256”

( مَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا ) ” 15 الإسراء “

( وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ ۖ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا ) ” 29 سورة الكهف “

( إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (91) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ (92) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) ” 91 ,92 , 93 سورة النمل”

( مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ۖ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ) ” 44 الروم “

(هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتاً وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَاراً ) “39 فاطر “

( إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ) “41 الزمر “

3- آيات القرآن الكريم حول الردة

( وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون ” ( البقرة 217 “

( إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (25) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (26) فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ) سورة محمد ) (27) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (28) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ 29) سورة محمد(

( مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن من شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ “ ) النحل:106″

( مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (107) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (108) لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (109) ” سورة النحل “

( أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ ) ” سورة البقرة 108 “

( كيف يَهْدِي اللّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿86﴾ أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴿87﴾ خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ ﴿88﴾ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿89﴾ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ ﴿90﴾ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ ﴿91﴾ ) ” سورة آل عمران “

( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلا ) ” سورة النساء 137 “

(  لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ ) ” سورة التوبة 66 “

( يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُواْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ) ” سورة التوبة 74 “

نستخلص مما مضى أن الله سبحانه وتعالى قد كفل للإنسان حرية الاعتقاد والفكر والتي عليها يُقام مبدأ العدل في الثواب والعقاب فلو كان الله سبحانه وتعالى قد جعل التفكير واختيار العقيدة جبرا على الإنسان لما كان هناك صحةً في وجوب ثواب الإنسان أو عقابه لأن الله سبحانه وتعالى لقب ذاته بالعدل فكيف يُحاسب إنسان على فعل أجبر عليه وأرغم دون إرادة واختيار ؟

ومما جاء في آيات الردة نرى أن الله سبحانه وتعالى نص على عقاب للمرتد ولكنة عقاب أخروي ليس عقاب دنيوي ونرى هذا جليا في الآيات السابقة التي لم تضمن آية واحده منهم نصاً على عقاب دنيوي للمرتد وعليه يأتي سؤال مهم على أذهاننا طارحاً ذاته وهو من أين جاءوا بحكم قتل المرتد وما أدلتهم عليه ؟ وهل أقام رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم هذا الحد؟ وهل كان هناك مرتدين أيام الرسول؟

روى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث الإمامين البخاري ومسلم – عن أنس ” أن نفراً من عكل ، ثمانية ، قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعوه على الإسلام ، فاستوخموا الأرض فسقمت أجسامهم ، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أفلا تخرجوا مع راعينا في إبله فتصيبون من ألبانها وأبوالها؟ قالوا : بلى . فخرجوا فشربوا من ألبانها وأبوالها فصحوا ، فقتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأطردوا النعم فبلغ ذلك رسول الله فأرسل في آثارهم، فاُدركوا ، فجئ بهم ، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم ، وسمر أعينهم ثم نبذهم في الشمس حتى ماتوا “

وجاء في بعض الروايات أنه كان للإبل رعاة وأن العرنيين قتلوهم ومثلوا بهم .

وقد فهم بعض العلماء من هذا الحديث أن العقوبة التي وقعها رسول الله صلى الله عليه وسلم هي العقوبة المقررة للمرتد فذكروا الحديث تحت عنوان ” حكم المحاربين والمرتدين ” أو في باب ” المحاربين من أهل الكفر والردة “

وقد أدت هذه العناوين إلى أن يزعم بعض المستشرقين بأن محمد صلى الله عليه وسلم كان يُكره الناس على الإسلام أول الأمر بتعذيب من يرتد عنه .

أما الرأي السائد بين جمهور العلماء وهو صحيح . أن النفر من عكل وعرينة لم يُقتلوا لمجرد الردة وإنما قُتلوا كونهم محاربين وفي ذلك يقول ابن تيمية في كتابة الصارم المسلول على شاتم الرسول ” هؤلاء قَتلوا مع الردة ، وأخذوا الأموال ، فصاروا قطاع طريق ، محاربين لله ورسوله “

وأقول أيضاً ربما كان العقاب قصاصاً لما فعلوه بالرعاة فكان العقاب من جنس العمل قصاصاً لما فعلوا وإسناداً لقول الله تعالى ” ولكم في القصاص حياةُ “

وعلى ذلك فأن حديث العرنيين من عكل وعرينة لا يصح أن يكون مستنداً للقائلين بأن عقوبة الردة هي القتل لأن جريمتهم لم تكن الردة فحسب ولذلك طُبق عليهم حد الحرابة .وكان واجباً فيما نرى أن يُستبعد ما جاء في الحديث عن تعذيب بعيد عن خُلق النبي مع أعدائه وتحريمه المُثلة حتى بالكلب العقور .

