الرئيسية / العدد السادس والثلاثون / في رفقة الفيتوري (8-10)

في رفقة الفيتوري (8-10)

12006140_476747885839265_8037512352439922967_n

موافي يوسف :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا 

**

إنها الأوجاع ، الآلامُ يا سيدي ، رُفاتُ الجسد ، ظلامُ الروح ..

الآلامُ التي ، لا تسمعُ ، ولا تبصر ، لا تعي ، ولا تقول .. فقط تعومُ خاضعةٌ في بحيرةٍ ساكنةٍ من الحزن ، أو مُعلقة في ضبابٍ شاسعٍ من الخوف ورهبة المجهول ..

وكما قلتَ سيدي ، لكأنما تمتدّ مزرعةٌ في خيالِ الوُجود ، تكسو عُراة ، وتعري عراة ، وتجري كآبتها في عُروق الحياة ..

أومأ برأسه مواسياً لثرثرتي .. صمتُّ قليلاً .. بحلق هو في الفراغ .. جال ضبابٌ كثيف حولنا ، صورٌ باهتة ، لأطفال عُراة ، يتمرغون في الطين والوحل ،يتقافزون مثل القرود ، يصيحون ، ويضحكون ، ثم رُويداً رويداً يتلاشون تاركين خلفهم صدى ضحكاتهم ، وأنينَ أوجاعهم ..

هبّت نسمة رطبة تسللت نافذة الغرفة على حين غفلة من أمرها ، ثم صفعت وجهينا ، تنهّد كلانا ، ثم قال كمن يخاطب الضباب اللاوجودي إلا في مخيلاتنا بصوتٍ رخيم مشحون بالحكمة والأسى : الألمْ .. الألمُ يا فتى شعورٌ رهيبٌ ومخيف ..

أي إنسان يتألم ، يتألم عندما يُجرح كبرياؤه ، يتألم عندما تُجرح شخصيتُه ، عندما تُهان حقيقته ، يتألم عندما يرى الآخرين متألمين . ثمة شيء آخر ، وهو أنني عندما أمرّ مثلاً داخل مدينة ما ، ثم أرى جموع الشباب عاطلين ، خاملين ، يتناثرون كالذباب عبر حوائط الدكاكين ، تحت أسوار المدينة ، فوق مقاعد المقاهي ، أو تضطرهم الظروف القاسية إلى ولوج أعمال لم تكن لتسمح لهم بها قدراتهم .. عندئذ أشعر بالألم العميق .

أيضاً ثمة حالة أخرى تؤلمني ، وهي عندما أرى رجلاً ما ، أوتي القوة والثروة والنفوذ ، ثم ينسى يوماً ما أنه كان متألماً ، أنه كان متوجعاً ، أنه كان فقيراً وبلا سند ، ثم يتحول إلى ما يشبه الصنم ، دُمية صماء جوفاء .. عندئذ أشعر بالألم .

ثمة قضايا كثيرة ومواقف كثيرة في الحياة تبعث على الألم ، بقدر ما هنالك مواقف كثيرة وأشكال كثيرة وظواهر كثيرة تبعث على الفرح ، كلاهما جناحان ، الألم والفرح .. نحن نعيش في عالم من التناقضات الكثيرة ، مجبولون على أن نعيش في ضنك وإعياء ونحن نبحث عن حقيقة الأشياء ، الأشياء حولنا ، حقيقتنا نحن كبشر، ومن ثم حقيقة الوجود عموماً ، فالغافل من ظن الأشياء هي الأشياء .

 قاطعته في محاذاة لحديثه قائلاً :

يقول الفيلسوف الألماني ليسنغ : “لو كان بيد الرب اليمنى الحقيقة كلها ، الكاملة الناجزة ، وبيسراه البحث الدءوب عنها ، المترافق مع السعي الدائم والخطأ واكتنان الحقيقة ، ثم قال لي اختر ، لجثوت على ركبتيّ عند يسراه ، وقلت له : إلهي ، ما بيسراك ، فأما الحقيقة ، تليق بجلالك “

هزّ رأسه وقال : نعم ، فالتناقضات هي المزيج الذي تتركب منه الحياة ، ومن أجل ذلك أعتقد أننا نعيش ، وفي ذلك الأفق قُدّر علينا أن نتجاوز حياتنا إلى منتهاها .

لم نلبث قليلاً حتى انبثق صوتٌ جهُور ، عائمٌ في الفراغ حولنا ، يقول :

” كانت بشرته السوداء تقيم بينه وبين المدينة التي يحيا فيها حاجزاً كثيفاً ، يحرمه المشاركة والاندماج ، يؤجج في باطنه مشاعر مريرة صفراء ، ويشحذ حساسيته .

كان يقف على العتبة الأخيرة من الفئة البرجوازية الصغيرة ، يمتلئ وجدانه بصراعها المرير من أجل العيش ، وتمزقه قيمها المنهارة القلقة ، وترددها القاتل ، وتهدده هوات الشقاء التي لا تفتأ تتسع تحت أقدامها بين يوم وآخر .. في هذه المدينة التجارية الكبيرة التي لا تكف سفنها عن المجيء والذهاب ، والتي تقيم فيها الطبقة الأرستقراطية الأوربية البيضاء مجتمعاً يكاد أن يكون مقفلاً على أبناء البلاد ، والتي لا تعرف الوجه الأسود إلا خادماً ذليلاً ” *

ثم لف الصوت عباءته ، استدار ، ثم اختفى تماماً ..

