الرئيسية / العدد السابع والثلاثون / الأدب العربي والعالمية في ظل جائزة نوبل

الأدب العربي والعالمية في ظل جائزة نوبل

Altayb-Saleh

عبير عواد :

للتواصل مع صفحة الكاتبة على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

أكثر من تساؤل يطرح نفسه.. ماذا تطلب الجائزة من المبدعين العرب؟ ، هل تطالب جائزة نوبل الأدباء العرب بالإبداع أم تطالبهم بشيء آخر؟  بلا شك، أن الأدباء العرب على درجة عالية ورفيعة المستوى وأنهم لا يقلّون عن غيرهم إبداعاً، إن لم يكونوا متفوقين عليهم، وكثير منهم جدير بالجائزة، وكان يجب أن يُمنح هؤلاء الجائزة قبل وقت طويل، لكن!!

تثار علامات الاستفهام حول معيار النزاهة، لهذه الجائزة ويهبط باختيارها إلى مستوى معين، يجعله عرضة لتساؤلات كثيرة ، كان تكريم نجيب محفوظ حالة استثنائية ويعني دخول أدبنا العالمية، لكن قبل نجيب محفوظ ، أين كان الانتباه لأدبنا العربي وإذا كان أدبنا دخل العالمية قبل نجيب، فلماذا لم تُكَرِّمْ الهيئة من كانَ قبله ؟!!

لا شك أنَّ في أدبنا العربي الحديث أعلاماً كباراً يستحقون جائزة نوبل.. نجيب محفوظ حين أخبروه بفوزه بالجائزة، تمنى لوأنَّ أحداً من أساتذته الكبار نالها، والحقيقة أنه ما قبل و ما بعد محفوظ هناك أعلام في الأدب العربي .. مثل طه حسين عميد الأدب العربي أديب، ناقد، مجدد، رائعته (الأيام) ترجمت إلى عدة لغات أجنبية.. و كذا العقاد ككاتب وقاص.. وميخائيل نعيمة، ناقد، شاعر و قاص، له من الأعمال الكثير الذي ترجم ونال شهرة عالمية بأنحاء العالم.. جبران خليل جبران.. كاتب، أديب، شاعر، فنان، انتشرت شهرته في الشرق والغرب، كتب بالإنجليزية، و بالعربية، وما كتبه بالإنجليزية نُشِرِ بأمريكا وأوربا، ثم ترجم إلى العربية، وما كتبه باللغة العربية تُرجِم إلى غير لغة أجنبية..

عبقري الرواية العربية الطيب صالح و رائعته الشهيرة (موسم الهجرة إلى الشمال) التي ترجمت إلى غير لغة أوربية.

كما أن في المغرب العربي روائيين وكتاب كبار كتبوا بأكثر من لغة، وكتبوا كذلك بلغتهم العربية ثم تُرْجِم ماكتبوه إلى لغات أوربية. ومهما اختلفت مستويات هؤلاء الأعلام الذين ذكرناهم.. وتباينت مذاهبهم، أو تنوعت أساليبهم فيما كتبوا أو قصوا سواء أكان باللغة العربية ثم ترجم إلى اللغات الأوربية، أو ما هو مكتوب مباشرة باللغة الإنجليزية أو الفرنسية، فإنَّ آثارهم تخطت حدود المحلية، ودخلت العالمية. بل إنَّ أهمَّ ما كانت تلتقي عليه آثارهم جميعاً العالمية والعمق والإنسانية، وهي المقاييس التي تتوخاها هيئة التحكيم في أي إبداع تمنحه الفوز.. وقد فاز كثيرمن هؤلاء الأعلام بجوائز دولية مختلفة تكريماً لهم ، مثل المبدع العربي الطاهربن جلون المغربي الأصل نال جائزة (الجونكور) الفرنسية بمطلع عام 1988 عن روايته الأخيرة (الليلة العظيمة)، وقد ترجمت إلى اللغة العربية بعنوان (ليلة القدر) وهو نفس عام فوز محفوظ بنوبل الأدب..وعلى الرغم من ذلك كله لم ينل واحد من هؤلاء جائزة نوبل ،  فأين التقصير؟ هل هو من هؤلاء الأدباء العرب أم من هيئة الجائزة التي لم تلتفت إليهم؟ هل لأن أعضاء هيئة التحكيم لا تحوي ناطقين باللغة العربية؟؟ وعلام يدل هذا؟؟ إِنَّ لغتنا العربية، كانت في عصر من العصورعالمية تعكس وجه أمتنا، وحضارتنا.. واليوم الأمة واللغة تحت قيد التخلف عن اللحاق بركب الحضارة الإنسانية..