وجاء أيضاً في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله عن إبن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله ، وأني رسول الله ، إلا بإحدى ثلاث : الثيّب الزاني ، والنفس بالنفس ، والتارك لدينه المفارق للجماعة ( رواه البخاري ومسلم )

وقد فسر العديد من الفقهاء أن المارق من الدين المفارق للجماعة هو المرتد وقرروا بناء على ذلك أن المرتد يقتل حداً بنص هذا الحديث .

وهذا التفسير ليس محل اتفاق بين الفقهاء ، فإن ابن تيمية يقر أن المقصود بقول الرسول صلى الله عليه وسلم ” المارق من الدين المفارق للجماعة ” يحتمل أن يكون المحارب قاطع الطريق لا المرتد ويستند أبن تيمية في رأيه هذا إلى رواية للحديث المذكور عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” لا يحل دم امرئ مسلم شهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله ، إلا بإحدى ثلاث: رجل زنى بعد إحصان ،فإنه يُرجم، ورجل خرج محارباُ لله ورسوله ،فإنه يقتل أو يصلب أو ينفي من الأرض ، أو يقتل نفساً فيقتل بها ” وأخذاً بهذا الحديث قال إبن تيمية ” فهذا المستثنى هو المذكور في قوله : ” التارك لدينه المفارق للجماعة ” ولهذا وصفه بفراق الجماعة ، وإنما يكون هذا بالمحاربة .

ومن هذا الحديث يتضح أن العقوبة تُطبق على المارق من الدين المُفرق للجماعة وهذا الذي يُعد تحت إطار حد الحرابة لله ورسوله.

وجاء أيضاً في البخاري بسنده عن إبن عباس رضي الله عنه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ” من بدل دينه فاقتلوه ” وقد روى هذا الحديث أيضاً أبو داود في سننه والإمام مالك في الموطأ وغيرهم وهذا الحديث هو أقوى ما يؤيد المذهب السائد في الفقه الإسلامي بقتل المرتد .

مما يتعارض صراحة مع قول الله تعالى ” لا إكراه في الدين

وقد تساءل البعض عن كيفية قبول هذا الحديث على عمومه الذي يفيد شموله ، كل من غير دينه ومن ثم فإن اليهودي الذي يتنصر أو المسيحي الذي يعتنق الإسلام يدخل تحت حكم الحديث فيجب قتله ؟

والواضح أن الفقهاء لم يقولوا بسريان الحكم الوارد في الحديث على كل من بدل دينه وإنما كما يقول الإمام مالك ” ولم يعنِ بذلك فيما نرى والله أعلم ، من خرج من اليهودية إلى النصرانية ، ولا من النصرانية إلى اليهودية ،ولا من يغير دينه من أهل الأديان كلها إلى الإسلام فمن خرج من الإسلام إلى غيره وأظهر ذلك فذلك الذي عنى به والله أعلم”وعلة ذلك أن لفظ الدين أريد به الدين الحق فهو الإسلام فتبديل الدين يراد به تبديل الإسلام إلى غيره .

ولم يخالف في ذلك إلا الظاهرية وبعض الشافعية ، وقد بين إبن حزم رأى الظاهرية بقوله فيمن خرج من كفر إلى كفر، أنه ” لا يترك بل لا يقبل منه إلا الإسلام أو السيف. وبهذا يقول أصحابنا ” أما الشافعية الذين رأوا قتل من غير دينه إلى دين أخر من أهل الكفر ، فقد نقل رأيهم الحافظ إبن حجر في شرحه على صحيح البخاري ، وكذلك نقله إبن حزم في المحلى .

والحديث على الراجح عند العلماء ليس على عمومه ، لأن العموم يشمل من ترك ديناً ، غير الإسلام ، إلى دين الإسلام ، وليس هذا مسرداً بالحديث بإتفاق الجميع ، وقد احتج الجمهور لمذهبهم في عدم انطباق نص الحديث على من يغير دينه من غير المسلمين ، إلى غير الإسلام ، بأن ” الكفر ملة واحدة ، فلو تنصر اليهودي لم يخرج عن دين الكفر ،وكذا لو تهود الوثني” ، فواضح أن المراد من بدل بدين الإسلام دينا غيره ، لأن الدين في الحقيقة هو الإسلام طبقا لقوله تعالى ” إن الدين عند الله الإسلام ” 19 آل عمران ” .

