الرئيسية / العدد الثامن والثلاثون / أوتار الأرض الخمسة (01)

أوتار الأرض الخمسة (01)

11260884_1183100781704942_2707606989046451192_n

يوسف أزروال :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط  هنا

**

الحلقة الأولى – البداية.

تكاد تنكمش المدينة تحت وطأة المطر الذي يتساقط بغزارة، تغمر المياه الأزقة، لتبدو كمدينة أشباح من بعيد ،بل يوجد شبح يراقب حبات المطر و هي تتساقط على ضوء أعمدة الإنارة العمومية، تبدو وكأنها تتساقط ببطء تتلاعب بها الرياح أحياناً فتتطاير في الفضاء لكنها تكمل طريقها نحو الأرض لتعود فيما بعد إلى أصلها.. البحر.

 عبر زقاقاً يعرفه، وراح يراقب نافذة اشتاق لها، بعينين يعتصرهما الألم و روح يبعثها الأمل، انتظر تحت النافذة لوقت طويل وهو ينادي بصوت غير مسموع لعل صدى إحدى توسلاته يعود على مسامعه، التفت بعد ذلك نحو قطرات المطر المتساقطة بدلال على خيوط الضوء الذهبي القادمة من مصباح يشع شباباً و حيوية، ربما ركائز الإنارة هي الأخرى سعيدة لقدوم المطر رغم ما قد يصيبها من تلف.

نظر نحو النافذة مجدداً ثم أطلق روحه لرياح تتلاعب بها كقطرات المطر لكنها ستصل هدفها في النهاية…

*****

صوت قطرة تسقط على صفحة الماء المتجمع في إناء ما بالمطبخ أيقظني من نوم خفيف،تتحرك عقارب الساعة ببطء، بينما أحاول العودة إلى أرض الأحلام، دون فائدة..نومي كان بالهشاشة التي توقظني منه قطرة سقطت من صنبور، ذلك الصوت.. كم هو موحش و مخيف.
مددت يدي نحو مذكرة والدي، آخر ما تبقى منه، لم أستطع مطالعة كلمة واحدة منها، تفحصتها لساعات، مسحت كل زاوية فيها، حتى غلافها الأنيق بعين الفضول والترقب، لم أكن يوماً من الشجعان و لكنني أجبن الخلق هده الليلة.
بعد حين, جمعت شتات عزيمتي و قررت قراءة أول صفحة.
في الصفحة الأولى ملاحظة على شكل افتتاحية، تشير إلى وجود أجزاء سابقة لهذه المذكرة…
غريب! و هل كان سينسى أن له دفاتر أخرى تحمل مذكراته ؟ 
في أول السطر تاريخ اليوم.. الخامس عشر من الشهر الثامن الموافق لهذه السنة.
” في مثل هذا اليوم ولد يونس، اليوم سيصبح عمره ثمانية و عشرون سنة…لقد صار شاباً وسيماً، لكن بحكم مراقبتي له، أشعر بالقلق عليه، فقسمات وجهه يملأها اليأس و أحياناً ألمح في عينيه حزناً عميقاً… كم تمنيت لو…أريد أن أساعده فهو ولدي في النهاية رغم ما حصل.
آه لو يعلم كم أشتاق إليه و كم أحبه، راقبته طويلاً من بعيد، رأيته يكبر و لم أستطع يوماً أن أضمه إلي أو ألمس كفيه الصغيرين أو حتى أن أمسح دمعه يوم خرج من المدرسة باكياً، لم أعلم السبب، جعلني ذلك الأمر تعيساً لمدة طويلة.
لو كان بيدي لجعلت اليوم عيداً باسمه، ربما يمسح ذلك بعضاً من حزنه المتراكم في عينيه الجميلتين.
عيد ميلاد سعيد صغيري.. أتمنى أن تتحقق كل أحلامك.” 
أغلقت المذكرة بسرعة، كان قلبي يخفق بقوة، دقاته تصرخ بأذني و كأنه يدفع بابها ليخرج حراً من عالمي، أغمضت عيني لدقائق محاولاً أن أهدأ، لم أكن أعلم هل يجب علي أن أضحك أو أبكي ولكن الأكيد أن حسرتي تزداد عمقاً مع كل حرف أقرأه. استلقيت على فراشي، مصغياً لدقات قلبي تتراجع نحو عمقي، بهدوء، و بروية غططت في نوم عميق أخذني بعيداً إلى سماء زرقاء و غيوم ناعمة الملمس كالقطن، تسبح بكل حرية، بين الغيوم التي تكاثفت حولي كنت أحلق، كطائر لكن بدون أجنحة، حين انتبهت لذلك، انتابني إحساس مفاجئ بأنني أهوي نحو الأسفل، أسقط بقوة، أصرخ وأستنجد بكل من أعرفه، كاد قلبي يتوقف من شدة الخوف، حتى ظهرت لي يد تشق الغيوم لتمسك بيدي اليمنى، لم أستطع تبين ملامح منقذي، كنت معلقاً في الفضاء، بينما تشي الغيوم بملامحه أكثر فأكثر، عيون بنية حادة، و ابتسامة ترسم طريقها على لحية بيضاء، ثم سمعته يقول بصوت ليس غريب علي:
“يونس لقد حان الوقت لنلتقي..يونس أفق.. يونس..” 
– يونس.. ما بك يا بني؟؟ 
استيقظت فزعاً و أمي إلى جانبي، كانت تبدو قلقة بعد أن سمعت صرخاتي
– إنه مجرد كابوس..
قالت لي أمي و هي تضمني نحوها بقوة.