حين نال أديب فرنسا الكبير اندريه جيد جائزة نوبل، نصح هيئة الجائزة أن يلتفتوا إلى تكريم الدكتور طه حسين، لأنه يستحق الجائزة و قال: إنَّ طه حسين أجدر منه بها والجدير بالذكر أن جامعة الدول العربية في ذلك الوقت قد رشحت بالفعل طه حسين للجائزة..  في الحقيقة وحتى لا نبدو بمظهر المتجنِ على الهيئة دعونا لا ننسى أن الشبهات التي تحوم حول نزاهة الهيئة هي ما جعل أدباء أمثال سارتر عام 1964 وماركيز عام 1982 يحتجون بالرفض أو استنكار ذهاب قيمة الجائزة لمن لا يستحقها..

إن شبهة الانحياز لجماعة من المبدعين سواء في مجال الأدب أو غيره للترشيح والحصول على جائزة نوبل.. هو ما جعل هناك تساؤلات عدة حول فوز محفوظ نفسه بالجائزة.. رغم أنه بحق يُعَد رائدًا لفن الرواية العربية بلا منازع، وله فضل كبير عليها، حيث أغنى الرواية العربية، و كان من دعاة الفصحى والمؤيدين لها في الوقت الذي كان بعضهم ينادي بالعامية.. وقد نال الكثير من الجهد والمشقة حتى وصل لما وصل إليه في مجاله.. ولكن لم ينل محفوظ الجائزة في أوج نشاطه وغزارة انتاجه بفترتي الخمسينات السيتنات بعضهم قال.. بل إن تغير موقف نجيب محفوظ من اتفاقية السلام مع إسرائيل وقتها وموافقته عليها وإعلانه عن هذا وتصريحه به هو ما جعل هيئة نوبل تختاره للفوز بالجائزة ، لكن بعيدًا عن صحة هذا من عدمه, وبعيدًا عن حصر الأمر رغمًا عنا في الدائرة السياسية.. أليس هناك أكثر نقطة توقف على الأقل نتساءل بعدها؟؟ وماذا بعد نجيب محفوظ ؟؟ سبع وعشرون عامًا ولم يفز مبدع عربي في مجال الأدب بالجائزة؟!!

علينا أن نكون على علم ببعض الأمور الهامة بخصوص الجائزة حتى نعرض الأمر بحيادية

في حوار صحفي أجرته محطة فرانس 24 مع الكاتب السويدي شل أسبمارك، عضو الأكاديمية السويدية ورئيس لجنة نوبل بين 1998 و2004، وأحد الأعضاء الخمسة المسؤولين عن الاختيار النهائي للفائز بجائزة نوبل للآداب.. نفى الرجل شبهة تسييس الجائزة.. وقال إن الهيئة تتعثر أحيانًا في بعض اختياراتها وضرب مثالاً على هذا بفوز ونستون تشرشل بها في اختيار غريب مناف للمنطق في هذا الوقت, وتحدث عن أن معايير اختيار العمل الأدبي للفوز بالجائزة

يعني أن يكون الكاتب صاحب منهج مميز وموهبة أدبية  تمنحه الأحقية بالفوز.. وأن الاختيار يتم عن طريق ترشيح نوادِ أدبية وجمعيات واتحادات كتاب ومتخصصين في البحوث اللغوية وكتاب وفائزون سابقن يضعون ترشيحاتهم في استمارات الترشيح التي تصلهم سنويًا ، وأن معيار فوز العمل هو اقترانه ومقاربته للواقع الإنساني ، وهذا ما حدث عند المفاضلة بين محفوظ و أدونيس الشاعر السوري حيث وجدت الهيئة أن أعمال نجيب محفوظ أكثر صدقًا وارتباطًا بالواقع الإنساني العام وأكثر واقعية ، وقد ترجمت إلى لغات عالمية أكثر من أدونيس .

وعن  عدم وجود عضو واحد يتحدث العربية بلجنة التحكيم وتأثير ذلك على قرار اللجنة أكد أبسمارك أن هذا الأمر بلا أهمية حيث يتم قراءة العمل بترجمات متعددة كما يتم استشارة متخصصين في الغة العربية للحكم على مدى دقة العمل وصلاحيته من حيث اتفاقه مع آداب العربية  وتقنيات الكتابة المعتمدة فيها وكذلك البناء الأدبي والهيكلي والتمازج الصوتي للعمل .