ويورد الأحناف على الحديث قيدا أخر ، يخصصون به عموم لفظه ، حيث يرون أن المرتدة لا تُقتل ، وأن الحديث مقصور على المرتد من الرجال دون من ترتد من النساء ، وقد علل الحنفية ذلك بأن المرأة لا تقاتل ، وبأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى عن قتل النساء ، والنهي عام ،فيجرى على عمومه ليشمل المرتدة “

فعلة قتل المرتد عند الأحناف ، أنه قد يقاتل المسلمين مع الكفار أو المشركين فلذلك يقتل ، أما المرأة فليست من أهل القتال فلا تُقتل . وقد عدد بعض الأحناف من يستثنون من تطبيق الحديث الشريف : ” من بدل دينه فاقتلوه ” فجعلهم أربعة عشر صنفاً من المرتدين ويصح لذلك أن يقال إن أصحاب هذا الرأي يخصصون عموم هذا الحديث بالأدلة التي يحتجون بها في عدم قتل هذه الأصناف الأربعة عشر من المرتدين.

هل قتل رسول الله مرتدأً؟ وماذا فعل الصحابة ؟

من المتفق عليه والواضح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقتل مرتداً قط .. وجاء في البخاري ومسلم أن أعرابياً بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأصاب الأعرابي وعك بالمدينة، فأتى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وقال يا محمد أقلني بيعتي . فأبى رسول الله ثم جاءه فقال : يا محمد أقلني بيعتي ، فأبى ، ثم جاءه فقال يا محمد أقلني بيعتي . فأبى ، فخرج الأعرابي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنما المدينة كالكير تنفي خبثها ، وينصع طيبها . وقد ذكر الحافظ ابن حجر والإمام النووي نقلاً عن القاضي عياض ، أن الأعرابي كان يطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم إقالته من الإسلام فهي حالة ردة ظاهرة ومع ذلك لم يعاقب رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل ولا أمر بعقابه بل تركه يخرج من المدينة دون أن يعرض له أحد.

والأمر الثاني ما رواه البخاري عن أنس رضي الله عنه قال ” كان رجل نصرانياً فأسلم ، وقرأ البقرة وآل عمران ، فكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم ، فعاد نصرانياٌ، فكان يقول ” ما يدري محمد إلا ما كتبت له ” فأماته الله فدفنوه ، فأصبح وقد لفظته الأرض …

والأمر الثالث ما وردت حكايته في القرآن الكريم عن اليهود الذين كانوا يترددون بين الإسلام والكفر ليفتنوا المؤمنين عن دينهم ويردوهم عن الإسلام ،قال تعالى ” وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين أمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون ” آل عمران وقد كانت هذه الردة الجماعية في المدينة والدولة الإسلامية قائمة ورسول الله صلى الله عليه وسلم أكمها ومع ذلك لم يعاقب هؤلاء المرتدين الذين يرمون بنص القرآن الكريم إلى فتنة المؤمنين في دينهم وصدهم عنه .

والأمر الرابع ما رواه عبد الرزاق بسنده عن أنس رضي الله عنه قال:” بعثني أبو موسى لفتح تستر إلى عمر رضي الله عنه فسألني عمر وكان ستة نفر من بني بكر بن وائل قد ارتدوا عن الإسلام ولحقوا بالمشركين فقال: ما فعل النفر من بكر بن وائل ؟ قال فأخذت في حديث أخر لأشغله عنهم . فقال : ما فعل النفر من بكر بن وائل ؟ قلت: يا أمير المؤمنين قوم ارتدوا عن الإسلام ولحقوا بالمشركين . ما سبيلهم إلا القتل؟ فقال عمر:لأن أكون أخذتهم سلمًا أحب إلى مما طلعت عليه الشمس من صفراء أو بيضاء . قال:فقلت: يا أمير المؤمنين وما كنت صانعا بهم لو أخذتهم؟ قال: كنت عارضاً عليهم الباب الذي خرجوا منه أن يدخلوا فيه ، فإن فعلوا ذلك قبلت منهم ، وإلا استودعتهم السجن .

