متلازمات سودانية

tumblr_m24iwrFJXf1qb306ko1_500

أحمد يوسف :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

أجد أنه من الطرافة أن أسماء المُتلازمات و العُقد المُعتمدة علميّاً و مُستخدمة بشكل واسع حاليّاً ليس السبب في تسميتها علماء متخصصون في المجال المعنيّ كما قد يتبادر للذهن .. بل أن سبب تسمية الكثير منها هم أشخاص عاديون و لكن يلاحظون بدقّة فقط .. فمثلاً مُتلازمة بيكويك ، و التي يستعملها أطباء الأمراض الصدرية لوصف الشخص مُفرط البدانة لدرجة أن تنفسه يصير عسيراً فتجده مُحتقن الوجه يلهث طوال الوقت و كأنه إنتهى لتوّه من ماراثون محموم ، فاسم المتلازمة مُستوحى من بيكويك بطل الرواية الرائعة لتشارلز ديكنز “أوراق بيكويك” .. أيضاً مُصطلح “متلازمة أو عقدة لوليتا” و الذي يستخدمه علماء النفس لوصف حالات الحب و العشق الجنسي بين إثنين بينهما فارق عمري كبير ، خاصة الفتيات المُراهقات مع رجال كهول ، و إسم المُتلازمة مُستوحى من رواية فلاديمير نابوكوف الشهيرة “لوليتا” … لذا ، و من هذا المُنطلق فقد قررتُ مدّ الباحثين السودانيين في مجال علم الإجتماع بأسماء لثلاث مُتلازمات من صميم المجتمع السوداني ، و الأسماء الواردة أدناه هي أسماء لأشخاص حقيقيين كانوا نموذجاً تقريبياً عن فئات معينة ..

* متلازمة عمّار بصل:

تصف هذه المُتلازمة شاب سوداني مهتم بقضايا الفِكْر و السياسة .. يُفتتن هذا الشاب في أواخر سنيّ مراهقته و حتى بداية العشرين بفكرة الشيوعيّة .. و يتحمّس لفكرة المساواة الاقتصادية و تفتيت رأس المال و ديكتاتورية البروليتاريا ثم التنكيل بالرأسماليين الأوغاد و سلقهم أحياءً .. سيعيش عمّار ردحاً من الزمان في عالمه الورديّ هذا ، يقرأ بيان الحزب الشيوعي و مُلخّص رأس المال مرّة تلو الأخرى و يحفظ أشعار حُمّيد .. إلى أن يبدأ رجل حكيم القَسمات يضع عوينات أنيقة بالطرق على جُدران عالم عمّار ، مُحدثاً شُروخاً و تصدّعات لا يمكن تجاهلها .. الرجل هو الخاتم عدلان ، و الذي سيستمر في الطرق على جدارن عالم عمّار حتى تنهار الجدران .. و يبدأ عمّار بإنتقاد الشيوعيّة شيئاً فشيئاً ، و لو كان مُتحمساً كفايةً فسينضم لحركة حقّ كذلك .. و لكن هذه محطّة لن يلبث عندها طويلاً ، فجُرعة الواقعيّة التي أعطاها له الخاتم عدلان ستجعله عَطِشاً للمزيد منها .. و هكذا و بنهاية المطاف فسيصير عمّار ليبراليّاً و العياذُ بالله .. بدايةً لن يكون ذلك حُباً في الرأسماليّة بقدر ما أنه تماشٍ مع الواقع ، فالرأسماليّة هي الطوفان الذي لا يمكن تجنبه إلا لحالم .. و لكن بعد مرور بعض الوقت ستروق له الفكرة ، و سيبدأ بانتقاد الشيوعيّة بضراوة بعد ذلك.

