زهر اللوز

almond-blossom-144379

آلاء جمال :

للتواصل مع صفحة الكاتبة على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

بحكم الطبيعة التي وجدتني فيها دون اختيار،كنت أصادف أسماءً كثيرة لأشجار وفاكهة وأزهار ، لم تكن لدي الرغبة الكافية لتخيل شكل ما أقرؤه ، لكن هناك قصيدة لمحمود درويش تصف زهر اللوز ، قد اجتاز ما تفعله الكلمات على الأسطر ليتعدى كل شيء فقد جعل اﻷسطر تعزف نوتة موسيقية تراقب النشوة بصمت ، حفظتها عن ظهر قلب ، لا أدري هل هي تمثل لكل من قرأها هذه القداسة المبجلة أم لا ..

لم يمر كثيرُ من العمر حتى اجتزت كل مراحل الدراسة إلى أن وصلت لمنصب رئاسة واجهة حكومية ، لن أكذب وأقول أني وصلت بنزاهة ، كان الطريق متعرجاً جداً ، في أحد الطرق الملتوية كنت مستقيمة حد الألف لكني تهشمت والتويت ، لا مبرر لكل ذلك ، لكنني كفرت عن كل ذلك بطريقة غريبة بعض الشيء.

فقد تم اختياري لمؤتمر عن الوحدة العربية في اليمن ، كنت سعيدة لدرجة أنني قررت أن أخيط ثوباً يحوي ألوان علم هذا البلد الساحر ، عندما وصلت كنت أفكر في السياحة وأسأل نفسي هل تفيد مثل هذه المؤتمرات ؟ هل تساعد في شيء ؟ المهم أنني سأقبض مبلغاً ممتازاً، عندما نزلت الفندق ، كنت متعبة جدا ، تذكرت الصيف الماضي في القاهرة ، فأخذت دفتري الذي رافقني تلك المرة أيضاً ، في أول صفحة  كانت قصيدة لوصف زهر اللوز ، كأنها توقيع بداية لحقيقة ما عاجزة عن معرفتها ،قرأتها ووصلت لذاك المقطع ( كمذكر يملي على الأنثى مشاعرها ) ، رافقتني هذه الجملة طوال سنين والآن تطل علي من نافذة صنعاء بهية جلية تذكرني بما كنت عليه عندما كانت تملى علي مشاعري ..

ما جئت من أجله تحديد مسار خارطة لدول على ورق ،مسالمة على الورق، متحدة على ورق ، متقدمة على ورق ، سندخل مسرحية لمدة خمس ساعات ، نتشاور في أمر بشر ما عادوا على قيد الإنسانية ، وأمر حدود ما عادت على خارطة الحياة وأمور ما عادت تهم أحداً سوى المنكوبين والمكلومين والمثقلين بأوطان شائخة ، أنا لست منهم ولن أنل ذلك الشرف المجيد ، أنا أناقش قضايا وطني في مقهى رث على طرف العاصمة ، أن أعتقل كل عيد للثورة ، أن آكل ( الفتة ) التي لا تنتمي للغذاء المعني من قبل الأطباء جملةً وتفصيلاً،أن أمارس فكري من خلال الكتب القديمة والأسواق البشعة التي تضاهي ( المولات ) بشاعة ، كل على طريقته .

 أفقت من أحلامي فجأة …و تذكرت بحثي عن زهرة اللوز ، أود أن أرى تلك الفاتنة التي ألهمت عقل الرجل ، ربما في ولعي بالقصيدة حقداً عليها وهذا ما فسره بحثي المستميت عنها ، ألم تفعل المرأة دوماً هذا مع غريمتها؟

 كان لابد أن أسأل الدليل الذي رفضت مرافقته لي كي لا يفسد استكشافي الذاتي لمدينة قد صبغت على الكثيرين روحاً متفردة كانت تسميها صديقتي آلهة الصخر ، كان المؤتمر في صباح اليوم التالي ، كنت المرأة العانس الوحيدة بين اثنتين ، والباقي كان من جنس آدم ، لم أتوكأ يوماً على رجل ليسندني ، لكنه كان سلمي للوصول إلى مبتغاي ، فهو ليس سوى شخص يستعملني ليشبع حيوانيته وأنا أطأ على غبائه ﻷرتفع ، وكلانا عندما ينتهي من عقد الصفقة ، نوقع تحت وثيقة ( بسم الله ) لكن الله بعيد ، بعيد جداً ، إنه في واد غير ذي نفاق ، لهذا لم أجده يوماً رغم أنه قريب حد التوتر ، وفي هذا النقيض توجد إنسانيتي المتوفاة .

