نبضة قلب

img_1371368415_320

يوسف أزروال :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

الحب..نبحث عنه طويلاً، بعناء، حتى بعد أن يستبد بنا الظن أن روح الحب قد أزهقت في قلوبنا، يعود مجدداً ليدق بابنا، يعذبنا،  يسعدنا للحظات، ثم نتساءل، لم كل هذا التعب؟ ففي النهاية لا نجده حقاً إلا في عيني قط صغير تملؤها براءة تنطفئ كل يوم في الأعين، ككل يوم تسقط شعرة و تبيض أخرى.

ليلي الطويل ليس له نهاية و ربما لن ينتهي أبداً حتى بعد أن يغطي التراب جسدي المجعد بالكهولة، من الصعب تصديق أنني بلغت الخمسين منذ أيام، تبدو الحياة أقصر كل يوم، يسود ضباب رمادي ذكريات الماضي، الطفولة و الشباب، كلما كانت الذكرى قديمة، كلما بدت مشوشة أكثر، لعنة تلحق بك منذ الولادة، هي لعنة الحياة، تنتهي لتعاود البدء من جديد، دائرة مبهمة تدور بلا توقف.

يزورني بين الفينة و الأخرى وجه زوجتي الشاحب، حين صارعت الموت، ثم صرعها،لا أستيقظ من هذا الحلم المزعج إلا وقد تبلل جسدي بكمية غزيرة من العرق، تنقذني من وحدتي القاتلة زيارات كثيرة من طرف الجيران بعضها تفقدي، إلا واحدة لشاب صغير هو الآخر تملأ عينيه براءة الأطفال، حركاته يلفها طيش الشباب الذي يبدو كطيف لشخص فقدته مند زمن. الرابعة و النصف من كل أربعاء، غالباً ما يمر على منزلي ليسألني شرح بعض ما التبس عليه بخصوص أوراق الانتساب لمدارس عليا يتمنى الالتحاق بها، في إحدى المرات لم أستطع أن أربط لساني بين أسناني فحكيت له قصتي، توقعت أنها ستصبح في متناول الجميع فيما بعد لكن الكثير من زيارات الجيران كانت تقول العكس، الحوادث النادرة ممكنة الحدوث و كذلك بشر بصفات ذهبية كصفة الكتمان.

قبل أن يأتي مجدداً وقعت عيني على صورة “ناديا” التي لم أحب غيرها في حياتي. أشتاق لرائحة شعرها لعينيها المشدودتين بقوة عندما تفرج عن ابتسامتها الخجولة للشمس، و لي.

الحياة مخادعة، توهمك بالكثير من السعادة لتستفيق على صحراء الواقع القاحلة، حيث الجميع يعانون الوحدة حتى و إن كانوا في مدن يملؤها الملايين من البشر، تنهش الوحدة روحهم بلا رحمة، في انتظار مخلصهم من عذابهم.

الحب أو الموت.

تباً له.. مجدداً يزور أفكاري.

جرس الباب أنقذني من غياهب أفكار عديدة متلاطمة، لم يكن غيره، “أنس” و معه صديقه الذي لا أعرفه. مجدداً أوراق أخرى لمدرسة أخرى أفك له طلاسم معانيها مترجماً له كل شيء من الفرنسية إلى العربية، رغم أنني لست واثقاً من أنه يستطيع تجاوز عقبة اللغة في تلك المدارس الجادة على ما يبدو، لكنه في مقتبل العمر، كل شيء متوقع، كل شيء ممكن،أو على الأقل هذا ما يرددونه على مسامعك عندما تستقبل العقد الثاني من عمرك، لتتغير عندما تستقبل الخمسين لكلام مثل “أحسن الخاتمة يا عبد السلام” “التقوى و الورع” لا تكن شيبة عاصية” أو “احترم سنك ليحترمك الناس” الكثير من الترهات معظم الوقت، لم يوقظني من سفري الطويل في سماء الأفكار الواسعة سوى “أنس” الحائر و القلق من استغراقي النظر في ورقة من الأوراق دون الأخرى.

-إذن هل هي جيدة؟ خاطبني مستفهماً.

لم أعلم بالضبط ما هو قصده، لكن شرحت له بإسهاب عن المدارس الثلاث و ما تقدمه و ما تشترطه بينما صديقه يتفحصني بعينين يملأهما شيء غريب و مريب.