* مُتلازمة حاج عوض :

و حاج عوض هو جارنا الستّيني ذو الكرش المستدير و الجلحات ، و الذي يرمقني بريبة و كراهيّة غير مبررتان كلما مررت بجانبه و ألقيت عليه التحيّة .. و لا بد أنه الآن جالس يُدخنّ شيشتهُ ببراءة غير عالمٍ بأن اسمه يُزجّ به في بوست يتكلّم عن المُتلازمات في فيسبوك .. أفنى حاج عوض حياته و هو يطارد الأوهام التي حددها المُجتمع كمعايير للنجاح .. الشهادة الجامعيّة ثم الوظيفة المرموقة ، البيت الكبير ، الزوجة الجميلة البضّة ، ثم تربية الأولاد و تعليمهم في أحسن المدارس و تزويجهم ثم مُداعبة الأحفاد بعد ذلك .. و لكن حاج عوض انتبه متأخراً جداً و بعد أن خفّت الضوضاء إلى أنه لم يفعل سوى أن أهدر حياته .. و أن الفترة التي عاشها حقّاً هي فترة شبابه قبل أن يربط نفسه في هذه الساقيّة التي تدور و تدور بلا هوادة .. فأصابه سُخط عام ، و حالة نكوص جزئي ، فصار لا يترك سانحة تُفلت منه إلا و تباكى على الزمن الجميل ، حينما كانت الدنيا غير و الناس غير ، و حينما كانت الذئاب ترعى الحملان في البراري .. حينها كان لكل شيء طعم ، حتى الماء تغيّر طعمه الآن ، حينها كانت المدارس غير و المناهج غير ، و كان يؤتى لهم بالتحليّة في الداخليّة ، و كانوا يتحولون جميعاً إلى تشي جيفارات صِغار حينما تتأخر التحليّة و يقلبون الداخليّة رأساً على عقب .. و يحكي بزهو كيف أنه كان يلبس بنطاله الشارلستون و يسرّح شعره الآفرو و يخرج ليخلب لُبّ الفتيات اللواتي كُنّ غير ذلك ، و أنهم كانوا لا يعرفون مياعات شباب هذه الأيام و نصلهم لسراويلهم فيما يسمّى بالبيستم على حدّ تعبيره ، إن البيستم هذا لشئ شنيع فعلاً .

* مُتلازمة ريم :

تصيب هذه المُتلازمة الفتيات الجميلات الحالمات ، اللائي يؤمنّ إيماناً عميقاً بأنه هنالك ، و في مكان ما ، توجد أرض خياليّة مسحورة ، يسكنها فُرسان أكثر وسامة من جورج كلوني ، و أكثر ثراءاً من بيل غيتس ، أكثر جبروتاً من هِرقل و أكثر شاعريةً و رقّةً من شريف الفحيل .. يقبع هؤلاء الفرسان ممتطين صهوات جيادهم البيضاء بإنتظار إشارة القدر ، ليطيروا بعدها لبيت ريم ، و يدخلوا البيت من بابه ليخطبوها من والدها .. لذا ستظل ريم ترفض العريس تلو الآخر لأسباب واهية ، و هي تحلم بهؤلاء الفرسان و تحتضن وسادتها و تتنهد .. إلى أن يوقظها من حلمها الورديّ هذا صافرة قطار العُمر ، و هو يهدد بأنه متوجّه بها نحو محطّة العنوسة إذا لم تجد حلاً ، و إلى أنّ تستهلك ريم كل فساتين السهرة التي تحضر بها زيجات صديقاتها اللاتي بدأ أطفالهنّ بالحبو .. حينها فقط سترضخ ريم للواقع ، و ستقبل بذلك العريس المُغترب الذي لا يشبه جورج كلوني في شئ ، و الذي جاء خِصّيصاً السوادن في إجازة ليبحث بمعاونة أمه و أخواته عن ماكينة تفريخ ذات جينات ممتازة .. ستقنع ريم نفسها بأنه رجلها المثالي ، فعلى الأقلّ هو لا يتجشأ بصوتٍ عالٍ و لا يبصق على السُجّاد ، و الأهمّ من ذلك أنه لا يسفّ السعوط .. و لكن و في أوّل أسبوع من شهر العسل ، و حينما تجد ريم الكيس النتن الرائحة إياه ، الملفوف بعناية و موضوع تحت الوسادة ، فسيبلغ الغيظ و الحُنق بريم درجة تجعلها تُفكّر جادة في تكوير سفّة من الكيس و وضعها تحت شفتها السُفلى.

* أخذتُ الإذن من أسماء الشخصيات الواردة في المُتلازمات ، ما عدا حاج عوض طبعاً ، و الذي لو أخبرته بما أنوي فعله بقصة حياته لتقافزت الشياطين أمام عينيه و لطاردني عبر الحيّ بخرطوش الشيشة و هو يصرخ بأن ظنونه كانت صائبة بشأني.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

اترك تعليقاً