حاولت نسيان ذلك الكابوس الغريب، أثناء تناولنا الإفطار، كانت الساعة السابعة و النصف حين رن هاتفي المحمول.
– مرحبا..من معي؟
– و من غيري؟؟ لا اعتقد أن هنالك شخص غيري قد يزعج نفسه ليكلمك في مثل هذا الوقت، لكن الغريب أنك مستيقظ؟ هل مازلت حزيناً، يجب أن لا تعطي الأمر أكثر من حجمه ف…
– إنها السابعة صباحاً، قاطعته قائلاً، سنتقابل في المساء، نفس الموعد و نفس المكان.
أغلقت الهاتف و وضعته بجانب الطاولة، لم يكن من الصعب ملاحظة نظرات أمي الممتعضة من أسلوب كلامي مع صديقي الوحيد، تناولت إفطاري في صمت، بينما راحت ترمقني بنظرات، أحياناً قلقة، و أحياناً تفحصية و كأنها تراني لأول مرة. انسحبت من طاولت الطعام كما تنسحب الروح من الجسد، كان الصمت و الحزن يغلفان المكان، لم يكن لدي عزاءً غير حاسوبي الشخصي و قضاء ساعات مبحراً في عالم الانترنت ، كل شيء فيه افتراضي، الأصدقاء، الحوارات، العلاقات، البيانات و الكثير من المعلومات التي يتخللها الخداع و الغش.
“سحقاً..”
و كأني أخاطب الجهاز, كيف لهذا الشيء أن يلتهم ساعات كثيرة من يومي دون أن أنجز أي شيء يذكر، أتممت مخاطباً نفسي، لكن بدونه لكانت ساعات الملل من جحيم.
مر الوقت بسرعة أمام ذلك الجهاز اللعين، خطفت نظرة نحو المنبه فوجدتها قد قاربت الخامسة، و لحوالي ساعة بعدها انشغلت ،ولم ينتشلني من الشبكة العنكبوتية إلا هاتف “أمين” و هو ينبهني أنني قد تأخرت كثيراً. تركت كل شيء لأخرج مسرعاً نحو مكان اللقاء.
لم يكن المقهى بعيداً، يجب أن أجتاز القنطرة و بضع بنايات، لكن لم أكن أعلم أن الأمر سيستغرق وقتاً أطول.
كنت أركض بسرعة، لم يكن يعيقني إلا حقيبتي المدرسية فلم أتخلى عنها أبداً رغم تخرجي فهي تلازمني أينما ذهبت، كان الظلام يطبق على المدينة الصغيرة و ينشر الهدوء رويداً رويداً في كامل أوصالها، سكان مدينتنا يفضلون النوم باكراً، أو على الأقل يلزمون منازلهم بعد الغروب، قبل العاشرة مساءً تصبح المدينة صامتة هادئة.

 واصلت الركض وأنا على القنطرة رغم أن طريق الراجلين عليها ضيق، كل ما أذكره هو لمعة خطفت تركيزي للحظات في الأفق البعيد حيث يهاجم السواد آخر أثار الشفق، و دون انتباه مني كان على الطريق دراجة نارية تحاول تجاوز سيارة عابرة، فامتطت بسرعة طريق الراجلين و عندما لاحظتها كان لا يفصل بيننا إلا خطوتين، حاولت أن أفسح الطريق لها، ففقدت توازني، أحسست بنفسي وكأني ألف في الهواء ارتطم وجهي بالدعامة الحديدية أفلتها ثم أمسكت بالجزء السفلي للقنطرة. مر وقت طويل و أنا أصرخ، لكن لم يلب صرخاتي أحد، و كأن الجميع قد أصيب بصمم، أو أن من حولي يهابون المرتفعات، انتشر مع الوقت خدر في ذراعي، استمر في الانتشار حتى أضعف قبضتي على الدعامة السفلى للقنطرة، كان الرعب يقتلني عندما أرى الهاوية التي تنتظرني بالأسفل.
بدأت ذراعي تنفلت شيئاً فشيئاً، غطت دموعي وجهي و لم أعد أفكر بشيء، فلم يعرني أحد اهتماماً رغم صراخي الهستيري المتكرر، و في لحظة استسلام، أغمضت عيني وافلت قبضتي عن القضيب الحديدي.

عن يوسف أزروال

mm
كاتب ومترجم من المغرب

اترك تعليقاً