وعندما سئل عن عدم حصول أي كاتب أو شاعر عربي على جائزة نوبل منذ نجيب محفوظ عام 1988 أجاب أن الأمر متعلق بالمنافسة القوية، فجميع الكتاب العرب الذين يتقدمون للجائزة جيدون ولكنهم مثلهم مثل الأدباء والكتاب الآخرون الذين يكتبون بلغات أخرى . فكل عام هنالك أكثر من 200 مرشح لهذه الجائزة بمختلف لغات العالم ، فالعرض قيم جدا والعمل الذي يتفق عليه أكبر عدد من الأعضاء هو من سيفوز بالجائزة في النهاية ، ويصلنا العديد من الأعمال من العالم العربي سنويا، وعدم فوزها بالجائزة لا يعني عدم تميزها .

*

ما شاركتكم به مقتطفات من حديث الرجل ، لكن هل لدينا استعداد لتصديق الأمر ، أم الأكثر تماشيًا مع الموقف اعتبار أن غرابة الأمر ترجع بالفعل لعوامل سياسية وتأثيرات أخرى لا علاقة لها من قريب أو من بعيد.. بقيمة الإبداع الأدبي نفسه..

وتحضرني هنا.. قصة ترشيح الأديب العربي الكبير السوداني الأصل والمولد الطيب صالح , فبعد رحيله تعالت الأصوات المطالبة بدعم ترشيحه لنيل جائزة نوبل واتجهت الأنظار نحو اتحاد الكتاب العرب واتحاد كتاب مصر لحثهما على التضامن مع مجموعة من المؤسسات الثقافية في الخرطوم بينها اتحاد الكتاب السودانيين ومركز عبدالكريم ميرغني الثقافي الذين أرسلوا رسالة إلي الأكاديمية السويدية لترشح الرجل لنيل الجائزة . وكل هذه الخطابات كما قال محمد سلماوي الأمين العام لاتحاد الكتاب العرب وقتها: لا قيمة لها فجائزة نوبل بفروعها المختلفة لا يتم ترشيح الأشخاص لنيلها من قبل الدولة أو غيرها من المؤسسات والاتحادات بل يتم الترشيح لها حصرا من قبل أكاديمية متخصصة مرتبطة بالجائزة وهي لا تأخذ بعين الاعتبار ترشيحات الدول أو الأفراد بل تقرر شروط الترشيح وفق آلية خاصة. وتكون الترشيحات سرية. و أضاف: الترشيح لجائزة نوبل له طريقتان لا ثالثة لهما الأولى عبر تلك المراكز العلمية المعتمدة لدى الجائزة وتسمى وكلاء نوبل والثانية بواسطة الفائزين السابقين بالجائزة إذ ترسل لهم المؤسسة سنويا استمارة ترشيح. وأن الطيب صالح رشح لنيل الجائزة بالفعل قبل وفاته بأسبوع واحد فقط عبر وساطة مصرية قام بها الكاتب محمد سلماوي الذي أكد علمه بآليات الترشيح للجائزة نظرا لاقترابه من الأديب الكبير نجيب محفوظ وقال: خطر لي أن الحل الوحيد المتاح لنا هو إقناع أحد الحاصلين على الجائزة بأهمية إبداعات الطيب صالح وجدوى ترشيحه و بعد النظر للفائزين بالجائزة وجدت أن أديبة جنوب إفريقيا نادين جورديمر قد تكون الأقرب للقيام بهذه المهمة لعدة أسباب أولها أنها صديقة شخصية يمكن أن نطلب منها طلبا كهذا دون حساسية وثانيها أنها قد تكون الأكثر حماسة وتفهما لترشيح أديب أفريقي عربي. وبالفعل أرسلت لها رسالة بالبريد الالكتروني طرحت فيها أسباب دعمنا لترشيح الأديب الراحل وأرفقت بالرسالة سيرة ذاتية وفية للأديب الكبير وكتابات نقدية عن أبرز أعماله الروائية “موسم الهجرة إلى الشمال”.. وأن نادين جورديمر بادرت بالاتصال تليفونيا فور استلامها الرسالة وقالت إنها تعرف الطيب صالح جيدا على المستوي الروائي برغم أنهما لم يلتقيا من قبل. وأشارت إلى إنها الآن تقرأ الطبعة الشعبية لروايته الأشهر موسم الهجرة إلى الشمال الصادرة مؤخرا بالانجليزية عن دار بنجوين وتعهدت بترشيحه لأنه كما قالت يستحق الجائزة بجدارة… وأضاف أن الأديبة البريطانية الأشهر مارجريت درابيل عندما زارت القاهرة للمشاركة في فعاليات معرض القاهرة للكتاب كانت تحمل النسخة نفسها من رواية موسم الهجرة إلى الشمال وقالت للجمهور أنها تقرأها للمرة الثانية .