تمر الأيام ببطء، غالباً ما تأخذني نوبات نوم عميق أمام التلفاز، كشيخ يخيط في عقده السابع بتأني، هكذا أبدو حتى في مرآة الحمام حين أقف هناك كل صباح لحلاقة ذقني، لم يعد هنالك سبب وجيه لأتأنق و لكنها عادة لا يمكنني تغييرها.

لم؟ لا أدري السبب الذي جعلني لا أنصت لكلام “ناديا” و تحذيراتها من صديق كنت أظنه توأم الروح، عرضه كان مغرياً بكل المعاني الممكنة، كان ليعتبر قفزةً لمستوى جديد في حياتي الاجتماعية و أحوالي المالية كما أن الأمر يشمل العودة للوطن الذي اشتقت إلى سمائه الزرقاء و ظرف أهله الطيبين، لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن. لم يكن حلم الشركة المتفردة و الأولى من نوعها في الوطن إلا عملية نصب محكمة أجهزت على معظم ما أفنيت عمري من أجله، سنوات من العمل ضاعت في أشهر، و مرض “ناديا” أجهز على الباقي، ثم خسرت كل شيء بعد وفاتها.

انتهى أمري في هذا المنزل الذي لا أملك غيره الآن، و أيام طويلة في انتظار شارة النهاية لفلم كان وردي اللون و انتهى بالسواد.

ازداد وزني و تضخمت كرشي بشكل بارز، لكنني لم أعد أهتم فمعظم الوقت أرتدي عباءتي الواسعة التي تخفي كل شيء.

*****

لم أكن أعلم أنه ينتظرني في زاوية الشارع، لم يخطر ببالي أبداً أن يكون لي نصيب في الحياة بعد أن خسرت كل شيء، لكن القدر لم يفرغ كل مفاجآته بعد.

بعد موسم الامتحانات و نجاح “أنس” بمعدل متواضع لم يؤهله لأي مدرسة عليا من مدارس أحلامه، لم يكن له سوى الذهاب لأسوار الجامعة، و التي تعتبر مضيعة لوقت الكثيرين، لكن لعل الله يدركه بمفاجأة لا يتوقعها هناك، غاب عني “أنس” فأحسست بفراغ كبير، كانت زياراته تعني لي الكثير، أكثر مما كنت أظن.

مرت الأيام ثقيلة، مملة، و ازدادت الحرارة مع حلول شهر غشت أو آب كما يسمونه العرب، فكان من الصعب تحمل الحرارة لو لم يوجد المكيف، و السطح ليلاً، و على واحد مجاور كان يطل قمر أخر غير المطل من السماء، كانت تجلس على كرسي بلاستيكي أبيض، تحت ضوء مصباح كهربائي يبدو ضعيفاً، يحوم حوله بعوض الصيف المزعج، لكنها ككل ليلة، تبقى مستغرقة في ما تقرأه من كتب، تبدو كالملائكة، كان سطح منزلي أعلى قليلاً من باقي الأسطح مما مكنني من مراقبتها بشكل واضح معظم الوقت، حتى تعلقت بها بشكل طفولي، فأصبحت دائم التردد على السطح لعلها تطل أو تشرق من بيتهم، بشعرها الأسود الذي تغمره حمرة خفيفة حين تلمسه خيوط أشعة الشمس، كان لها ضحكة عالية، تسمع من بعيد، و بعد كل واحدة تضغط بكف يدها الرقيق على فمها، ربما لتحبس بقية الضحكات، أو ربما لأنها خجلة.

عندما التقت أعيننا لأول مرة كان الأمر مربكاً بالنسبة لي، و كنت أتساءل إن شعرت بمراقبتي لها أم لا، كان الأمر محرجاً، فربما ظنت أنني منحرف، أو شخص سيء.

مرت أيام عديدة، راقبت فيها تلك الجميلة وغصت فيها كل يوم أكثر من الأخر حتى أمسيت من المغرمين، فما اكتشفته بالمراقبة سحر عقلي و قلبي معاً، كم تبدو هادئة، ناعمة، مكتملة و ناضجة. تبدو كامرأة حقيقية رغم أن بنيتها الجسمانية تدل على أنها ربما بالكاد قد شارفت على الثلاثين، كل لفتة منها و كل حركة تشي بنضج و تعقل نادر، عشقها للقراءة ربما أثر فيها فجعلها أكثر نضجاً من صويحباتها و اللائي يظهرن قدراً من الطيش بين الفينة و الأخرى، بنظرات جريئة أو بلباس يظهر المفاتن، لكن كل ذلك عادي في سنهن، كلهن كالوردات تتفتح فتظهر أبهى ما لديها.