لم أجد زهر اللوز طيلة اليوم ، بحثت وسألت عنه واقتفيت آثار حدسي ، لم استطع تحقيق حلمي ، يئست ، لكني عدت نشيطة من جديد في المساء عندما دخلت غرفتي ونازعت فيها رغبتي الجامحة لاصطياد منصب جديد عن طريق وزير أو سفير ..

تأنقت صباحاً ، تاركةً للحلم وسادةً خفية ، دخلت القاعة التي يدار فيها الاجتماع ، دونت البنود التي ستناقش بخصوصها :

-هامش الورقة

-قضية القدس

– قضية دارفور

– قضية إيران والسعودية

– قضية الحوثيين

لم تترك نكبة إلا واجترها هؤلاء الدجالون ببذلاتهم الأنيقة ، تحدثوا جميعهم إلاي ، قالوا رأيهم ببساطة وبتأثر عداي ، كنت أمتهن الصمت ﻷني كنت أحدق في الطاولة المستديرة التي أمامي والتي وضع فوقها باقة من زهر اللوز ، رتبها القائمون على الاجتماع ، كل هذا الوقت كانت هذه الزهرة تختبئ مني ، وهاهي الان تصنع لي المفاجأة وطوال بداية الاجتماع لم أنتبه لشكلها ، إلا عندما قال أحد القائمين على هذا المؤتمر:

– لقد اخترنا لكم زهر اللوز لأنه يدل على الشفافية وهكذا سيكون نقاشنا

جاء دوري وطُلب مني الكلام ، فتحدثت : أيها المنافقون المتخفون خلف البذلات الأنيقة ، لم تتيحوا للبشرية فرصةً للعيش ..إلتهمتم الأمل ، كيف لكم أيها الحمقى أن تلوثوا زهر اللوز ، أيها المتأرجحون بين الجهل والخديعة ، كيف سمحتم لأنفسكم أن تناكفوا درويش في قبره وتقتبسوا كلماته ؟

ألا تعرفون انه اعتبر من يستطيع وصف زهر اللوز كاتباً لنشيدنا الوطني  :

” لوصف زهر اللوز، لا موسوعة الأزهار

تسعفني، ولا القاموس يسعفني…

سيخطفني الكلام إلى أحابيل البلاغة

والبلاغة تجرح المعنى وتمدح جرحه،

كمذكر يملي على الأنثى مشاعرها

فكيف يشع زهر اللوز في لغتي أنا

وأنا الصدى؟

وهو الشفيف كضحكة مائية نبتت

على الأغصان من خفر الندى…

وهو الخفيف كجملة بيضاء موسيقية…

وهو الضعيف كلمح خاطرة

تطل على أصابعنا

ونكتبها سدى

وهو الكثيف كبيت شعر لا يدون

بالحروف

لوصف زهر اللوز تلمزني زيارات إلى

اللاوعي ترشدني إلى أسماء عاطفة

معلقة على الأشجار. ما اسمه؟

ما اسم هذا الشيء في شعرية اللاشيء؟

يلزمني اختراق الجاذبية والكلام،

لكي أحس بخفة الكلمات حين تصير

طيفا هامسا فأكونها وتكونني

شفافة بيضاء

لا وطن ولا منفى هي الكلمات،

بل ولع البياض بوصف زهر اللوز

لا ثلج ولا قطن فما هو في

تعاليه على الأشياء والأسماء

لو نجح المؤلف في كتابة مقطع ٍ

في وصف زهر اللوز، لانحسر الضباب

عن التلال، وقال شعب كامل:

هذا هوَ

هذا كلام نشيدنا الوطني!”

اليوم أنا في منفى العدم وفي جب البؤس ، لكني توشحت النقيض وألفته وتحسسته ووجدت الله معي ….

عن آلاء جمال

mm
شاعرة وقاصة من السودان

اترك تعليقاً