والأمر الخامس من الآثار المروية عن عمر بن عبد العزيز ” أن قوما أسلموا ثم لم يمكثوا إلا قليلاً حتى ارتدوا ، فكتب فيهم ميمون بن مهران إلى عمر بن عبد العزيز فكتب إليه عمر ” أن رد عليهم الجزية ودعهم “

وكتب بعض عمال عمر بن عبد العزيز إليه يسأله في رجل أسلم ثم ارتد فكتب إليه عمر بن عبد العزيز ” أن سله عن شرائع الإسلام ، فإن كان قد عرفها فأعرض عليه الإسلام فإن أبى فاضرب عنقه ، وإن كان لم يعرفها فغلظ الجزية ودعه”

إذا فماذا في حرب المرتدين التي أقامها أبى بكر الصديق رضي الله عنه ؟

يورد الفقهاء كدليل محاربة أبي بكر للمرتدين في مستهل خلافته، وما من قضية أسيء فهمها كهذه ، فأولاً : لم يكن أبو بكر هو البادئ بالحرب ، وكان ما قام أولاً به هو رد القبائل التي ما أن سمعت بوفاة الرسول حتى أرادت أن تتحرر من أمرين :

الأول : دفع الزكاة بحجة أنهم كانوا يدفعونها للرسول استجابة للآية ” خذ من أموالهم صدقة تُطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم ” التوبة . فقالوا لسنا ندفع زكاتنا إلا لمن كانت صلاته سكناً لنا .

والثاني : أن يتحرروا من خلافة أبي بكر ، فإنما خضعوا للرسول بحكم صفته أما أبو بكر فلا.

فالقضية إذن لم تكن ردة عقيدة إذ كان بينهم من يؤمن بالله والرسول ويصلي ، ولكنهم رفضوا الزكاة ورفضوا خلافة أبي بكر ، فهو تمرد على أخص مقومات الدولة ، وأخذ هذا التمرد صورة عملية عندما تصوروا أن ليس بالمدينة من يحميها بعد أن أرسل أبو بكر الجيش مع أسامة إلى الشام تطبيقاً لوصية الرسول ولكن أبا بكر كان عالماً بنواياهم ، فأعد من كبار الصحابة مجموعات تحمي أنقاب المدينة فلم يكد المتمردون يصلون المدينة حتى صدتهم هذه المجموعات فارتدوا على أعقابهم وبعد ذلك بمدة وبعد أن رجع جيش أسامة أرسل أبو بكر سراياه لمعاقبة هذه القبائل وإعادتها إلى حظيرة الدولة.

وعلى هذا فإن أبا بكر لم يحارب المرتدين ولكنه حورب منهم ورد عليهم ولم تكن القضية إيمان وكفر ولكن مال وسلطان وكان هذا واضحاً في مقولة أبى بكر ” والله لو منعوني عناقاً أو عقالاً كانوا يدفعونه لرسول الله لحاربتهم عليه “

وقد استنكر عمر بن الخطاب ولفيف من الصحابة أن يحارب أبو بكر هذه القبائل وهي مسلمة تقول لا إله إلا الله محمد رسول الله .

من كل هذا نستخلص أن القرآن الكريم لم يذكر صراحة عقابا للمرتد بالقتل ولم يثبت أن رسول الله قد قتل مرتداً قط إن صح حديث من بدل دينه فاقتلوه على العموم ففي نظري كان حديثاً وقتياً لأن المرتد قديماً لم يكن يلزم بيته ويحيا في سلم بل كان يرتد لينضم إلى صفوف الكفار محارباً لرسول الله وبهذا فإنه يدخل تحت سقف المحارب لله ورسوله وعليه وجوب قتله.

فالسؤال لماذا يُصر البعض على وجوب قتل المرتد ليخالفوا صريح آيات القرآن وأين الحرية هنا إن خيرنا أحدهم بين الموت والرجوع للإسلام حتما سيرجع ولكن سيرجع منافقاً ليحمى حياته فهل يصح إسلامه هنا؟

ثم أن الرأي القائل أن الحرية تكون قبل دخول الإسلام فإن دخله فلا خروج منه حتى قال بعض المتأخرين تشبيهاً نصه ” دخول الحمام مش زى خروجه ” فبالله عليكم هل يقبل هذا عقل وفكر؟…

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

اترك تعليقاً