كانت حادثة كسر ساقيي بعد أن سقطة من درج السطح، سبب في قلب كل شيء، كان صراخي كافياً ليعلم الجيران بما حدث لي، و بعد أن تمكن بعض الشبان من تسلق حائط السطح العالي لبيتي، نقلت للمستشفى، ليتم تجبير ساقي، فصرت غير قادر على رؤيتها، لم أكن أستطيع الحراك من فراشي إلا للحمام بصعوبة، كان الأمر محرجاً، خصوصاً بعد أن أظهر الجيران تعاوناً غير متوقع، فكانت “خضرا” و ابنيها يعتنون بي، فلم أحتج الكثير، لكن اشتياقي لوجهها كان يقتلني، فكنت بوجه ضجر و نكد معظم الوقت، بعد أيام تفاهمت جارتي مع جارتها الأخرى لكي تتعاونا على الاعتناء بحالتي، و طبعاً بإشراف شبان من أبنائهم.

حين يكون القدر لطيفاً و منصفاً، يجلب الشفاء في الطعم المر، و قد كان لي ذلك، هلّ القمر على غرفتي لأول مرة، خجلاً، كنت أراها و لا أراها، لم أكن أصدق عيني، هي تبدو أجمل عن قرب.

لم يمر وقت طويل حتى رُبط بيننا حبل الكلام، و تنوعت حواراتنا، حيث كان أغلبها عن الأدب و الذي كانت مولعة به، أحببت ذوقها و حماسها في الكلام عن أمور قد يجدها البعض مملة بعض الشيء، لكنها كانت، كما عهدتها، رقيقة، شفافة و ذات شخصية مكتملة. لم يزدني اقترابها مني إلا حباً و عشقاً لكل تفاصيلها، أمضيت ليال كثيرة أتخيلها عروسي المنتظرة، التي تتفتح كالوردة، بين يدي، بكل نعومة و بهاء، كم كنت أحب أن أتخيلها حولي كرفيقة أيامي الخريفية، تحلق حولي كفراشة ملونة، تبعث السعادة في النفس و تذكرني بنصف الحياة الأجمل.

كان شفائي قد اقترب حين خطرت لي فكرة أن أكتب لها كل ما أشعر به، البوح صعب، لكنه يريح، كالبكاء.

كتبت لها نصا طويلاً أمتدح فيه جمالها و ثقافتها، و كم أشعر بحبها يعيد لي الروح التي غادرتني منذ زمن، ثم ختمت الرسالة دون إمضاء، العاشق لا يحتاج لدليل لكي يستدل عليه أو على صاحبه و كنت أظن أنها تعلم بأمري مسبقاً، فقررت أن لا أضع أي إمضاء.

وضعت الرسالة في وسط كتاب رغبت بمطالعته، و بقيت أنتظر، و طال انتظاري حتى تم شفائي، ثم اختفى الجميع من حولي، شعرت بسيول الفراغ و الوحدة تجتاح عالمي بلا رحمة، طالت الليالي و الأيام، و اعتدت السهاد و دوامات الفكر التي لا تنتهي، أتراها غضبت مني؟ أو ربما شعرت بالإهانة؟

لم أكن أعلم بأي مصيبة ابتليت حتى سمعت من بيتهم زغاريد، كان قلبي يخبرني بصوت قلق عن خطب ما طوال اليوم، لكنني اخترت أن أصم أذني عن كلامه حتى دق أحدهم الباب، و لم يكن غير شقيقها يدعوني لحفلة خطوبة أخته على ابن جيرانهم و الذي كان يساعدني طوال مدة محنتي، ثم علمت أنه قد داع في الحي صيت الرسالة الغرامية التي كتبها لها، والتي عجلت بارتباطهما، و هو الذي وظف منذ أشهر في البلدية.

كانت تلك أخر طعنة، و كان ذلك الشخص آخر من أفتح له بابي، و كانت هي أخر نبضة حب يسعد بها القلب.

عن يوسف أزروال

mm
كاتب ومترجم من المغرب

اترك تعليقاً