ظل سيدي الفيتوري محدقاً في جسد الصوت المتلاشي لتوه في الفراغ بعينين شاخصتين يشوب بياضهما بعض الحمرة ، ظل هكذا برهة ، ثم استدار نحوي ، حدقت في عينيه التعبتين ، وفي تقاسيم وجهه التي اصطبغت بالفاجعة والحزن المرير ، ثم قال :

نعم ، كانت تنتابني أحاسيس بالغة بالدمامة والمهانة ، كنت أسير في طرقات الإسكندرية ، في شطآنها وسواحلها الجميلة التي لا تشبه إلا ذاتها ، أنظر بعينيها وأتحسس منابع الجمال ، كنت ممتلئ الشباب ، ووجهتي كانت سماء رحيبة لا حدود لها .

ولكن ، ثمة من يجتز من خيالاتي كل تلك الرؤى ، كل تلك الأشياء ، كمن يشعل عود ثقاب على كومة قش .. كانت ثمة عيون تضيق وتتسع ، ترمقني بشيء من التأمل والدهشة ، ساخرة من هيئتي ، ساخرة من بشرتي السوداء .. كان ذلك يشعل في نفسي مرارة بالغة ، وحزن كبير ..

فقيرٌ أجل .. ودميمٌ دميم

بلونِ الشتاءِ ، بلون الغُيوم

يسيرُ فتسخرُ منه الوُجوه

وتسخرُ حتى وُجُوه الهُموم …

صمتْ ، كأنما ينصُتُ لصوتٍ حسّه ، كأنما ينظر داخله ، كأنما ينبُشُ من ذاكرةٍ مُتخمةٍ بغبار المواجع ذكريات وذكريات ..

ثم رفع رأسه ، وقال مواصلاً :

في الحقيقة لم تكن بِشرتي ولا شُعوري بالدمامة العقبة الحقيقية في سبيل الوصول للخلاص الذي أنشُده ، بل كانت العقباتُ تكمُنُ في باطني ، في عالمي الداخلي ، كانت ثمة مشاعر حاقدة سوداء تتقد .. لكني ، وللحقيقة ، أقول أني بدأت أتحسس لرحلتي إتجاهاً جديداً ولمشاعري وانفعالاتي وطناً آخر غير الغربة والضياع ، ومن لون بشرتي ، ومن إحساسي العميق بالمرارة والأحقاد وطناً بعيداً نائياً ، أسكنه ويسكنني ، ويغريني ، وأغني له .. وطناً لا كما الأوطان ، هو إفريقيا ..  سأغني لها ، وألونها بلون مشاعري وانفعالاتي ، سأخلع عليها مأساتي الخاصة ، وأبصر من خلالها لخلاصي المنشود ، اخلع عليها أزماتي الباطنة ، أخلع عليها صراعي النفسي المرير ، سأجعل منها بيت عزائي ، مقبرة أحزاني ، سنبكي ، ونغني معاً …

– ياااه ، يا لجمالك المكسو بالحزن الجليل !

ثم هززت رأسي في حركة تأسفية ، أصبغت عليها نصف ابتسامة ..

سعل هو سعلتين ، أدمعت عيناه ، تنهد ملء صدره ، ثم أحرق سيجاره أخرى …

جدفتُ بعيداً عن محور حديثنا قليلاً ، رامياً بحجري على بركته الساكنة :

قلت : ولدتَ فوق عتبات الصمتِ والغضب .

قال : أنا تمرُّدُ التعبْ ، أنا تجسُّدُ الذُهول .

قلت : هل تخجلُ في أن تقول ؟

قال : لا أخجلُ أن أقول :

“يا زمني حتى الأسى شهوه”

وقدماي تتلوّيان في الهُوه

قلت : هل ترهبُ في أن تقول ؟

قال : لا أرهبُ أن أقول :

“يا زمني تآكلت حوافر الخيول”

والحوتُ في النهر يعرّي ظهرَه للشمس

والزرافُ يستريحُ في السُّهول

رائعٌ هذا الدجى الأخضر

رائعٌ صفاءُ الظُلمةِ الجميل

رائعةٌ رائحة الضبابِ والشجر

رائحةُ الجبالِ والمطر

رائحةُ السماءِ والنُجُوم

رائحةُ الأرضِ إذا تنفّست ،

وهي تعانقُ الغُيُوم

رائعةٌ عيناكِ يا حبيبتي

أجنحةٌ مُحلِّقاتٌ أبدا

يبرُقُ فيهنّ الشُعاعُ والنّدا

قوافلٌ مسافراتٌ أبدا

يبعُدن لا يترُكن من ورائهن

 إلا ظِلالاً وصدى

رائعةٌ هُمُومُ عينيكِ الصّغيرتين

حين تسألان من يكون ؟

ذلك الشاعرُ .. من يكون ؟

ذلك المغني الهمجيّ

ذلك المُهرِجُ الحزين

ذلك الذي يصبُغْه الجّلالُ والذُهُولْ

كلما انحنى على جراحه

وراح يقرعُ  الطُبُولْ

***

ها أنذا أقول :

لو ركضتُ عارياً فهذا قدري

ولو مشيتُ فوق جسرٍ من خُطاي

فهذا قدري

صوتي صوتُ زمني

 وجهي وجه قدري

فلا عجبْ !

وُلدتُ فوق عتباتِ الصّمت والغضبْ

أنا تمرُّدُ التعبْ

أنا تجسُّدُ الذُهولْ

ها أنا ذا أقولْ …

عن موافي يوسف

mm
شاعر وكاتب من السودان ، صدر له كتاب "سَبعُ ساعاتٍ من رِفقَةِ النَّهر" سيرة روائية عن حياة الشاعر الكبير محمد مفتاح الفيتوري .

اترك تعليقاً