وأضاف أنه كان يمنح الاستمارة كل عام للأديب نجيب محفوظ حتى يقوم بترشيح الطيب صالح.. ولكنه كان يضطر لعدم اتمام الأمر خوفًا من أن يغضب أحدًا من أصدقائه.. حيث أن الكثيرين كانوا يتصلون به لترشيحهم لنيل الجائزة.. وأعلن وقتها أن سوء حالته الصحية يمنعه من متابعة  ما يتم إصداره أولاً بأول على الساحة الأدبية.. ويبدو من سياق القصة كما رواها سلماوي.. أن نادين جورديمير لو كانت قد أرسلت استمارة الترشيح قبل وفاة الطيب صالح.. لدخل في قائمة الترشيحات, خاصة أن روايته التي طبعت نسختها الإنجليزية من دار بنجوين للنشر والتوزيع وجدت حيزاً لها بين أعظم مائة رواية في العالم? أي أن لدى الرجل رحمه الله من مقومات الفوز الكثير.. ولكن!!

الخلاصة..

ما زالت نوبل بعيدة عن الأدباء العرب.. ولا زال الإبداع العربي متواريًا خلف فوز وحيد في قائمة نوبل منذ أقيم أوّل احتفال لتقديم بالأكاديمية الملكية الموسيقية في مدينة ستوكهولم عاصمة  سنة 1901.. حيث تُسلّم جوائز نوبل في احتفال رسمي في العاشر من ديسمبر من كل عام , و هو يوم وفاة الصناعي السويدي، صاحب الجائزة على أن تُعلن أسماء الفائزين في شهر أكتوبر من العام نفسه من قِبل اللجان المختلفة والمعنية في تحديد الفائزين لجائزة نوبل. .

عن عبير عواد

mm
كاتبة من مصر تحمل ثلاثة مفاتيح لأبواب عالمها هي : الكلمات .. الموسيقى .. الطبيعة .

2 تعليقات

  1. دائما هناك اعتبارات سياسية، واحيانا هناك اعتبارات اخرى، سواء نوبل او غير نوبل، هذا واقع من الخطا تجاهله، ولكن الاجدر بالادباء العرب ان يبحثوا في اسباب التجاهل وليس البحث في محاولة اثباته، لماذا لم يشير اديب عربي واحد لمشكلة اللغة العربية وعدم قدرتها على مسايرة الحياة اليومية كبقية لغات العالم، هل توجد لغة في العالم ليست مستخدمة في الحياة اليومية كاللغة العربية؟ لماذا لا نجد هذا البعد الشاسع بين العامية وبين اللغة الرسمية في كل اللغات التي نعرفها غير اللغة العربية؟ ماهي الاسباب؟ اليست اللغة هي الوعاء الذي تنتقل من خلاله الثقافة؟ فاذا كان الوعاء به مشكلة الا يضر هذا بالثقافة؟

  2. محمد مصطفى…

    ها أنا ذا قد رأيت أخيرًا تعليقك، الذي يتوافق مع حديثنا بشأن اللغة العربية..

    ربما ساجيب عليك من واقع فوز بوب ديلان بجائزة نوبل للأدب لعام 2016.. ديلان مغني التربادوري المغني الشعبي الذي يشدو بأغاني الفولك على قيثارته الكهربائية, و يكتب اشعاره لينتقد بها واقع سياسي مرير, أو انتهاك تمارسه السلطة ضد الشعب.. ديلان أعاد صياغة جزء من تاريخ الأمة الأمريكية التراثي من خلال كلمات أشعاره..
    نقل أفكارًا و مارس انتقاداته من خلال كلمات أغانيه.. استغرب البعض في وطننا العربي فوزه بالجائزة..
    الجائزة التي منحت للشعر قيمته, و أعادت صياغة فكرة التعبير من خلال اللغة .. لماذا استغربوا!!
    ربما لهذه الأسباب المجتمعة التي ذكرتها …

    أحتاج منك قراءة مقالي هنا أيضًا عن اللغة العربية بين الأصالة والحداثة…
    اتفق معك بشان ضرورة تطوير اللغة والخروج بها من عباءة القديم جدا..
    لكن!
    بيد من و كيف حقيقة لا أدري

    شكرًا لمشاركتك.. و أعتذر عن التأخر بالرد.

أضف تعليقاً